مقالات وآراء

“جيروزاليم بوست”: هل يؤشّر انفتاح الإمارات على سوريا على تحولٍ كبير في المنطقة؟

مقال للكاتب سيث فرانتزمان في صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية يتحدث عن انفتاح الإمارات على سوريا ودلالاته، والأدوار التي تلعبها الدول في سوريا.

فيما يلي النص المنقول إلى العربية:

أثار لقاء وزير الخارجية الإماراتي بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق هذا الأسبوع الدهشة في جميع أنحاء المنطقة وفي واشنطن. الزيارة رمزية ومهمة، ويمكن أن تكون بمثابة تحوّل في المنطقة.

لقد قدمت الإمارات ودول أخرى مبادرات هادئة لدمشق منذ سنوات، وهناك إجماع ناشئ بين الإمارات والأردن ومصر والسعودية وشركائها على أن الوقت قد حان لإخراج سوريا ونظامها من العزلة.

أشارت وكالة “فرانس 24” إلى أن “الزيارة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها مؤشر على جهود إقليمية لإنهاء العزلة الدبلوماسية للأسد، في الوقت الذي تكافح فيه سوريا أزمة اقتصادية متصاعدة ناجمة عن سنوات من الصراع وتفاقمت بسبب العقوبات الغربية”.

الموقف الرسمي الإماراتي هو أن الإمارات تدعم جهود إنهاء “الأزمة” في سوريا، في إشارة إلى أكثر من عقد من الصراع في البلاد.

سوريا منقسمة اليوم. تسيطر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة على شرق البلاد، وتسيطر تركيا على أجزاء من شمال غرب وشمال سوريا، ويسيطر النظام على بقية البلاد. تلعب روسيا دوراً في دمشق واللاذقية، وتساعد النظام. تلعب إيران دوراً في البوكمال و”تي فور” وبالقرب من الجولان، حيث يهدد وكلاءها، مثل حزب الله، و”إسرائيل”.

وسائل إعلام إماراتية أفادت أن الإمارات تريد أن ترى سوريا “ترسخ الاستقرار في البلاد وتلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق”.

الولايات المتحدة ليست منزعجة. لقد حاولت عزل النظام السوري. حتى سنة 2013، كان هناك اعتقاد بأن واشنطن قد تتدخل لصالح المتمردين السوريين، الذين أصبحوا أكثر انقساماً وتطرفاً بمرور الوقت. مع سيطرة تنظيم داعش على جزء من سوريا وارتكاب إبادة جماعية في سنة 2014، تغيّرت سياسة الولايات المتحدة.

في ظل الاتفاق النووي، تحركت الولايات المتحدة لمحاربة “داعش” مع تحالف دولي، وانتهت الجهود لإزالة الأسد. في ظل إدارة ترامب، تحولت الولايات المتحدة إلى شراكة أوثق مع “إسرائيل” بشأن المخاوف بشأن ترسيخ إيران في سوريا. ومع ذلك، تم استبعاد أميركا أيضاً من المناقشات من خلال عملية “أستانة” المدعومة من روسيا. سعت روسيا وتركيا وإيران إلى إدارة سوريا.

غزت تركيا البلاد في بداية سنة 2016 وقامت بتطهير الكرد عرقياً. ساعدت روسيا الأسد على استعادة حلب في سنة 2016. ساعدت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية على هزيمة داعش. في سنة 2019، خانت إدارة ترامب شركاءها في قوات سوريا الديمقراطية ومكّنت من غزو تركي، لكنها تراجعت بعد ذلك عن الانسحاب من سوريا. الآن يبدو الوضع وكأنه صراع مجمّد.

أياً يكن، الصور خادعة. في سنة 2018 استعاد الأسد المناطق القريبة من الجولان. وقد سعى إلى إعادة العلاقات مع الأردن وربما حتى استيراد الوقود من مصر لمساعدة لبنان على تلبية احتياجاته من الطاقة. في غضون ذلك، تفرض الولايات المتحدة عقوبات على الحكومة السورية. مثل إيران حليف الأسد، تريد دمشق التواصل مع الصين.

زيارة الإمارات مهمة لأن الإمارات شريك رئيسي للولايات المتحدة وأيضاً لأنها لديها اتفاق سلام مع “إسرائيل”.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس قال للصحفيين هذا الأسبوع: “هذه الإدارة لن تعبر عن أي دعم لجهود التطبيع أو إعادة الاعتبار لبشار الأسد” .

لكن على الولايات المتحدة أن تقول هذا: لقد علمت أن الزيارة قادمة.

أميركا قلقة بالفعل بشأن شركائها في المنطقة. واشنطن بعيدة عن كل من القاهرة والرياض في القضايا الرئيسية. كما أن الولايات المتحدة غاضبة من الانقلاب الأخير في السودان. يبدو أن الرمال في المنطقة تنزلق من تحت أقدام أميركا. هذا يعني أن لديها مشاكل مع معظم حلفائها وأصدقائها التقليديين. أنقرة تُدار الآن من قبل نظام مناهض لأميركا يشتري أسلحة من روسيا وينتهك حقوق المهاجرين وحقوق الإنسان.

بقدر ما يوجد نظام تحالف مؤيد للولايات المتحدة، فهو النظام المكون من “إسرائيل” واليونان وقبرص والإمارات ومصر والسعودية والبحرين والأردن. يمكن اعتبار عُمان وتونس والمغرب والكويت دولاً مهمة ومستقرة أيضاً. العراق رهينة إيران، باستثناء الجزء الكردي الذي يتمتع بالحكم الذاتي. لكن حتى هناك أرسل الإيرانيون وفداً هذا الأسبوع. وهددت تركيا باجتياحٍ جديد للإقليم الكردي في سوريا وتقصف مناطق كردية أسبوعياً.

هناك الآن تساؤلات حول سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا. من جهة، بدا أن أميركا تشير إلى أن الأردن ومصر قد يمدان لبنان بالطاقة عبر دمشق. من ناحية أخرى، قد تعيد الولايات المتحدة النظر في دورها في شرق سوريا. بريت ماكغورك، مهندس السياسة الأميركية مع قوات سورية الديمقراطية ومسؤول أميركي رئيسي اليوم، قد يعارض ذلك.

هناك البعض في إدارة بايدن ممن يريدون أن يخففوا حدة التعامل مع إيران. يريد آخرون أن يكونوا صارمين، وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على برنامج الطائرات بدون طيار الإيراني. لكن طهران تتاجر أيضاً بالنفط مع بكين، حتى الحادثة الأخيرة التي أوقفت فيها إيران ناقلة نفط مليئة بنفطها، كانت عائدة من الصين.

التعليقات الأميركية تصوّر زيارة الإمارات على أنها إشكالية. هذا يعني أنه من المحتمل ألا يكون بالوناً تجريبياً لإدارة بايدن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإمارات كانت تقدم مبادرات مع الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2018. كما التقى رئيس المخابرات السوريا علي مملوك بالمصريين منذ سنة 2016، في زيارة مهمة في كانون الأول/ديسمبر 2018، في الوقت الذي أشارت فيه الإمارات إلى انفتاحٍ جديد على دمشق.

استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسد في سبتمبر/أيلول 2021 ورئيس الوزراء نفتالي بينيت في تشرين أول/ أكتوبر. ووافقت مصر والأردن وسوريا على خطة للطاقة في سبتمبر/أيلول. تلقّى ملك الأردن مكالمة هاتفية من الأسد في 3 تشرين أول/أكتوبر. كانت هذه هي المرة الأولى منذ عقد من الزمن يتحدث فيها الرجلان رسمياً.

كما أرسلت سوريا أحد وزرائها لزيارة السعودية في مايو/أيار، وهي زيارة أولى أخرى منذ عقد. يُعتقد أن دول الخليج منفتحة الآن على استثمارات جديدة في سوريا. إنها تخطو برفق وتتحرك ببطء وبراغماتياً.

حساب الاتجاه الجديد واضح. الإمارات والسعودية تريدان “الاستقرار” في المنطقة. إنهما تعارضان الإخوان المسلمين. النظام التركي يقوده حزب العدالة والتنمية، الذي له جذور في جماعة الإخوان المسلمين. وترتبط حماس بجماعة الإخوان، وكذلك النظام السابق في السودان، الذي أُطيح به في سنة 2019، ونظام مرسي السابق في مصر. قطر قريبة من تركيا والإخوان.

التنافس الإقليمي في هذا السياق هو التنافس الذي ترى فيه الرياض وأبو ظبي والقاهرة العودة المحتملة للأسد إلى جامعة الدول العربية وكونه حصناً ضد المتطرفين في إدلب، فضلاً عن احتمال إبعاده عن إيران. نظام الأسد محتاج وضعيف ويجب أن يعتمد على إيران. الاعتقاد هو أنه مع القليل من الدعم، قد يعدّل النظام موقفه بشكل طفيف.

موقف “إسرائيل” هنا معقد. حسّنت الدولة اليهودية علاقاتها مع الأردن ومصر والإمارات والبحرين، الدول الرئيسية المشاركة في مبادرة سوريا. وكان لها علاقات جيدة مع الجماعات المتمردة المعتدلة بالقرب من الجولان إلى أن هزمها نظام الأسد في سنة 2018. منذ ذلك الحين، عملت “إسرائيل” على منع تمأسس إيران في سوريا. لكن للقدس أيضاً علاقات جيدة مع موسكو وأجرت محادثات مع روسيا بشأن سوريا.

في الغرب، قد يُنظر إلى هذه الخطوة من قبل الإمارات على أنها مثيرة للجدل. هذا لأنه في بعض القطاعات، وخاصة في الولايات المتحدة، يُنظر إلى نظام الأسد على أنه تجسيد للشر. ينظر إليه البعض على أنه أسوأ من إيران، حيث ارتكب انتهاكات حقيرة على مر السنين. في حين أن هناك أصوات في واشنطن تريد مقاربة ناعمة تجاه إيران، إلا أن هناك إجماعاً على أن الأسد لاعب سيء.

قبل سنة 2011، لم يكن هذا هو الحال. أولئك، مثل وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، الذين عارضوا سلام “إسرائيل” مع الخليج، أرادوا استكشاف علاقات أفضل مع طهران ودمشق.

لكن هناك رواية أخرى شائعة بين أولئك الذين دعموا المتمردين السوريين: يجب معارضة نظام الأسد.

يُنظر أحياناً إلى تركيا وقطر على أنهما مفتاحان لمعارضة النظام. على هذا النحو، تفترض هذه الرواية أن الإمارات والسعودية جزء من نظام استبدادي في المنطقة، وتسعيان للعمل مع الأسد.

ومع ذلك، فإن تركيا وقطر دولتان سلطويتان أيضاً، لذا فإن السؤال العام هو أي من أنظمة التحالف هذه يفضل المرء.

يميل النظام التركي – القطري إلى أن يكون قريباً من حماس و”طالبان” والجماعات المتطرفة. يميل النظام الذي تقوده السعودية إلى أن يكون قريباً من الأنظمة الاستبدادية التي تبدو أكثر علمانية. يدعم النظام الإيراني حماس وحزب الله والميليشيات العراقية ووكلاء آخرين يقضمون الدول.

عندما تقول الإمارات إنها تريد “الاستقرار”، فإنها تجادل بأن عدم الاستقرار الذي تسببه إيران – ودور تركيا في إدلب في سوريا، ودور حماس في غزة وليبيا – هو التهديد الأكبر.

بالنسبة لواشنطن التي انسحبت من أماكن مثل أفغانستان، فإن السؤال سيكون ما إذا كانت المبادرة الجديدة من قبل الإمارات والدول الأخرى الموالية لأميركا يمكن أن تحقق الاستقرار أو تحقق أي أهداف قد ترغب الولايات المتحدة في تحقيقها.

ما تعلّمته معظم الدول هو أنه مع احتلال الولايات المتحدة مقعداً خلفياً في المنطقة، مفضلةً التركيز على الصين، تُركت دول أخرى لتتولى زمام الأمور ورؤية ما الذي قد يأتي بعد ذلك. تحاول الإمارات أن تكون جزءًا من هذه العملية.

بالنسبة لـ”إسرائيل”، ستكون القضية الرئيسية هي ما إذا كان يمكن الحد من التهديد الإيراني في سوريا كجزء من هذا الاستقرار الجديد الذي تعتقد دول الخليج أنه قد يتم تمكينه. لهذا السبب، تعمل الإمارات بشكل وثيق مع الأردن بشأن المناقشات حول المنطقة.

القضية هي أن نظام الأسد تظاهر في الماضي أنه سيقلص دور إيران. قال هذا قبل سنة 2011 وحتى أثناء النزاع. لكن الإيرانيين ما زالوا يلعبون دوراً رئيسياً في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى