الأخبارشؤون العدو

توصيات لإنهاء انتفاضة القدس

في رأس السنة (أكتوبر 2015) بدأت موجة إرهاب الأفراد، ورافقها بطريقة متقطعة أيضًا أحداث إطلاق نار وعمليات منظمة نفذتها بنية حماس في الضفة الغربية. تتميز موجة الإرهاب هذه بالتذبذب الذي تعبر عنه فترات الهدوء ثم النشوب. من المهم الإشارة إلى أن التعبير المكتشف للظاهرة متقلص مقارنة بكامل جوهرها، حسب التقارير فقد أحبطت مئات العمليات قبل وقوعها خلال العام المنصرم، ومن المفترض انه لولا جهود الإحباط الإسرائيلية والفلسطينية – على حد سواء – فإن حجم الظاهرة في الواقع كان ليكون أوسع وأعنف كثيرًا.

إضافة إلى تذبذب موجة العمليات فإنها تتميز أيضًا بأنها دائرة مغلقة: أعمال يقوم بها أفراد تقود إلى رد إسرائيلي؛ في اغلب الحالات تؤدي إلى مقتل المهاجم، هذه النتيجة تعزز بدورها الشعور باليأس والرغبة بالانتقام في أوساط الفلسطينيين والعودة مرة أخرى. في الواقع الطرفان واقعان في الفخ، فترات من الهدوء وانخفاض في حجم العمليات، وعمليًا يجب نسبتها إلى مجهودات الإحباط التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء، ومعًا وسوية وسيما المجهود الإسرائيلي في الحرص على الرد الذي يميز بين السكان غير المتورطين بالإرهاب وبين منفذي الإرهاب وتقليص مساحات الاحتكاك بين قوات الامن الإسرائيلية وبين السكان الفلسطينيين.

ولكن في الواقع فإن هذه الظاهرة وكذلك احتمال التصعيد والانتشار الواسع الكامن فيها ظلت على حاله: انخفاض حجم العمليات يجب تشخيصه على انه نتيجة لمعالجة الأعراض وليس مسبباتها. بغياب رد حقيقي على العناصر يجب افتراض مواصلة موجة الإرهاب هذه بخصائصها المتذبذبة، وكذلك الأخذ بالاعتبار إمكانية التدهور الخطير نتيجة لفقان السيطرة أو رد أكثر حدة على وجه خاص. فقدان السيطرة من شأنه ان يحدث من بين ما قد يحدث نتيجة عن انهيار السلطة الفلسطينية أو تراجع ملحوظ في أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية أو نوعية التعاون الأمني بينها وبين إسرائيل.

صورة موجة الإرهاب وتعقيدها لا يسمحا على ما يبدو بالإشارة إلى تفسير بعينه مفضل وأساسي لوقوع العمليات المختلفة التي نفذها أشخاص مختلفون في اطارها ودوافع مختلفة كذلك، يبدو ان اغلبية العمليات لها عامل مشترك يمثل جمعًا من الأسباب والعوامل.

من بين العوامل الخارجية لموجة العمليات يمكن ان نجد القدوة التي مصدرها “الدولة الإسلامية” وفكرة الخلافة، إلى جانب الإعجاب المتأخر بالربيع العربي، عوامل الاقتداء هذه مدعومة ومُقواة من فوق منصات شبكات التواصل الاجتماعي؛ هذه الشبكات تكشف جيل الشباب على “ملذات الغرب” وعلى روح العصر (حقوق الانسان والديمقراطية والحرية الفردية وما إلى ذلك) مصبوغة بصباغ يكدر ويصيب باليأس واقع حياة جيل الشباب ويحطم بقايا الأمل إذا كان لها فيه بقية بشأن مستقبله الشخصي، في ذات الوقت مواقع التواصل الاجتماعي تكشف جيل الشباب في الواقع على اليأس والمتاعب اليومية المقدمة من قبل عناصر إسلامية راديكالية مثل “الدولة الإسلامية”؛ هذه جميعها تقوم في واقع من الصراع القومي – العرقي المتواصل الذي لا تلوح نهايته في الأفق، وبسبب الاحتكاك اليومي وعلى مستويات عنيفة متغيرة بين السكان الفلسطينيين وبين قوات الأمن الإسرائيلية، الجمع بين هذه العوامل يعزز ضرورة النهوض والقيام بعمل شيء ما.

يحتسب مع العوامل الداخلية أيضًا اليأس من القيادة الفلسطينية إثر عجزها عن دفع الأهداف الوطنية، ومن ضمنها إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال السياسي وضمان مستقبل أفضل على المستوى الفردي، وسيما للشباب، إلى جانب الإحباط العميق من مستوى الأداء المنخفض للسلطة الفلسطينية ومن الفساد وعدم القدرة على توفير الأمن الشخصي وتطبيق القانون والنظام.

الواقع الاقتصادي الصعب في المناطق الفلسطينية لا يسمح للشباب بأن يجدوا أنفسهم في سوق العمل، بالنسبة للشباب المتعلم فالمشكلة أشد ضراوة، وأكثر من ذلك كله يمر المجتمع الفلسطيني بتقلبات أجيال عاجلة تبرز بضعف مصادر السلطة التقليدية التي استخدمت في الماضي كأنظمة كبح للعنف والانفلات من القانون. سلطة الآباء وكذلك سلطة “شيوخ القبيلة” (الشيوخ ومخاتير الحمولة) تآكلت، وكذلك أيضًا مصادر السلطة الاجتماعية التقليدية التي ميزت البناء المجتمعي الفلسطيني (مؤسسة المخترة والمنظومة التعليمية؛ مكانة المعلم وما إلى ذلك)، أضف إلى ذلك تآكل مكانة المؤسسات الرسمية أو السلطوية وصعوبات فرض القانون والنظام؛ في معظم الحالات وفي ظل غياب خيار الانضمام إلى بنية إرهابية تنظيمية – في أعقاب المساس الشديد ببنى التنظيمات الإرهابية في الضفة الغربية – يجدي الإحباط والعدوان والتحريض على إرهاب الأفراد.

العنف لا يعكس بالضرورة عاطفة وطنية أو دينية، وإنما في الكثير من الحالات هو تعبير عن الإحباط الشخصي والضائقة الاجتماعية. أعمال الطعن تحولت إلى نوع من تقنية “التطهير المجتمعي”: شباب تضررت صورتهم الذاتية والمجتمعية تجعلهم تواقين للقيام بعملية في محاولة لتطهير اسمهم وترميم مكانتهم. القيم أو القادة التقليديين مثل شرف العائلة والانتقام لها تأثير وسريان، ولذلك في الكثير من حالات عمليات الأفراد يكون المنفذون من أبناء عائلة خرجوا لينتقموا لمقتل قريب لهم سعى للقيام بعملية وقُتل من قبل قوات الأمن الإسرائيلية أو الدفاع عن شرف عائلتهم، حيث يفسر فعلهم على انه تكفير أو تطهير لعار حل بها؛ هذه العوامل الداخلية يضاف لها التحريض (حيث لوحظ في الأشهر الأخيرة اعتدال بهذا الخصوص)، بالإضافة إلى ظاهرة التقليد.

لأن الأفراد الذين يخرجون بهدف تنفيذ عملية يعرفون ان عمليتهم على ما يبدو ستنتهي بموتهم يمكن النظر إلى عملهم كنوع من التضحية، لكن كان من بينهم من ترك وصايا واضحة وصريحة طالبوا فيها بعدم نسب المبرر الوطني لعملهم أو الديني، ولكن الجو المحيط وهو الاحتلال الإسرائيلي والطريق السياسي المسدود يمنحان العمليات علاقتها بالوطنية والدين، وهما اللذان من شأنهما تحفيز انتشار الإرهاب المنظم الأكثر خطورة.

إسرائيل لا تمتلك القدرة على معالجة جميع المشاكل الأساسية التي تحرك إرهاب الأفراد، ولكن باستطاعتها أن تسوي بعضًا من هذه العوامل بهدف توفير استجابة جزئية لفيروسات الظاهرة وليس لأعراضها فقط، هناك أهمية كبيرة لإبقاء مستوى الاحتكاك بالسكان المدنيين خفيضًا ومواصلة الامتناع عن فرض العقوبات الجماعية. كما ان إسرائيل تستطيع ان تزيد نسبة التبرع بدرجة كبيرة من أجل تحسين الواقع الاقتصادي في الضفة الغربية وتعزيز القدرات السلطوية لدى السلطة الفلسطينية.

إضافة إلى ذلك، وبالتفكير بعيد المدى، وفي ظروف استمرار الجمود في العملية السياسية؛ تستطيع إسرائيل ان تعمل على تحديد جديد لأنواع المناطق في الضفة الغربية. بالتنسيق مع الفلسطينيين وبشكل مستقل أيضًا إذا لم يساعد مثل هذا التنسيق وتستطيع إسرائيل ان تحدد من جديد المناطق (C) بدلًا من اعتبارها كلها وحدة واحدة يمكن تنويعها لعدة مناطق تمثل فئة مختلفة لأهداف مختلفة. إليك مثلًا ان بالإمكان تحديد المناطق المعدة للتطوير السياحي والمناطق المعدة للتطوير الزراعي وتطوير المجمعات الصناعية وتطوير البنى التحتية. التمييز بين مختلف المناطق في المناطق المصنفة (C) سيمكّن إسرائيل من الحفاظ على سيطرتها على المناطق الأكثر حيوية للاحتياجات الأمنية والاستيطان، وفي ذات الوقت سيمكنها تخصيص مناطق للبنى الاقتصادية المطلوبة لتطوير الاقتصاد الفلسطيني بطريقة توسع الأراضي التي يسيطر عليها الفلسطينيون بشكل كامل (مثل المناطق A).

بالإضافة إلى ان إسرائيل تستطيع ان تشرع بتنفيذ اتفاق الكهرباء الموقع مؤخرًا مع السلطة الفلسطينية في المجالات البنيوية الأخرى أيضًا مثل المياه والصرف الصحي وجودة البيئة والمواصلات بطريقة تفوض السلطة الفلسطينية بمزيد من الصلاحيات والمسؤوليات؛ اتفاقيات من هذا القبيل ستساعد في تحسين قدرات السلطة الحكمية والأدائية، وتقلل من احتمالات انهيارها؛ بل وربما تنجح في تعزيز الدعم الشعبي الذي تآكل كثيرًا في العام الأخير، خطوات من هذا النوع من شأنها ان تغير الأجواء مع مرور الوقت، وأن تساعد على تسخير العالم العربي البراغماتي والمجتمع الدولي لتجديد العملية السياسية وخلق ظروف أفضل لتجددها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى