مقالات وآراء

حكومة بينيت وأوهامه حول اللاسلم واللاحرب

تحسين الحلبي

يصف المسؤولون في الحكومة الإسرائيلية الوضع السائد بينهم وبين السلطة الفلسطينية باللاحرب واللاسلام، ويعده رئيس الحكومة نفتالي بينيت أفضل فرصة لتوسيع الاستيطان وزيادة الضغوط على الفلسطينيين داخل الضفة الغربية بهدف تهجيرهم وهذا ما أكده قبيل لقائه مع الرئيس الأميركي جو بايدين في واشنطن في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» حين صرح أن «حكومته لن تعلن عن ضم الضفة الغربية ولن تسمح بالتالي بإنشاء دولة فلسطينية وأن وضع اللاسلم واللاحرب السائد الآن هو وضع دائم وليس مرحلة مؤقتة»، وهذا الوضع كان سائداً في بداية السبعينيات في الأراضي المحتلة في عهد حكومة غولدا مائير وموشيه دايان، ثم انتهى بحرب تشرين 1973 ففي شباط 1973 أي قبل حرب تشرين، كان دايان قد أعلن أن «الوضع السائد في الأراضي المحتلة هو اللا حرب واللا سلام وهذا يعني أن على الحكومة فرضه بشكل دائم إلى أن يحين وقت رسم حدودها»، فاندلعت حرب تشرين في ذلك العام نفسه وتعاظمت المقاومة الفلسطينية من مختلف الجبهات.
وإذا كان إعلان بينيت بالمضمون نفسه الذي ذكره دايان يريد أن يفرض ديمومة هذا الوضع، فهو واهم تماماً لأن هذا الوضع قائم الآن فقط بين تل أبيب ورام اللـه وليس بين سبعة ملايين فلسطيني ينتشرون على كل أراضي فلسطين ويقاومون في قلب الجبهة الداخلية للكيان الإسرائيلي ومستوطناته مثلما يقاومون بالصواريخ والمقاتلين من جبهة قطاع غزة المحرر وإن كان محاصراً، وبالإضافة إليهم هناك جبهة الشمال الممتدة من جبهة الجولان جنوب سورية إلى جبهة المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان وعلى هذه الجبهات من الضفة الغربية إلى القطاع إلى جبهة الشمال لا يسود أبداً وضع اللاحرب واللاسلام بل إن حروباً ومعارك هائلة جرت على أيدي أطراف وأصحاب هذه الجبهات ضد الاحتلال وما تزال مستمرة، بل إن ميزان القوى الراهن بين قدرات هذه الجبهات وقدرات الكيان الإسرائيلي أصبح يميل أكثر فأكثر على مستويات وفي مجالات متعددة لمصلحة هذا المحور، محور المقاومة الذي يعد الشعب الفلسطيني في كل مكان نفسه في الخارج والداخل جزءاً لا يتجزأ منه.
ويبدو أن القيادة الإسرائيلية في تل أبيب تريد تغطية الشمس بغربال واسع الثقوب لإيهام المستوطنين وجيش الاحتلال بوجود وضع مستقر لهم في حين أن هناك أطرافاً ما تزال في ساحة المقاومة تشن حرباً على جيش الاحتلال عبر ثلاث جبهات حرب تحيط بحدود فلسطين المحتلة وجبهة رابعة في قلب الضفة الغربية ومدينة القدس وهي الجبهة التي يطلق عليها جيش الاحتلال اسم «الجبهة الوسطى».
يتعمد بينيت تجاهل أن كل الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة يعد نفسه مقاوماً لجيش الاحتلال وهو يقاومه يومياً في القدس وفي كل مدن الضفة الغربية بأشكال كثيرة كان آخرها نجاح ستة أسرى من داخل أضيق سجونه بكسر قيودهم وانتزاع حريتهم للعودة إلى ساحة الحرب ضده فما بالك بمقاومة إخوانهم الفلسطينيين المستمرة في مدن وقرى فلسطين المحتلة، وهذا ما يولد الرعب عند المستوطنين الذين يجدون أن هؤلاء الأسرى الستة كسروا أضيق القيود وأصبحوا أحراراً فوق أرضهم وجاهزين لشن المزيد من عمليات المقاومة، فماذا يمكن لبقية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أن يفعلوه خارج السجون، وهذه الحقيقة تظهر في رسائل المستوطنين التي يتبادلونها في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد شكلت هذه العملية أحد أبرز انتصارات مقاومة الاحتلال والتأكيد على حالة الحرب الشاملة السائدة بين كل الشعب الفلسطيني في كل مكان حتى من داخل زنازين الأسر والاعتقال، وبين جيش الاحتلال والمستوطنين، بل إن حالة الحرب والمقاومة من قبل الشعب وفصائل مقاومته ضد هذا الكيان لم تتوقف منذ اتفاقية أوسلو التي لم يقبل بها هذا الشعب ولا الأسرى والمعتقلون في داخل السجون فالحرب لم تتوقف ضد هذا الاحتلال ولم تستطع كل اتفاقات أوسلو أن توقفها أو تمنع تصاعدها يوماً تلو آخر.
إن الوهم الذي يطلق عليه بينيت اللاسلم واللاحرب، هو مجرد رغبة عجزت كل حكومات تل أبيب فرضها أو استخدامها لمنع استمرار المقاومة التي أصبح حشد المقاومين فيها سبعة ملايين فلسطيني داخل الأراضي المحتلة وما زالوا متمسكين بالبقاء فوق أرضهم ووطنهم وهم الذين يفرضون جدول عملهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى