شؤون العدو

حلول خاصة لنزاع فريد من نوعه

بقلم: شاؤول أريئيلي – هآرتس

جارد كوشنير، الصهر اليهودي للرئيس الامريكي دونالد ترامب ومبعوثه الى الشرق الاوسط شكك في قدرة ادارة ترامب على ايجاد حل للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. وجاءت اقواله في شهر تموز من هذه السنة، مع مرور مئة عام على رصاصة بدء النزاع، المتماثلة مع تصريح بلفور (تشرين الثاني 1917). انتقد كوشنير من تشاور معهم وقال انهم يشددون امامه قائلين: “انت ملزم بان تفهم ماذا فعلوا في حينه”، أو “انت ملزم بان تفهم بانهم فعلوا هذا”. فعجب كوشنير: “كيف يدفعنا هذا الى تحقيق السلام؟ نحن لا نريد درسا في التاريخ. قرأنا ما يكفي من الكتب. تعالوا نركز على ايجاد حل للوضع”.

من جهة، ثمة في نهج كوشنير بُعدا عمليا مطلوبا اكثر من أي شيء آخر لتسوية النزاع، وهذا شيء ايجابي. فعلى مدى المئة سنة هذه تعلمنا بانه لا يمكن تسوية النزاع من خلال خلق رواية مشتركة للطرفين، تشكل أساسا للمصالحة. صحيح أن كل طرف يحتفظ برواية ذات مفعول قانوني، سياسي وتاريخي ولكنها تتضارب ورواية الطرف الاخر. والاحتمال لتسوية النزاع يكمن في ايجاد حل وسط يتناسب والمصالح الجوهرية للطرفين، كتلك التي تقوم على أساس المعايير التي أملت المفاوضات في نابوليس في 2008.

من جهة، على كوشنير وآخرين ان يستوعبوا بان حلا وسطا كهذا لا يمكنه أن يتناقض مع رواية الطرفين وبالتأكيد الا يتجاهلهما تماما. فهاتان الروايتان تصممان الوعي العام وتخلقان الظروف النفسية اللازمة للاعتراف بالحاجة الى دفع ثمن أليم. ينبغي ان يخصص للروايتين حضورا غامضا ذا مدى تفسير واسع، ولكن عديم الاثار العملية. لهذا الغرض، في إطار مهامه، يجدر بكوشنير أن يعترف ويفهم الطبيعة الخاصة للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني والحلول المميزة اللازمة لتسويته.

لكل نزاع دولي مزاياه الخاصة، ولكن يخيل أن النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني فريد من نوعه، في التاريخ ما بعد “ربيع الشعوب”. لطبيعته الخاصة عناصر عديدة ومتنوعة يمكنها أن تشرح حقيقة أن هذا هو احد النزاعات الاطول والتعقيدات الكثيرة اللازمة لتسويته في اطار الاتفاق الدائم.

القضاء العام. في الكونغرس الصهيوني الاول في بازل في 1897، حيث اتخذ القرار الذي صاغه ماكس نورداو في إطار خطة بازل، وبموجبه “تتطلع الصهيونية لان تقيم للشعب اليهودي وطنا في بلاد اسرائيل، الموعودة حسب القضاء العام”. لم يسبق أن أخذت حركة وطنية شابة على عاتقها التزاما بحجم مشابه. فقد قضت بان الحق في تحقيق مبدأ تقرير المصير للشعب اليهودي في وطنه ستحسمه الاسرة الدولية.

لقد فهم قادة الحركة بان الطريق الذي سيجسد فيه الشعب اليهودي حقه في تقرير المصير سيكون شاذا، لان المأساة اليهودية ابنة الفي سنة كانت شاذة. فلم يعتقدوا بان هذا الشذوذ يقلل من المبرر الاخلاقي لتحقيق هذا الحق. وعليه، فبعد 50 سنة من ذلك، في اعلان الاستقلال في 14 ايار 1947، حرص بن غوريون على أن يشير الى حقيقة أن دولة اسرائيل اقيمت ايضا “على اساس قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة”.

تصريح بلفور. كان هذا تصريحا ذا مفعول قانوني، في اعتماده على المبدأ الامبريالي المتبع في ذاك الزمان، وبموجبه يمكن لكل دولة ان تشرع في حرب فتجتاح اراض وتقرر مصيرها. ويتميز التصريح بانه صدر للشعب اليهودي، الذي لم يكن مقيما في ذاك الوقت في البلاد، وحرم سكان البلاد العرب، مثلما كتب في 1979 عضو المجلس الوطني الفلسطيني ادوارد سعيد: “أهمية التصريح تكمن اولا وقبل كل شيء في حقيقة أنه كان الاساس القانوني لمطالبة الصهيونية بفلسطين”.

وبالتالي يرى اليهود في التصريح مدماكا أول في المفعول السياسي القانوني لمطالبتهم بالوطن القومي، بينما يراه الفلسطينيون رصاصة بدء النزاع ويقولون في ميثاقهم في 1964: “يقر المجلس ان العدوان على الامة الاسلامية وارضها بدأ في العام 1917”. موقفهم هذا في الرواية الفلسطينية لم يتغير حتى بعد مئة سنة كاملة. والرئيس الفلسطيني محمود عباس اصر على ذلك في خطابه في الامم المتحدة في ايلول 2016: “مئة سنة مرت منذ اعلان بلفور سيء الصيت. اذا لم يكن هذا بكاف، فقد جعل الامتداد البريطاني هذا القرار سياسة وخطوات ساهمت في الجرائم الاشد ضد الشعب الساعي الى السلام في بلاده”.

انتداب خاص. صك الانتداب على “فلسطين – بلاد اسرائيل” الذي قرر في مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920 واقرته عصبة الامم في آب 1922 وجاء فيه ان على الانتداب البريطاني “ان يخلق في البلاد ظروفا سياسية، ادارية واقتصادية تضمن اقامة الوطن القومي اليهودي”. وهو شاذ للغاية، وثالث في الميزة الخاصة للنزاع.

بقيادة الرئيس الامريكي وودرو ويلسون، حل مبدأ تقرير المصير محل المبدأ الامبريالي وقرر كقاعدة بان “البلاد تعود لسكانها وليس لمحتليها”. ولكن بينما طبق هذا المبدأ في المناطق التي احتلتها الامبراطوريات في الحرب العالمية الاولى، فان المكان الوحيد الذي لم ينطبق عليه فيه كان في فلسطين. فقد ورد في 1947 في تقرير للجنة الامم المتحدة الخاصة بفلسطين ان “مبدأ تقرير المصير لم ينطبق على فلسطين عندما نشأ الانتداب في 1922 بسبب التطلع للسماح باقامة الوطن القومي اليهودي. والعرب الذين كانوا في حينه 90 في المئة من سكان البلاد اضطروا للاكتفاء بمساواة حقوق مدنية ودينية في دولة تقام للشعب اليهودي المنتشر في الشتات.

استيراد ديمغرافي. الميزان الديمغرافي في بلاد اسرائيل عند صدور تصريح بلفور وصك الانتداب كان 9:1 في صالح عرب وخلق تحديا خاصا غير مسبوق في الطريق الى اقامة دولة يهودية وديمقراطية. وبخلاف مسيرة تحديد الحدود بعد الحرب العالمية الاولى، حين بقيت الشعوب في اماكنهم، بما في ذلك الاقليات الكبرى، وحدود جديدة نشأت حولها – ففي الحالة اليهودية كانت حاجة الى استيراد الشعب اليهودي الموزع في العالم الى بلاد اسرائيل.

هكذا يصف زئيف جابوتنسكي ذلك، في مجلس بلاد اسرائيل في  1919: “في بلاد اخرى، المكان الذي يقيم فيه كل الشعب في بلاده – سهل وبسيط هو هذا المبدأ؛ ولكن ليس في بلادنا التي هي في هذا الشأن بلاد “اللاطبيعية”، بمعنى ان معظم مواطنيها يوجدون خارج حدود البلاد”. وعليه، فقد اضيفت حقيقة أن البلاد التي جيء اليها بالشعب اليهودي لم تكن فارغة من السكان. وشدد إحاد هعام منذ 1891 على أن “نحن معتادون على الايمان في خارج البلاد، بان بلاد اسرائيل هي الان كلها قفر… ولكن الحقيقة هي أن لا شيء كهذا”. ولسكان هذه البلاد كانت تطلعات قومية مختلفة عن تطلعات الحركة الصهيونية.

أرض مقلصة. حدود فلسطين – بلاد اسرائيل الانتدابية كما اتفق عليها في نهاية المطاف في 1922 كانت مختلفة عن تلك التي جرى الحديث فيها في مؤتمر السلام في فرساي في شباط 1916. فقد عرضت “لجنة المندوبين” في فرساي  اقتراح الهستدروت الصهيونية، الذي تضمن اجزاء من لبنان، سوريا، الاردن ومصر اليوم بحجم نحو 45 الف كيلو متر مربع. ولكن في نهاية المطاف كان تحديد الحدود السياسية لبلاد اسرائيل، على نحو 27 الف كيلو متر مربع نتيجة وبقية لتحديد حدود الوحدات الاقليمية المجاورة لبلاد اسرائيل، وفقا لاعتبارات القوى العظمى المنتصرة، بريطانيا وفرنسا: شبه جزيرة سيناء اعطيت كلها لمصر على اساس الخط الاداري الذي وقع في 1906. شرق الاردن سلم الى العائلة الهاشمية، كتطبيق جزئي من الوعد البريطاني للحسين بن علي في 1915، والخط في سوريا ولبنان تقرر على اساس مصالح الفرنسيين.

نشوء شعب. ميزة خاصة اخرى تتعلق بان الفلسطينيين هم شعب نشأ تقريبا رغم أنفه، مثل شعوب عربية اخرى تبلورت في المجال العربي للامبراطورية العثمانية. في تقرير لجنة التقسيم في 1947 قيل ان “ارادة الشعب العربي في فلسطين لضمان وجوده القومي هي ارادة طبيعية بالتأكيد. ولكن القومية الفلسطينية، بخلاف القومية العربية، هي بحد ذاتها ظاهرة نشأت نسبيا منذ وقت غير بعيد”.

حتى نهاية القرن التاسع عشر لم يستخدم السكان العرب للبلاد اسم فلسطين للاشارة الى ارضهم الاقليمية الوطنية، إذ رأوا أنفسهم ينتمون الى “سوريا الكبرى”، في الجزء الجنوبي من المجال، الذي يضم اليوم سوريا، لبنان، اسرائيل والاردن. وفي المؤتمر الوطني العربي الاول الذي انعقد في يافا في كانون الثاني 1919، كان مطلب عرب البلاد ان يكونوا جزءا من سوريا الكبرى.

مع تثبيت الانتدابات في مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، تبين للعالم العربي بان بريطانيا لا تعتزم تنفيذ وعودها للحسين بن علي بشأن قيام مملكة العرب. وفرنسا، التي حصلت على الانتداب على سوريا، طردت فيصل من كرسيه في دمشق في معركة ميثلون في تموز 1920. وقضت هذه الخطوات على الحلم العربي العام ودفعت عرب بلاد اسرائيل الى بلورة مطلبهم السياسي في فلسطين – بلاد اسرائيل.

في المؤتمر الوطني العربي الثالث، في كانون الاول 1920، بدأوا يعرفون أنفسهم كاللجنة التنفيذية العربية الفلسطينية، وطلبوا تشكيل حكومة اصلية. في المؤتمر الوطني الرابع، في ايار 1921، باتوا يعرفون انفسهم كـ “الشعب العربي الفلسطيني”. وتبلورت الحركة الوطنية لعرب فلسطين – بلاد اسرائيل بسرعة ووصلت الى ذروتها في الثورة العربية في اعوام 1936 – 1939 وفي تشكيل اللجنة العربية العليا برئاسة المفتي امين الحسيني.

الكتاب الابيض. ميزة خاصة اخرى ترتبط بالشكل الضيق الذي طبق فيه البريطانيون صك الانتداب الذي أصدره لهم مؤتمر سان ريمو، في ارض ضمت في حينه بلاد اسرائيل ومملكة الاردن اليوم (نحو 130 الف كيلو متر مربع). ومع تجربة امبريالية عديدة السنين سبق أن وعدوا في تصريح بلفور في 1917 باقامة وطن قومي لليهود “في فلسطين”. أي، في جزء من بلاد اسرائيل، وليس فيها كلها. ولاحقا، بعد ان أطاح الفرنسيون بفيصل، سارع ونستون تشرتشل الى الاعلان في مؤتمر القاهرة في اذار 1921 عن منح شرق الاردن (نحو 91 الف كيلو متر مربع) الى الامير عبدالله (اما فيصل فحصل على العراق).

لضمان هذا القرار من الناحية السياسية – القانونية، نشر “الكتاب الابيض” الاول من قبل تشرتشل في حزيران 1922، وقبل اقرار صك الانتداب ادرج فيه بند يقول انه “في المناطق التي تمتد بين الاردن والحدود الشرقية لفلسطين… ستكون الادارة الانتدابية مخولة، بموافقة مجلس عصبة الامم، بمنع أو تأخير تطبيق شرط الانتداب هذا”.

بعد إقرار الانتداب على فلسطين من عصبة الامم في آب 1922، قبلت الحركة الصهيونية في ذاك الشهر في مؤتمر كلرسلباد كلا من الانتداب والكتاب الابيض. وكتب حاييم وايزمن في حينه يقول: “الوضع السياسي الحالي يوجد في ظل وثيقتين هامتين، صك الانتداب والكتاب الابيض للحكومة البريطانية… الكتاب الابيض، الذي وافقت الادارة الصهيونية عليه بعد مشاورات قاسية وطويلة مع الحكومة البريطانية ومع المندوب السامي – وليس بقلب سهل”.

وحتى جابوتنسكي أقر ذلك. ففي رد على أسئلة صحفية في اعقاب استقالته من الهستدروت الصهيونية قال: “أنا شريك كامل في مسؤولية الادارة في لندن على التوقيع على موافقتنا على الكتاب الابيض”. في ايلول 1922 نشر مرسوم الحدود من المندوب البريطاني السامي على فلسطين، هلبرت صموئيل، الذي قضى اخراج شرقي الاردن من انطباق تصريح بلفور، واقيمت امارة شرقي الاردن.

في 1937، في أعقاب الثورة العربية التي اندلعت قبل سنة من ذلك، نشرت لجنة “بيل” توصيتها بتقسيم فلسطين، حين أعلنت بان هذا “صراع بين حركتين قوميتين مطالبها ذات مفعول ولا يمكن التسوية بين مطالب الواحدة والاخرى، بطريق آخر. والاقتراح لتطبيق تصريح بلفور تقلص مرة اخرى الى نحو 17 في المئة فقط من مساحة البلاد بين النهر والبحر. وتجدر الاشارة الى أن باقي الارض، باستثناء منطقة القدس ورواق الى يافا يبقيان تحت سيطرة الانتداب، خصصت للامير عبدالله، وليس لدولة فلسطينية مستقلة.

أما البريطانيون، الذين يئسوا من امكانية ايجاد حل للخلاف بين الشعبين في البلاد، فلم يطبقوا في نهاية الامر صك الانتداب ولم يقيموا وطنا قوميا للشعب اليهودي في بلاد اسرائيل. ففي نهاية شباط 1947، توجهوا الى الامم المتحدة، وهذه أمرت، في اطار قرار التقسيم في        29 تشرين الثاني 1947 انهاء الانتداب وخروج القوات البريطانية حتى 10 ايار 1948، واقرت مشروع التقسيم، الذي تضمن اقامة دولة يهودية على 55 في المئة من اراضي البلاد.

الاعتراف بعرب البلاد. الحركة الصهيونية، رغم أنها كانت تعيش صراعا على الحياة أو الموت مع الحركة الوطنية الفلسطينية، كانت أولى من اعترف بعرب بلاد اسرائيل كاصحاب حق تقرير المصير في اطار تقسيم البلاد. فقد قال بن غوريون في خطاب في عين حرود في 1924 انه “بالتأكيد يوجد للحاضرة العربية في البلاد حق تقرير مصير ولحكم أنفسهم. لا يعقل الاجحاف بهذا الحق أو التقليل منه”.

في شباط 1947، بعد مداولات على مستقبل بلاد اسرائيل في لندن، بعث بن غوريون الى وزير الخارجية البريطانية آرنست بوين، الرسالة التي تطلب التقسيم واقامة دولتين مستقلتين: “الترتيب الفوري الممكن الوحيد، الذي فيه اساس من الانتهاء، هو اقامة دولتين، واحدة يهودية وواحدة عربية”، كتب.

بدون حدود. دولة اسرائيل لم تعلن ابدا عن حدودها. لا في اعلان الاستقلال مع اقامتها في 14 ايار 1948، ولا على مدى 70 سنة وجودها. في العالم العربي يعتبر هذا استراتيجية توسع دائم على حسابهم، دون ايلاء اهمية للمسؤولية العربية في هذا الشأن. هكذا، مثلا، في المداولات في مجلس الامن في نيسان 1948، اعترف مندوب اللجنة العربية العليا، جمال الحسيني بان “مندوب الوكالة اليهودية قال لنا أمس انهم ليسوا الطرف المعتدي. وان العرب هم الذين بدأوا بالقتال… عمليا، نحن لا ننفي هذه الحقيقة… قلنا للعالم… نحن لا نوافق على أن تقسم فلسطين الصغيرة، ونحن نعتزم القتال ضده.

القرار بعدم الاعلان علن الحدود كان خيارا وعيا لحكومة اسرائيل كما وصف ذلك بن غوريون امام ادارة الشعب في ايار 1948. “قررنا التملص (وانا اختار عن قصد هذه الكلمة) من هذه المسألة لسبب بسيط: اذا نفذت الامم المتحدة قرارها – فنحن من جانبنا (وان اقول رأي الشعب) سنحترم كل القرارات. حتى الان لم تفعل الامم المتحدة ذلك… وعليه فليس كل شيء يلزمنا ونحن أبقينا هذا الموضوع مفتوحا. لم نقل “لا لحدود الامم المتحدة، ولم نقل عكس ذلك. ابقينا الامر مفتوحا للتطورات”.

الخط الاخضر. كقاعدة، الحدود المعترف بها لاسرائيل من الاسرة الدولية هي خطوط الهدنة في 1949 والتي تسمى الخط الاخضر او خطوط حزيران 1967. وهي تمنح اسرائيل 78 في المئة من ارض فلسطين. ومع نهاية حرب الاستقلال نشر وزير الدفاع المراسيم، التي تطبق القانون، الادارة والقضاء الاسرائيلي على الارض التي احتلت خلف حدود قرار التقسيم.

ورغم المادة في ميثاق الامم المتحدة التي تحظر الحصول على الاراضي بالقوة، فان قرار مجلس الامن 242 في تشرين الثاني 1967 منح اعترافا بالامر الواقع لاحتلالات اسرائيل في حرب الاستقلال. فقد دعا القرار الى سحب قوات اسرائيل المسلحة فقط من الاراضي التي احتلت في حرب الايام الستة، وهكذا اعترف بلا اي اتفاق، بسيادة اسرائيل على 23 في المئة اخرى من بلاد اسرائيل الانتدابية اضافة الى مناطق التقسيم. واصبح هذا القرار رسميا في الفتوى الاستشارية للمحكمة الدولية في لاهاي في حزيران 2004 حين اشار القضاة الى أن الضفة الغربية وقطاع غزة فقط هي اراض محتلة. ونال هذا الاعلان مرة اخرى اقرارا رسميا من الجمعية العمومية للامم المتحدة عند التصويت باغلبية 138 دولة في صالح قبول فلسطين، في خطوط 1967 كدولة مراقبة في الامم المتحدة.

انعدام الامن. ميزة خاصة اخرى في النزاع تتعلق بحقيقة أن اسرائيل لا تزال رغم قوتها تضع مسألة الامن كعامل مركزي يشترط تطبيق حل الدولتين. ومطالب اسرائيل في تجريد الدولة الفلسطينية من الجيش والسلاح الثقيل وحظر فلسطين من عقد تحالفات عسكرية مع دول اخرى وتواجد قوات دولية في الدولة الفلسطينية وغيرها يعكس هذه الميزة.

حق العودة. مطلب جزء من الفلسطينيين تحقيق حق العودة في دولة اسرائيل، حتى ولو بشكل رمزي هو الاخر ميزة خاصة. فالحل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين والذي يسمح لهم بالعودة الى دولة فلسطين ليس مقبولا من بعضهم وبشكل غير مسبوق يطلبون العودة بالذات الى اسرائيل وليس الى دولتهم. من ناحيتهم العودة معناها العودة الى قراهم حتى لو كانت في دولة اخرى  وحتى لو كان بوسعهم العودة الى وطنهم وبلادهم.

يطالبون بالاعتراف. ميزة هامة وجديدة تتعلق بمطلب اسرائيل باعتراف الفلسطينيين بها كدولة يهودية. بمعنى الدولة القومية للشعب اليهودي. اسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تطلب اعترافا بهويتها وليس فقط بسيادتها. اعتراف م.ت.ف بقرار 181 في تشرين الثاني 1988 وبدولة اسرائيل وبحقها في الوجود في حدود معترف بها وآمنة وفق قرار 242 و 338، مثلما صدر في 1993 لا يرضي اسرائيل.

تداخل مصالح. ميزة خاصة جدا هي وعي “اللامفر”، الضروري في الطرفين من أجل الوصول الى اتفاق. بمعنى استعداد كل طرف لحل وسط ينبع من الفهم بان قدرته على تحقيق مصلحته الوطنية الجوهرية تنطوي أيضا على أن يحقق الطرف الاخر مصلحته.

المسائل الجوهرية. الميزة الاخيرة تتعلق بان كل واحدة من المسائل الجوهرية الاربعة تتطلب مرونة وابداعية لمواجهة التوتر بين مواقف الطرفين. الموقف المبدئي الفلسطيني في ثلاثة مسائل (الامن، الحدود والقدس) واحد. انسحاب اسرائيلي الى خطوط 1967 مقابل تنازل فلسطيني عن تحقيق 100 في المئة من اراضي فلسطين، اي الاكتفاء بـ 22 في المئة من الاراضي الفلسطينية.

الموقف الاسرائيلي يطالب باحتياجات امنية تتمثل بعدم وجود جيش فلسطيني في الدولة الفلسطينية.

في مجال الحدود تطلب اسرائيل الامتناع عن اخلاء 600 الف اسرائيلي يسكنون خلف الخط الاخضر. وحل محتمل هو تبادل للاراضي.

في مسألة القدس مصلحة اسرائيل تتركز في الاماكن المقدسة. حلان مطروحان على الطاولة، واحد تقسيم السيادة في المبكى وحارة اليهود ونصف حارة الارمن وباقي جبل صهيون. والثاني تدويل الحوض التاريخي بادارة دولية وترتيبات بين اسرائيل وفلسطين.

مسألة اللاجئين تعاني من توتر ناشيء بين حق شخصي للاجيء وبين تهديد ديمغرافي على الهوية اليهودية في دولة اسرائيل. استيعاب اللاجئين في دولة فلسطين هو حل محتمل لهذه المسألة. ان معرفة كل وسيط لهذه المزايا للنزاع والحلول المقترحة يمكن ان تعفيه من الفشل والاحباط وتعفي الاطراف من جولة عنف اخرى.

عليه أن يضمن اطارا واضحا وتفصيليا لادارة المفاوضات، ولكن ان يعطي مكانا للروايتين واحساسا ذاتيا بالنسبة للعدل والنزاهة في الاتفاق. هذا الخليط يمكنه أن يضمن التزام الطرفين بالمفاوضات والتوقيع على الاتفاق وتطبيقه والعمل بتصميم على استقراره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى