الأخبارشؤون العدو

حكومة تتهرب من الحكم عالقة في الحلق، متفتحة في الهواء

يديعوت – سيفر بلوتسكر

“لا هنا، لا هناك”، الاسم الذي اعطي للفيلم الفاخر عن حياة عربيات شابات في إسرائيل، مناسب أيضا لكثير من قرارات حكومة إسرائيل ووزرائها. لا هنا ولا هناك، لا تغيير ولا جمود، لا تقدم ولا تراجع. فقط شيء غير واضح، غير متبلور، غير منتهي. قرارات رخوة تدهن على اليدين وتنسكب بين الاصابع فتعبر عن عدم قدرة، عدم تخطيط وعدم استعداد لاخذ مخاطر سياسية.

إخلاء عمونه، مثلا. كيف يحصل أن الدولة لا تكون قادرة على أن تعرض على مدى فترة لهذا القدر من الطول حلا معقولا لمجموعة صغيرة جدا من المستوطنين؟ والتشديد على الحل؛ في كل مرة تطرح الدولة عليهم ما يسمى بالاسرائيلية الحديثة “صيغة”، يتبين على الفور بأنها ليست هنا وليست هناك. فهي لا ترضي سكان عمونه ولا يمكن تنفيذها لاعتبارات قانونية، جغرافية، سياسية وغيرها. لا اخلاء ولا عدم اخلاء. هذا العجز الحكومي يفوق كل خيال.

القنب، مثلا. بعد أن فحصت لجنة بعمق المواضيع المعقدة التي ينطوي عليها تغيير الوضع القانوني لصناعة هذا المخدر الخفيف، قرر وزير الامن الداخلي تغييرا من نوع “لا هنا، لا هناك”. الميرجوانا ستبقى مخدرا محظور انتاجه، تسويقه، بيعه وتعاطيه، رغم أن أضراره الصحية أقل من أضرار الكحول والسجائر. كل المحظورات التي تغذي الجريمة، العنف والمال الاسود التي ينطوي عليها القنب غير القانوني ستبقى بالتالي على حالها. وفي نفس الوقت تقرر التخفيف من العقاب على المتعاطين للمخدر. وستكون النتيجة الاقتصادية ارتفاع في الطلب على الميرجوانا، مما سيجر وراءه عرضا غير قانوني وتطورا للسوق السوداء الجنائية.

أسعار الشقق، مثلا. معظم، إن لم يكن كل، قرارات حكومات إسرائيل في موضوع السكن تميزت بنهج “لا هنا، لا هناك”. فهي لم تمنح الحوافز للمقاولين للبدء ببناء ما لا يقل عن 60 الف شقة جديدة في السنة، ولن تجتهد أيضا بملء النقص من خلال البناء الحكومي. القرارات المتعارضة، الجزئية والمشوشة ساهمت مباشرة في غلاء الشقق. وكذا وزير المالية موشيه كحلون، مع كل نيته الطيبة، لم يتحرر من “لا هنا، لا هناك” حين لم يقطع كل الطريق ولم يفصل في كل عطاءات سلطة أراضي اسرائيل بين سعر الشقة التي تبنى على ارض حكومية وبين سعر الارض. الشقة للشراء، أما الارض، فلمن هو معني، للاستئجار. وهكذا خلق كحلون الجزئية والقيود في خطة “الثمن للسكان”. حل آخر عديم الاستراتيجية والرؤية الشاملة.

مؤخرا صادقت الكنيست، بهلع، على تشريع جديد في مجال البنوك يليق به لقب “لا هنا، لا هناك” كالقفاز الاشوه لليد الشوهاء. لا هنا: شركات بطاقات الائتمان فصلت بقوة القانون عن البنوك، ولكن فقط عن بنكين من أصل دزينة بنوك. ولا هناك: البنوك ستواصل اصدار بطاقات الائتمان، ولكن ضمن قيود سخيفة وتفصيلية لا مثيل لها في أي دولة في العالم. فصل آخر في التشريع الجديد يقيم مخزون معطيات ائتمانية في ظل الحفاظ “مثل القبة الحديدية” على خصوصية زبائن البنوك، فصل آخر يفتح ذات معطيات الائتمان لكل من يريد ان يطلع، في ظل الاستخفاف المبالغ فيه في حماية الخصوصية. لا هنا، لا هناك.

والموضوع العاصف الاخير، مداولات الكابنت الامني في ايام “الجرف الصامد” في غزة. حتى قبل نشر تقرير مراقب الدولة عن الحملة، ترسم منشورات يوسي يهوشع في “يديعوت احرونوت” صورة واضحة عن سلوك حكومي بنمط “لا هنا، لا هناك”. عدم المبالغة الى الحسم وعدم المبادرة الى وقف النار. عدم اسقاط حماس من الحكم في غزة وعدم ابقائها هناك ايضا. ينكشف هنا تملص لا يطاق من جانب الحكم من مهامة بلورة وتطبيق استراتيجية للامن الوطني.

“اليهودي ليس لا هنا ولا هناك… فهو اكثر بقليل واقل بقليل، عالق قليلا كالشوكة في الحلق ومتفتح قليلا في الهواء”، كتب دافيد شاحر في كتابه “ننجل” من مسلسل “قصر الاواني المحطمة”. عالق في الحلق ومتفتح في الهواء – لا يمكن للمرء أن يخترع ميزة أدق للحكم الإسرائيلي في السنوات الاخيرة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى