الأخبار البارزةالعالم العربي

خطط إسرائيلية لتهجير وتجويع اللبنانيين.. استهداف المحاصيل وزرع الألغام

“أهل الجنوب اللبناني لجأوا إلى المقاومة نتيجة تخلي الدولة اللبنانية عن الجنوب، من أجل حماية أرضهم ورزقهم من الأطماع الإسرائيلية”. أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في أيار/مايو 2022.

بهذه الكلمات المختصرة، تجسد حال الكثير من الجنوبيين اللبنانيين الذين عانوا من الاحتلال الإسرائيلي طوال سنوات مضت،

وتحديداً في حرب تموز/يوليو عام 2006. عندما شن الاحتلال حرباً عسكريةً شاملة ضد المدنيين الأهالي استمرت لمدة 33 يوماً مع قصف متواصل للأحياء المدنية والمدارس والأراضي الزراعية وزرع الألغام فيها.

“التجويع” واستهداف الأراضي الزراعية

في هذه الحرب، استخدم الاحتلال الإسرائيلي “التجويع” كتكتيك عسكري عبر تقويض الأمن الغذائي للبنانيين بتدمير الموسم

الزراعي في البلاد، خصوصاً أن توقيت القصف تزامن مع ذروة موسم الحصاد، إضافة لترك آثار ممتدة على الأرض المتضررة

لسنوات لاحقة، مع ملاحظة تكثيف القصف مباشرة قبل إعلان وقف إطلاق النار، وفق دراسة أجراها موقع “العربية لحماية

الطبيعة” بالتعاون مع موئل الأمم المتحدة والشبكة الدولية لأدوات الأراضي (GLTN).

عمد الاحتلال الإسرائيلي في هذه الحرب ومن قبلها بسنوات (قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب)، إلى استهداف

الأراضي الزراعية في جنوب لبنان على وجه الخصوص بالذخائر وزراعة الألغام والقصف بالقنابل العنقودية، بغرض إقامة منطقة

عازلة خالية من السكان من خلال تهجير الأسر ذات الغالبية العاملة في القطاع الزراعي، بشكل دائم وليس بشكل مؤقت أثناء الحرب.

خسائر القطاع الزراعي 152 مليون دولار

من خلال المقابلات مع أصحاب الأراضي الزراعية في الجنوب، وتحديداً في سهل الخيام الحدودي، أكدوا أكثر من مرة أسلوب

الاحتلال الإسرائيلي هذا المتمثل  باستهداف الأراضي الزراعية، وإتلاف المحاصيل من أجل تهجيرهم، ولكنهم “صمدوا أمام المحاولات الإسرائيلية الفاشلة”.

وتشير التقارير التي أجريت بعد الحرب مباشرةً، إلى أن الحرب على لبنان ألحقت أضراراً جسيمة بالمحاصيل والمراعي، فضلاً

عن البيوت البلاستيكية المعدة للزراعة وأنظمة الري، وهو ما أدى إلى توقف الإنتاج وارتفاع كبير في أسعار المواد الزراعية حينها.

في هذا الصدد، قالت الخبيرة الزراعية ورئيسة المجموعة العربية لحماية الطبيعة، رزان زعيتر، إن ضرب القطاع الزراعي الذي

يساهم بنسبة تصل إلى 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في المناطق الريفية و تتركز الأضرار أكثر خاصة عند

استهدافها في موسم الحصاد حيث يتم تدمير المحاصيل بشكل مباشر من جهة و من جهة أخرى يتم منع المزارعين من

الوصول الى حقولهم التي تتطلب رعاية عالية.

وأضافت زعيتر: بحسب دراسة للفاو وصلت خسائر القطاع الزراعي 152 مليون دولار في محافظتي الجنوب والنبطية فقط.

ولفتت إلى أن استخدام الغذاء كسلاح ضد الشعب اللبناني حيث أن تدفق الفواكه والخضروات إلى الأسواق انخفض بنسبة 75 في المائة  ومنذ ذلك الحين ، شهد لبنان زيادة كبيرة في الواردات الزراعية.

زرع الألغام.. “تكتيك خطير للقطاع الزراعي”

في العام 2000 وبعد إنسحاب الاحتلال الإسرائيلي من مناطق في الجنوب والبقاع الغربي، برزت المشكلة بشكل أكبر، إذ

خلّف العدو مئات الآلاف من الألغام والقذائف غير المنفجرة في المناطق التي انسحب منها. إزاء هذا الواقع الذي أدى إلى

إعاقة أعمال البناء والتنمية وعودة الحياة الطبيعية، إضافة الى سقوط العديد من القتلى والجرحى، كان لا بد من برنامج شامل

يضمن حلاً للمشكلة ويضع حداً لمعاناة المواطنين منها.

التغييرات في استخدام الأراضي، وفقاً للدراسة ذاتها، التي أصبح الوصول لها خطراً ومهدداً للحياة حتى بعد إعلان وقف إطلاق

النار حيث توفي 21 شخصاً وأصيب العشرات بجروح، بسبب انفجار القنابل العنقودية والألغام في المزارعين والرعاة والأطفال،

الذين هم معرضون للخطر بشكل خاص لأن معظم الألغام والقنابل غير المنفجرة لا تبدو خطرة وبعضها مربوط بشرائط أو يشبه

الألعاب أو المشروبات المعلبة التي تجذب الإنسان لالتقاطها.

جهود المكثفة لإزالة الألغام وتطهير أكثر من  80% من مجموع الأراضي في الفترة الأخيرة، حتى مع امتناع “إسرائيل” عن

إعطاء خرائط الألغام للهيئات الدولية والجمعيات والمنظمات العاملة على القضية. وذلك لأن الألغام والقذائف غير المنفجرة هي

إحدى أبشع مخلفات الحرب. وتعتبر حرب رديفة تزرع الرعب وتصطاد المدنيين، وأبشع ما فيها أن أدواتها متخفية في باطن الأرض.

ورداً على سؤال حول ثبوت استخدام “إسرائيل” للأسلحة التي تترك آثار اً سلبية طويلة الأمد على الاراضي، قالت الخبيرة:

“طبعاً سواء القنابل المتفجرة أو الألغام فهي تترك مواد خطرة على التربة والمياه الجوفية”.

وأشارت إلى أن “في عام 2006 حوالي 94 كيلومتراً مربعاً من بساتين الحمضيات والموز، و 74 كيلومتراً مربعاً من الأراضي

الزراعية الحقلية، و 35 كيلومتراً مربعاً من المراعي تلوثت على الفور من هذه الذخائر، وعلى الرغم من جهود إزالة الألغام المكثفة، كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2019 أن 1176 هكتاراً من الأراضي الزراعية بقي ملوثاً، وهذا دون احتساب الأراضي الخاصة بالرعي.

يلجأ الاحتلال إلى زراعة الألغام، وفقاً لزعيتر، “ليس فقط ليلحق الأضرار الاقتصادية والإنسانية ولكن أيضاً كأداة ترهيب. فهو يجبر السكان على الانتقال إلى مناطق خالية من الألغام خوفاً من انفجارها لاحقا وبالتالي خلق مناطق عازلة مفرغة من سكانها. بهذه الطريقة يبقى أثر الحرب لسنوات طويلة بعد نهايتها”.

ولكن على الرغم من كل ما ورد، قالت زعيتر: “عاد معظم الجنوبيين إلى أراضيهم بالرغم من عدم إتمام برامج إزالة الألغام وإزالة ما يقارب 70% فقط منها، وهذا كفيل بإقناع المحتل وكل العالم أن الجنوبي مستعد أن يفقد روحه على أن يفقد أرضه”.

حلولٌ قدمها الجنوب

يعتبر القطاع الزراعي من أبرز القطاعات الاقتصادية التي تساهم في الوصول إلى تحقيق نموٍ اقتصادي مستدام. وإضافةً إلى ذلك، يساهم القطاع في توفير الأمن الغذائي من خلال تلبية حاجات السكان، ويلعب دوراً في تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي تسعى إليه كل دول العالم.

ومع كل هذه الأهمية الاستراتيجية، لا تزال الزراعة في لبنان مهملة ومهمشة، رغم حاجة الاقتصاد اللبناني إلى هذا القطاع الحيوي، لبناء اقتصاد متين وبنيوي على المدى البعيد.

ونظراً لهذه الأهمية، قدّم المعنيين بعض المقترحات كحلولٍ يمكنها دعم هذا القطاع الرئيسي في لبنان، ومنها منع تفتيت الأراضي الزراعية إلى أحجامٍ دون الحد الأدنى، وإعادة ضم الحيازات الزراعية الصغيرة إلى بعضها البعض.

كذلك، تضمنت المقترحات، تشجيع الشباب على الانخراط في العمل الزراعي من خلال اعطائهم قروضاً ميسرة لآجال طويلة وفوائد قليلة، وتطوير مراكز البحوث والإنماء الزراعي لتدريب العاملين في الزراعة على الأساليب الحديثة وكيفية دراسة طبيعة التربة.

كل هذه الحلول من شأنها أن تساهم في إعادة تفعيل القطاع الزراعي، لأن لبنان اليوم، بحاجةٍ إلى تطوير إنتاجه المحلي من أجل وضع البلد على السكة الصحيحة في المجال الاقتصادي، عبر خلق اقتصاد متين وقوي يوازي بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد المنتج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى