شؤون العدو

حرب اللا مفر

معاريف – أودي سيغال

بنيامين، ابن بن تسيون نتنياهو يوجد على مسافة خطوة من المنصب الاعلى لزعيم يهودي: فهو في الطريق لان يصبح شخصية توراتية. ولكن مثل كل شيء في التوراة، لا خير بلا شر، ولا ثواب بلا عقاب. أريئيل شارون، على قصة حياته المركبة، كان شخصية توراتية: ماضيه كمقاتل، ابنه الذي قتل بانفلات رصاصة من بندقية كانت في حوزته؛ وفاة زوجته الاولى وحقيقة أنه تزوج من شقيقتها ليلي، التي أصبحت حب حياته؛ وكذا حرب لبنان، لجنة كهان والعودة الى مركز الأمور؛ الاصلاح الذي قاده الى رئاسة الوزراء والى تأييد جماهيري هائل، والنهاية المأساوية.

نتنياهو هو الآخر كفيل بان يصبح شخصية مأساوية، إذا تبين بان بعد سبع سنوات عجاف مع براك اوباما بدلا من أن يستمتع لاول مرة لرئيس أمريكي من الجانب الجمهوري، سيكون منشغلا في معركة قضائية وفي النهاية يذهب الى البيت دون أن يحقق الامكانية الكامنة الهائلة للتغيير. نتنياهو يمكنه أن يرى أرض الميعاد – للبيت الابيض الذي لا يشجب كل بناء للمناطق، ولا يغريه حل الدولتين للشعبين – وقبل لجنة من ذلك يجد نفسه في وضع تبتعد عنه فيه هذه الارض بسرعة.

بشكل عام، فإن التوقعات من دونالد ترامب عالية، وتخلق بشكل بنيوي الانتظار للخيانة، لتغيير الاتجاه، للمواجهة التي لا بد ستأتي. فهل ترامب جيد لليهود؟ الجواب هو أنه ينبغي الانتظار لنرى، ولكن ثمة بضعة امور واعدة وغير قليل من علامات الاستفهام. وبالاساس يبدو أنه من الناحية التاريخية، مع مرور مئة عام على اتفاقات سايكس – بيكو التي قسمت الشرق الاوسط الى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، وانهارت في السنوات الاخيرة، يوجد الان مقسمان جديدان آخران: ترامب وفلاديمير بوتين.

حلف عالمي

صديقي شبتاي شوفال، الباحث في معهد السياسة ضد الارهاب، تحدث عن المعضلة التي بين عمونه وديمونا، عن الحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة زعامية. ليس مؤكدا أن التحقيقات، المراقب والقضايا التي تبرز من الصباح حتى المساء تسهل على نتنياهو الاختيار الاهم: ماذا يريد والى أين يقود. العكس هو الصحيح، كل شيء يفعله سيظهر كملجأ، أو كمحاولة للهروب من القضايا حوله.

“من ناحية إسرائيل، فان مجرد وجود محور بوتين – ترامب، حيث أن روسيا هي اللاعب المسيطر في منطقة الهلال الشيعي الايراني، يشكل تهديدا وفرصة”، يكتب شوفال. “ترامب على ما يبدو سيتعاون مع اسرائيل في إطار متلازمة عمونه (توسيع المستوطنات في يهودا والسامرة حسب القانون أو بدونه) بل وربما سيتسلى بمكانة اسرائيل. في المواضيع الاستراتيجية حقا من ناحية إسرائيل، من شأن ترامب أن يخيب أمل أولئك الذين احتفلوا بانتصاره. ترامب للاسف، على الاقل حسب خطاب تنصيبه، لن يسعى الى الاشتباك أو المواجهة مع روسيا وبالتالي لن يشتبك ايضا مع حليفتها ايران. ففي السنوات الاربعة (او الثمانية) من ولايته، كل ما تبقى لاسرائيل ظاهرا هو الوقوف جانبا لرؤية تعميق التوسع والتعزز الايراني في المنطقة، بإسناد روسي.

“مطلوب سياسي قادر على أن يقرأ الخريطة المركبة والدينامية التي أمامنا، وان يستخلص منها مفاهيم وسياقات تحسن استقرار مكانة إسرائيل في المنطقة. اما تفويت التهديد والفرصة الكامنين في صعود ترامب، فمن شأنه ان يؤدي الى تردٍ كبير في وضع اسرائيل الاستراتيجي في المنطقة والى تعزيز المحور الشيعي. والتصدي في الوقت المناسب لميل استمرار الهجران الامريكي للمنطقة وإشراك الروس في ترتيب الخطوط الحمراء مع ايران وحزب الله يمكن أن يساعد إسرائيل في استقرار المنطقة.

“لقد تعزز المحور الشيعي في صراعه ضد معارضيه السنة في سوريا والعراق ويثبت سيطرته بقيادة إيران. وبينما تهتز مكانة داعش وتضعف، لا ينجح الثوار السنة الآخرون في أن يتبلوروا كبديل له. وأدى التدخل العميق من جانب روسيا في الازمة الى أن يفقد الثوار ضد الاسد حلب ويوجدون في خطر مستمر على قدرتهم للتصدي لقوتين عظميين فاعلتين كايران وروسيا.

“بينما تعتبر الأنظمة السنية محافظة، يعرض النظام في ايران تجاه الداخل ثورية مستمرة، من خلال صراعه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والزخم النووي. والان، بعد أن ازيل قسم من العقوبات، تنجح ايران في أن تدمج الثورية المناهضة للغرب مع النمو الاقتصادي. ولا تتبلور الدول السنية الى كتلة ذات سياسة منسقة وواضحة. السعودية، دول الخليج الاخرى، مصر والاردن لا تنجح في ان تشكل وزنا مضادا للمحور الشيعي المتعزز والمتبلور بمساعدة روسيا.

“وهنا تدخل روسيا، التي تشكل عاملا جوهريا في المنطقة. فقد تعززت سيطرتها على سيطرة الامريكيين في زمن إدارة اوباما، التي واظبت على دورها كمراقب غير مشارك تقريبا في المنطقة، باستثناء ايماءات لمرة واحدة على شكل قصف داعش والتموين للثوار المعتدلين.

“عندما تبتهج محافل مختلفة في إسرائيل من انتخاب ترامب، فانها تتعاطى أساسا مع مواقفه من القدس، من الاتفاق الذي وقعه اوباما مع ايران ومن المسلمين في الولايات المتحدة. ومع ذلك، عند النظر الى سياسته من روسيا ومكانتها بالنسبة للهلال الشيعي وفي الشرق الاوسط، نجد ثقبا أسود.

“ولكن رغم إنعدام الوضوح يمكن أن نلاحظ عدة خطوط اساسية منسجمة لدى ترامب: فالحلف الضمني والمتواصل بينه وبين بوتين – سواء بسبب الابتزاز، التجنيد، التأثير، التضامن المتبادل أو الاستراتيجية – يضمن توسيع الهيمنة الروسية في الشرق الاوسط. فالعدوانية التي هاجم بها ترامب  سياسة اوباما في المنطقة لم تتضمن انتقادا على أنه أدى عمليا الى تدخل روسيا في المنطقة. وفضلا عن ذلك، لا يبدي ترامب حماسة كبرى للصدام مع بوتين، ولا بد سيبحث عن السبل للتوصل معه الى اتفاقات حول اقتسام مناطق النفوذ. وعليه، من الصعب أن نتخيل طلبا أمريكيا باخراج القوات الروسية من سوريا، وفي المدى المنظور فان روسيا هنا كي تبقى.

“فضلا عن أن ترامب يبدي ايجابية تجاه روسيا وبوتين فانه يبدي تلميحات انعزالية تجاه حلفاء الولايات المتحدة الاستراتيجيين – دول غرب اوروبا. مثل هذا الميل الانعزالي كان أيضا من نصيب جورج بوش الابن حتى عمليات 11 ايلول، وتكرر عدة مرات في التاريخي الامريكي، بما في ذلك في الحرب العالمية الاولى والثانية. عمليا، ساعد الميل الانعزالي على التجرؤ النازي والياباني، ويحتمل أن يكون له تأثير على احساس روسيا بان السبيل الى تعززها كامبراطورية سلس على نحو خاص في عهد ترامب.

النتيجة الناشئة عن هذا الوضع تستدعي من إسرائيل التنسيق مع روسيا لاعمالها في سوريا وفي المنطقة الشمالية. ومع أن اسرائيل توصلت الى نوع من التفاهم مع روسيا في أنه من أجل تقييد تسلح حزب الله فانها لن تمنعها من الهجوم في سوريا، الا ان هذا التفاهم تكتيكي لا يشكل اتفاقا عاما ملزما.

“استنادا الى هذه الافتراضات فان على اسرائيل أن توجه مقدراتها الاستراتيجية لمواجهة اعمق مع روسيا، التي باتت هي صاحبة النفوذ في شمالنا. فالمصلحة الروسية ليست امبريالية اقتصادية نقية، ومن خلف اعمالها توجد رؤيا استراتيجية لتخليد حكم بوتين، المستعد لان يضحي بمصالح اقتصادية في صالح طموحات الروس للعودة الى مكانة القوة العظمى العالمية.

“يخيل أن حسب فهمي، تحتاج روسيا لان توسع نفوذها ليس فقط لاعتبارات الدفاع عن الاقليات الروسية في دول مثل اوكرانيا، أو التأثير على دول محاذية مثل جورجيا، بل وأيضا على غرب اوروبا والشرق الاوسط. واذا كان اوباما أسيرا لطموحات الربيع العربي بحيث يؤدي الى الديمقراطية والسلام العالمي، فقد يكون ترامب أسيرا لرؤية روسيا شريكا محتملا مع نوايا تجارية صرفة. غير أن ما يوجه بوتين هي مباديء أخرى، تحركها أشواق للنفوذ وللامبراطورية التي لم تعد موجودة”. هكذا يكتب شوفال.

أنا أتفق معه. ترامب مع إسرائيل. وهو مفتوح للافكار، ولكنه جاء لعقد الصفقات. وهو سيقتسم النفوذ على المنطقة مع بوتين ولن يتردد في أن يدفع حتى بثمن ليس مقبولا من جهتنا. فالتواجد الايراني في سوريا كفيل بان يكون الفشل السياسي الاكبر لاسرائيل، لانه سيؤثر على كل شيء: على حماس، على احتمالات التسوية وعلى الحياة في إسرائيل. مع سيجار أو بدونه، على نتنياهو أن يقرر، يبادر ويعمل. هذه ليست هي الامور التي يتميز بها. ولكن هذه المرة لا مفر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى