مقالات وآراء

سرطان الاستيطان

 

عارف الآغا – خاص طريق القدس

منذ أمد وعقود مضت وأنا أسير على خطى التاريخ الفلسطيني تارة واثقا وأخرى متشككا بين اليقين والشك بان فلسطين حلم لن يموت ولو بعد حين، ومنذ عقود والأحداث تطحننا وتطحن جغرافيا بلادنا برحاها، ومن يُراقب الوضع في فلسطين سيلحظ ببساطه الهجوم الصهيوني المُمول أمريكيا على كل ماهو فلسطيني كهوية وكمكان وكتاريخ وكجغرافيا، ففي القدس كما هو في الضفة وكما هو الحال في الجليل الفلسطيني والنقب الفلسطيني والمدن الفلسطينية المهجرة، تجول وتصول الجرافات الصهيونية في جولات هدم وردم لكل ما هو فلسطيني وعلى أنقاض هذا الهدم والردم تنبت  كالفطر مستوطنات صهيونية بين ليلة وضحاها لابل في المدن الفلسطينية المهجرة قسرا منذ عام 1948 مثل يافا وحيفا وعكا والرملة والنقب  …الخ تقوم الجرافات الصهيونية فيها بجرف الحارات والبيوت العربية لتبني مكانها حارات استيطانيه يهودية، ولا يقتصر الأمر على جرف الفلسطينيون الأحياء فقط لابل إنأسنان الجرافات تدك قبور الأموات وتجرف مقابر الفلسطينيين لتبني عليها مستوطنات ومشاريع صهيونية تُغير وجه وصورة المكان التاريخية من خلال محو هويته الفلسطينية.

فتطور النهج السياسي لدى حكام الكيان الصهيوني وتأثيراته على حقائق الواقع السياسي والاقتصادي والديمغرافي في الضفة والقدس ومناطق 1948، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الإحلال الإسرائيلي في سيرورة تكوينه وتطوره كتاريخ قائم ومرتبط بتناسق كامل مع الماضي الاستعماري الصهيوني في فلسطين، ومن الحقائق الساطعة، أن بناء المستوطنات الصهيونية فوق الأراضي الفلسطينية المصادرة، يستهدف تهويد الأرض، ذلك أن نهج الاستيطان وثوابته واحدة، وأن لاشيء يتبدل أو يتغير في الفكر والتخطيط، أيا كانت حكومات الكيان، لأن وجود الكيان  واستمراريته يرتبطان بسياسة فرض الأمر الواقع، وهذا ما عبر عنه الكاتب الإسرائيلي “ميرون بنفنستي” بقوله:” أن تاريخ المشروع الصهيوني هو سلسلة من الوقائع المفروضة من خلال مجموعة من المحاولات المخططة والهادفة إلى خلق واقع استيطاني في فلسطين”.

وتمكنت الصهيونية عبر وسائل عديدة وبأساليب مختلفة، أن تجعل الكثير من اليهود عبر العالم مشروع مهاجر وبالتالي مستوطن، لذا لم تتوقف عمليات القضم الإسرائيلي المنظم للأراضي الفلسطينية طوال أكثر من سبعة عقود، والنتيجة أن الفلسطينيين الذين باتوا يشكلون حوالي “18” في المائة من سكان الأراضي العربية المحتلة عام “1948” لا يملكون سوى “4” في المئة من مساحة الأرض، كما أن المناطق الفلسطينية الأخرى التي يشكل سكانها أغلبية ساحقة، لا يملكون فيها سوى “38” في المائة، وباتت محور نشاط استيطاني واسع هي الأخرى. ومن هنا يمكن فهم الربط الدائم لدى حكومات إسرائيل المتعاقبة بين الأمن والاستيطان في الفكر والممارسة، فإقامة المستوطنات كانت تشكل دوما الأساس الوطيد للنهج السياسي لحكام الكيان، والتي ينظر إليها كحدود جديدة لإسرائيل، هذه الديماغوجية عبرت عنها “غولدامائيرإذ قالت:” أن حدود إسرائيل هي حيث يقيم اليهود، لا حيث يوجد خط على الخريطة ” ، وثمة مهمة أخرى لسياسة خلق الوقائع الجديدة وبناء المزيد من المستوطنات وتكمن في تمزيق أواصر الاتصال الجغرافي للتجمعات الفلسطينية وبالتالي إلغاء أي حديث عن الدولتين أوحتى عن إمكانية  وجود  أي كيان سياسي على ارض  فلسطين.ففي الضفة الغربية ومحيط مدينة القدس الشريف أرتفع عدد المستوطنين إلى ما يقارب “800 ألف”  مستوطن مقابل حوالي “90 ألف” مستوطن قبل مباشرة عملية السلام في مدريد. وبعد توقيع اتفاقية أوسلو الكارثية ، صادرت إسرائيل “900 ألف” دونم من الأراضي الفلسطينية، وبعد توقيع اتفاقية  واي ريفر، أقامت إسرائيل أكثر من “70” نقطة إستيطانية إضافة إلى “40” قيد الإنشاء ، ويوجد الآن “480” مستوطنة تنتشر في الضفة، فضلا عن “260” مستوطنة داخل وعلى حدود مدينة القدس الشريف، بحيث زادت نسبة بناء المستوطنات “200” في المائة، وقامت إسرائيل بهدم حوالي “3000” منزل لفلسطينيين في مدينة القدس خلال الخمس سنوات الأخيرة.. وكانت القدس الهدف الصهيوني الأبرز في المشروع الاستيطاني، فقد تعرضت مقدساتها لأبشع الجرائم بدءا من حرق المسجد الأقصى، مرورا بإجراء الحفريات حول وأسفل الحرم الشريف، وليس انتهاء بهدم البيوت العربية، ومصادرة الأراضي الفلسطينية وطرد السكان وتوسيع الاستيطان، وليس أدل على نوايا إسرائيل تجاه القدس من قول “بن غوريون”: لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل”.

اما الآثار المترتبة على الاستيطان اليهودي في القدس وضواحيها فيمكن إجمالها  بالنقاط التالية:

–  مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي التابعة للقرى التي أقيمت عليها المستوطنات.

–  تطويق التجمعات السكنية الفلسطينية والحد من توسعها.

–  تهديد بعض التجمعات السكانية الفلسطينية بالإزالة.

– إبقاء فلسطيني القدس وضواحيها العزل في حالة خوف ورعب دائمين، من خلال الاعتداءات المتكررة عليهم من قبل المستوطنين المدججين بالسلاح.

– عزل مدينة القدس وضواحيها عن محيطها الفلسطيني في الشمال والجنوب.

– فصل شمال الضفة عن جنوبها، والتحكم في حركة الفلسطينيين بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.

– قطع التواصل الجغرافي بين أنحاء الضفة الغربية وتقسيمها إلى بقع متناثرة والحيلولة بالتالي دون إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

– تشويه النمط العمراني الرائع للقدس العتيقة والقرى الفلسطينية المحيطة.

– هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

والغريب والمريب أن الجاري في فلسطين هو أشبه بمساومه صامته بين بقاء سلطة أوسلو ورموزها واستمرار الاحتلال والإحلال الإسرائيلي واستمرارية مشاريعه الاستيطانيةوالإحلاليه فيما تبقى من فتات جغرافي وديموغرافي من الضفة الفلسطينية والقدس وهي الضفة التي لم تعد ضفة ولم تعد مرتبطة بالقدس حيث مزقَّ جدار الفصل الصهيوني كامل أحشاءوأعضاءوأطرافالضفةالغربية وحولها إلى معازل بشريه وجغرافيه، وباتت السيطرة الإسرائيلية الاستيطانيةوالعسكرية على مناطق الضفةالغربية والقدس أكثر قوه وامتدادا مما هي عليه قبل أوسلووإبان انتفاضة الحجارة، بمعنى بسيط ماجرى منذ نشأة وتأسيس السلطة الفلسطينية هو أن إسرائيل سيطرت على هذه السلطة ومشتقاتها ووظفتها لصالح الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي من حيث تدري أو لا تدري وما جرى بعد العام 1994 هو توطيد مزدوج للاحتلال الإسرائيلي ومشتقاته من فلسطينيين ممن أصبحوا مع مرور الزمن من العوامل المساعدةوالداعمة للاحتلال والاستيطان الإسرائيلي في الضفة والقدس والى حد بعيد عامل في عملية حصار قطاع غزه واحتلاله واحتواءه من الأطراف من خلال إغلاق المعابر واتباع إستراتيجية حياة القطارة اتجاه الشعب الفلسطيني في غزه…

والأسئلة الأكثر إلحاحا التي  تطرح نفسه اليوم ما الذي ينبغي أن  يفعله الفلسطينيون إزاء حقائق الواقع التي خلقها الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية ؟وهل يكفي  طلب المفاوض  الفلسطيني بإيقافها وتجميدها وليس إزالتها والتخلص منها ؟وهل يكفي ان نظل نتساءل ما العمل ونندب ضيعة الأرضوالإنسان؟ هل نبقى أسرى التناقضات الداخلية والانقسامات والصراع على سلطة تحت الاحتلال وعلى تعاون أمني مع الاحتلال؟ ألسنا بحاجة قصوى إلى إستراتيجية  جديدة توحد بين المقاوم والسياسي؟  لتكن مأساة تدمير أم الحيران لحظة تاريخية فارقة تستنهض الهمم وتحرك القوى الرافضة لهذا النهج والمؤمنة بالمقاومة وبكل أشكال المواجهة المجدية والفاعلة ضد الاحتلال الصهيوني،وأن تجمّع نفسها استعدادا للمرحلة المقبلة التي قد تكون أكثر خطورة وإحباطا  بالوسط الفلسطيني، بالتحضير والقيام بفعاليات تشكل نهضة جماهيرية، توفر أرضية صلبة وراسخة لحراك انتفاضي شعبي، وهنا ضرورة إيجاد الكادر القادر على أن يكون رافعة أساسية للجماهير من اجل الانخراط بمعركة المستقبل، بعد أن أقدم الكيان الصهيوني ونجح حتى اليوم بمصادرة الأرض وتقطيعها وخلق الكانتونات واستخدام سياسة فرق تسد، وحتى تنجح القوى الفلسطينية عامة على خلق الظروف التي تسمح باشتعال الحراك الشعبي الانتفاضيمن أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية وإبقائها مطروحة بقوةعلى الساحتين الإقليمية والدولية، لا بد من التأكيد على رسم استراتيجيه وطنية بديلة لخيار المفاوضات، تقوم على أساس التمسك بالثوابتالاوطنية، وبالمقاومة الشعبية بكافة أشكالها، والتصدي للاحتلال وكافة وسائله وأدواته الإجرامية ومواجهة كل الشروط والضغوط ومشاريع التطبيع،إستراتيجية تؤكد على مركزية النكبة كرواية فلسطينية تاريخية وان تتحول إلى أجندة سياسية لأي قيادة فلسطينية.واعتبار  السلطة الراهنة لا تمثل تطلعات وأهداف الشعب الفلسطيني.وهي المسؤولة عن كل ما آلت إليه القضية خلال العقدين الماضيين. وضرورة وجود قيادة لا تكون بديلا عن منظمة التحرير بل تعمل على توحيد الطاقات والجهود في إطار المنظمة الجامع للفلسطينيين في فلسطين المحتلة وفي الضفة الغربية وغزة وفي الشتات الفلسطيني. وعلى استعادة الوحدة الوطنية ضمن إطار منظمة باعتبارها الممثلة الشرعية للكيانية السياسية الفلسطينية وأداة توحيد وترتيب البيت الفلسطيني في مواجهة المخططات الصهيونية، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة وتقرير المصير.وينبغي أن يكون التمثيل في المنظمة متساويا وعادلا بين الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم في مخيمات لبنان وسورية والأردن،من أجل تجنب مخاطر النخبوية والتأكيد على مركزية قضية اللاجئين وحق العودة باعتبار هذا الحق مركزيا في أي مبادرة سياسية . وعدم النظر إلى أن  هذه المنظمة بديلة منافسة لفصائل العمل الوطني بل أداة جامعة  لها لتجاوز الروح الفصائلية وإتاحة المجال أمام هذه الفضائل للخروج من الانتماء الضيق إلى وحدة متراصة مختلفة عما كان سابقا أو ما هو موجود راهنا. إنها منظمة لشعب فلسطين كل فلسطين في صراعه الوجودي ضد إسرائيل والصهيونية وحماتها الدوليين وعملائها الإقليميين.

كلمة أخيرة لا بدمنها في هذا السياق فنحن لا نعتقد أنّسياسة ترامب ستحدث جديداً على السياسات الأميركية السابقة ولن تكون في دعمها لـ إسرائيل وتالياً في عملها ضدّ العرب المقاومين والفلسطينيين أسوأ ممن سبقوه، كما أننا لا ننتظر منها مطلقاً شيئاً إيجابياً لمصلحة الشعب الفلسطيني والقضية التي تشكل عاراً على الإنسانية. ولهذا نرى أنّ من يتطلّع إلى ترامب ليعطيه شيئاً في فلسطين أو يضغط على إسرائيل لتترك جزئية من حق اغتصبته إنما هو واهم. ولا نرى سبيلاً في المجال الفلسطيني إلا المقاومة التي بها وحدها تنتزع الحقوق السليبة وغيرها لا أثر ولا محلّ له.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى