مقالات وآراء

زيارة سوليفان لــ”إسرائيل”.. السياق والتوقيت

شرحبيل الغريب

تفاوتت الآراء والتوقّعات بشأن زيارة مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ جيك سوليفان لـ”إسرائيل” ولقائه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينيت، والبحث في موضوع الملف النووي الإيراني، إذ إن سياق هذه الزيارة وتوقيتها منحاها أهمية بالغة، تزامناً مع استمرار وتيرة التهديد المتبادلة بين إيران و”إسرائيل” وارتفاعها، وسط استمرار تنفيذ إيران مناورات “الرسول الأعظم الـ 17” المشتركة والتي توعّدت فيها “إسرائيل” بدروس قاسية. وبينما تنتظر المباحثات النووية في فيينا جولتها الثامنة المرتقبة، وصف سوليفان زيارته “تلَّ أبيب” بأنها جاءت في منعطف حادّ جداً.

سوليفان يُعَدّ صاحب المبادرة الأميركية التي تدعو إلى العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، إذ جاءت زيارته للمنطقة وسط تباين واضح في الآراء بين واشنطن و”تل أبيب” بشأن الملف النووي الإيراني. ففي حين ترغب الإدارة الأميركية في العودة إلى الاتفاق النووي، تقر، على لسان مستشار أمنها القومي في تصريحات خاصّة صرّح بها لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، بأن الانسحاب الأميركيّ من الاتفاق النووي الذي وُقِّع عام 2015 مع إيران كان خطأً استراتيجياً ومأسَاوياً، وأن الرئيس الأميركي جو بايدن يتوق إلى التوصل إلى اتفاق، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة المحادثات في فيينا على الرغم من الصعوبات التي تعالت منها منذ بدايتها، وما زالت تؤمن بأنّ السبيل الأنجع يكمن في الحل الدبلوماسي، بينما ترى “إسرائيل” أنه يجب تكاتف المجتمع الدولي لإجبار إيران عن التخلي عن مشروعها النووي، بل عوّلت وراهنت على زيارة سوليفان لـ”تل أبيب” من أجل إحداث استدارة كبيرة في موقف واشنطن إزاء المفاوضات مع طهران ومشروعها النووي.

يمكن قراءة توقيت زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي سوليفان لـ”إسرائيل” وسياقاتها، مع قرب انطلاق الجولة الثامنة من مفاوضات فيينا، عبر القول إن الرسالة الأميركية إلى “إسرائيل” في الملف النووي الإيراني وصلت إزاء هذه الزيارة وباتت واضحة، ومفادها أن إدارة بايدن ماضية في خيار المفاوضات، وخيارها واضح بشأن استئناف الاتفاق النووي مع إيران، في وقت تقرّ الإدارة الأميركية الحالية بأن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي كان حماقة ارتكبتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأن مَن يحدّد السياسة الأميركية ليس دوائر صنع القرار في “تل أبيب”، بل الإدارة الأميركية هي التي تحدّد ذلك وفق أولوياتها ومصالحها. وما الزيارة إلاّ لإيصال رسالة طمأنة على فحوى الاتفاق المقبل، في وقت ترفض “إسرائيل” صيغة أيّ اتفاق، وتريد أن تُبقي العقوبات الاقتصادية مفروضة على إيران كي تمنعها من التطور العسكري ووقف برنامجها النووي، وحتى تبقى تحت رحمة الدول الغربية خاضعة لشروطها التعسفية، بينما تستفرد “إسرائيل” بالمنطقة كيفما تشاء، وهذا ما تريده “تل أبيب” تحديداً.

وصف سوليفان زيارته “إسرائيل” بأنها تأتي في منعطف حادّ يعزّز، على نحو لا لبس فيه، سيناريو ذهاب إدارة بايدن إلى استئناف الاتفاق بعيداً عن الخوض فيما سيتضمن الاتفاق من بنود، وهي دليل على أن واشنطن والدول الغربية أدركت أن العودة إلى الاتفاق هو الصيغة الأقل تكلفة لها من أجل استمرار متابعة نشاط إيران النووي. وهذا ما عزّزته التقارير الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال ثلاث سنوات سرى فيها الاتفاق، بين عامي 2015 و2018، والتي أكدت جميعها التزام إيران الدقيق بالشروط وعدم زيادة نسبة التخصيب عما هو مقرَّر في مفاعلاتها النووية.

التحريض الإسرائيلي المستمر ضد إيران ليس من أجل إثارة المخاوف بشأن مشروعها النووي فحسب، بل باتت الأهداف الإسرائيلية مكشوفة أيضاً تجاه حالة القلق الكبيرة التي أصبحت تعيشها “إسرائيل” في جوانب أخرى، والمتمثّلة بالقدرات الصاروخية الإيرانية ومشروع المسيّرات من جهة، وحلفاء إيران ومحور المقاومة التي ترأسه في المنطقة من جهة أخرى. وبالتالي، تحاول “إسرائيل” أن تفرض مزيداً من القيود ضمن أي اتفاق مقبل، في محاولة لتحقيق أكبر قدر من الشروط داخل الاتفاق، أو حتى خارجه، في وقت أصبحت تدرك جيداً أن أميركا ماضية تجاه توقيعه مع إيران.

الولايات المتحدة لم يعد هاجسها الأكبر تقديم المصلحة الإسرائيلية على المصلحة الأميركية، كما كان في عهد دونالد ترامب، فأصبح لديها ملفات ذات أهمية أكبر، كملف شرق آسيا والصين، وملف أوكرانيا وما يجري هناك. وهذا كله، في حد ذاته، يُشعر إدارة بايدن بخطر الانزلاق في مواجهة عسكرية، ويجعلها تركز على أولوياتها أكثر من أي وقت مضى. وفي المقابل، كل هذه المعطيات لا تجعل “إسرائيل” تعيش في وقتها الذهبي.

أصبحت “إسرائيل” تمارس سياسة التهويش النابعة من العجز والفشل، وهي تعيش في مأزق كبير أمام التطورات الدولية ومباحثات فيينا المستمرة، الأمر الذي جعلها غير قادرة على أداء الدور التقليدي المعتاد لها في المنطقة، بعد أن كانت تلعب في مسارين: الأول مسار الابتزاز من جهة، والثاني استخدام الآخرين لخدمة مصالحها من جهة أخرى، استناداً إلى موازين قوى مغايرة لموازين القوى الحالية. وبالتالي، هي أجبن من أن تتخذ قراراً منفرداً بمهاجمة إيران من دون ضوء أخضر من البيت الأبيض، أو حتى الحصول على دعم عسكري وسياسي واسع من واشنطن، نتيجة سببين:

السبب الأول: مَيل إدارة بايدن إلى استئناف الاتفاق النووي مع إيران وفق المعطيات والمواقف الواضحة والتي تم سردها، والتي جاءت على لسان مستشار الأمن القومي الأميركي، وهو الذي يترأّس الوفد الأميركي في فيينا.

السبب الثاني: صحيح أن “إسرائيل”، وفق ما أعلنت، رصدت ملياراً ونصف مليار دولار للاستعداد لضربة عسكرية لإيران، لكن التقارير التي كُشف عنها مؤخراً تشير إلى عدم جاهزية جيش الاحتلال الإسرائيلي لشن هجوم حاسم وناجع يقوّض المشروع النووي الإيراني، كما تدّعي “إسرائيل” في تهديداتها.

المواجهة بين “إسرائيل” وإيران لم تتوقّف لحظة بين زخم المناورات العسكرية ولغة التهديد المتصاعدة، بل هي مستمرة، لكن وفق أشكال متعدّدة، كالحرب السيبرانية، وعمليات الاغتيال التي جرت ضد علماء إيرانيين وقيادات بارزة، والتحرشات المتواصلة في طرق الملاحة البحرية واستهداف قوافل الإمداد بين حين وآخر. لكنّ هذه الأشكال من المواجهة تُعتبر أقل تكلفة لـ”إسرائيل” من احتمال سيناريو توجيه ضربة عسكرية كبيرة وواسعة لإيران من أجل القضاء على مشروعها النووي.

أكثر ما تخشاه “إسرائيل” من قضية رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، هو إطلاق طاقاتها المالية والاقتصادية في ظل استمرار تطوير قدراتها الصناعية والعسكرية، والتي تعتبر أنها تشكل تهديداً على مستقبلها. كما أنها لا تريد أن تنتهي هذه المفاوضات بسهولة، بحيث يتجدد الاتفاق وتبقى إيران دولة حرة طليقة اليدين، ويزداد نفوذها الإقليمي في المنطقة، وتُواصل برنامج تطوير الصواريخ الباليستية من جهة، والطائرات المسيَّرة من جهة أخرى.

ربما تكون “تل أبيب” قادرة على توجيه الضربة الأولى لإيران، لكنها لن تستطيع بعد ذلك التحكُّم في المشهد، فالعواقب عليها ستكون وخيمة، لأن إيران لن تقف مكتوفة اليدَين أمام هذا الخطر الذي يهدّد مستقبلها ووجودها، وقد تلجأ هي الأخرى إلى خيارات صعبة، قد لا تحتملها “تل أبيب” والمنطقة.

علينا أن نستحضر تجربة المقاومة الفلسطينية في مواجهتها الأخيرة مع “إسرائيل”، في أيار/مايو الماضي، كنموذج مصغَّر عن جبهة واحدة: كيف استطاعت شلّ أركان “إسرائيل”، وأمطرتها بالصواريخ.  لم تحتمل “إسرائيل” هذا الوضع بالمطلق حين أوقفت صواريخ المقاومة حركة الملاحة والموانئ والمطارات، وضربت عمق الاحتلال الإسرائيلي بكل قوة، فكيف سيكون المشهد في حال قرّرت إيران، الدولة الكبيرة والتي تمتلك قوة عسكرية أضعافَ أضعافِ ما تمتلكه المقاومة الفلسطينية، مواجهةَ الخيار العسكري الإسرائيلي عبر جبهات متعددة؟

الكل يدرك أنه حتى لو وجَّهت “إسرائيل” مثل هذه الضربة، فهي لن تلغي مشروع إيران النووي، أو تُبطِله، أو تقضى عليه. وفي تقديري أن “إسرائيل” لم تستفِقْ بعدُ من تأثير استباحة الأجواء وضرب الأهداف الإسرائيلية جرّاء ضربات المقاومة الفلسطينية في معركة “سيف القدس”، وستحسب ألف حساب قبل الإقدام على أي خطوة كهذه، وأمام الموقف الأميركي الواضح تجاه الملف النووي الإيراني، وما تريده القوى الدولية المُحاوِرة في مباحثات فيينا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى