مقالات وآراء

تل أبيب وخساراتها بعد الانسحاب من أفغانستان

تحسين الحلبي

عوفر شيلاح هو أحد قادة حزب «يوجد مستقبل» ويعد من رجال الأبحاث السياسية والعسكرية في مؤسسات الحكم وكان رئيس «اللجنة الفرعية لبناء القوة في لجنة الشؤون الخارجية والأمن التابعة للكنيست»، ونشر هذا تحليلاً موجزاً في صحيفة «يديعوت أحرونوت» في16 آب الجاري بعنوان «الدرس الإسرائيلي من الانسحاب من أفغانستان» وهو موضوع مثير في جدول العمل الراهن في المنطقة استهله بعرض ما تعرضت له إسرائيل من خسارة نتيجة السياسة التي اتبعها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما على منوال من سبقه نفسه وهي سياسة «تقطيع الخسائر وتخفيض حجم التوقعات»، ويرى أنها تشكل على الكيان الإسرائيلي تأثيراً سلبياً يفوق استلام طالبان للحكم»، ويعد ذلك تخلياً وعجزاً عن تطبيق الإستراتيجية التي وضعها في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب عام 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني لفرض النظام العالمي الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وظهرت هذه الإستراتيجية في النهاية على شكل وثيقتين إحداهما وضعها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولين باول وركز فيها على «ضرورة إيجاد شرعية داخلية وخارجية لأي حرب أو عمليات عسكرية أميركية وخلق تحالفات دولية وضرورة استخدام أقصى القوة في أقل وقت والانسحاب بعد ذلك بسرعة»، ووضع المحافظون الجدد ما يجعل هذه الإستراتيجية قابلة للتطبيق لجمع أكبر عدد من الدول في إطار التحالف مع الولايات المتحدة وبسرعة كبيرة لا تتيح لأحد منافستها. لكن هذه الإستراتيجية واجهت هزيمة في أفغانستان وفي العراق بفضل مقاومتها من القوى المناهضة للهيمنة الأميركية من داخل هاتين الدولتين ومن خارجهما بموجب النتائج التي نراها الآن، ولذلك يقول شيلاح: «إذا أردنا أن يبقى الأميركيون إلى جانبنا، ونحن ملزمون ببقائهم إلى جانبنا، فيجب علينا أن نقدم لهم رؤية جديدة نتمتع فيها بقوة كافية للتغلب على مضاعفات هذا الانسحاب»، ويعترف أن وضع إسرائيل بعد الانسحاب من كابول أصبح أكثر صعوبة لأن الولايات المتحدة بعد حربين في أفغانستان والعراق، عجزت عن قيادة العالم رغم استخدامها القوة العسكرية وبعد أن كلفتها الحربان ما يزيد عن ثلاثة تريليونات من الدولارات أي 15 بالمئة من القيمة الإجمالية لناتجها القومي الشامل» وإضافة إلى ذلك تجد الولايات المتحدة نفسها الآن أمام استحقاقات كثيرة من مضاعفات هذا الانسحاب وأهمها أنها فقدت الأمل بتغيير العالم من منظور مصالحها وفقدت في داخلها جزءاً من إحساسها بالقوة العظمى التي قهرها العراق وأفغانستان.
يستنتج شيلاح أن «الإدارات الأميركية الثلاث لأوباما ودونالد ترامب وجو بايدين الآن، انتهجت سياسة متشابهة تقوم على إزاحة الخسائر من دون جدوى وعلى تخفيض مستوى التوقعات المطلوبة، فها هي إسرائيل تواجه إيران وسورية والفلسطينيين وحزب اللـه في ظل وضع لم يعد فيه الجمهور الأميركي يشجع على التدخل الأميركي باسم الديمقراطية أو محاربة الإرهاب».
يعترف أن ما يجري الآن «ليس انهياراً في إجراء عسكري لم تعرف واشنطن كيف تخرج منه في الوقت المناسب فقط بل انسحاب نهائي من مفهوم كانت تعده واشنطن في السابق أمراً إلهياً تقريباً».
يبدو أن شيلاح يتجاهل التنويه إلى أن الكيان الإسرائيلي شارك بأشكال متعددة في هاتين الحربين في أفغانستان والعراق بطرقه وتدخله المعروف في المنطقة وتلقى هزيمة في ميدان الحروب الأميركية نفسه وعليه بالتالي أن يدفع الثمن أمام كل من انتصر على تدخله ومؤامراته من سورية إلى لبنان إلى اليمن إلى العراق وإيران وإسرائيل بصفتها الخاسر الأكبر من الهزيمة الأميركية التي ألحقتها بها هذه الدول والأطراف سيكون من الطبيعي أن تدفع الثمن مضاعفاً لأنه لم يعد بمقدورها بقوتها الذاتية التي بنت لها واشنطن والدول الاستعمارية الأخرى حماية وجودها الراهن كما فقدت واشنطن جزءاً مهماً من قدرتها في حماية هذا الكيان أمام تزايد قدرات محور المقاومة بعد صموده وانتصاره على الحرب الأميركية – الكونية على أطرافه وهذا ما يشير إليه شيلاح المختص بخطة بناء القوة لهذا الكيان.
ها هي التطورات في لبنان تشير أيضاً إلى عجز القوى والأطراف التي راهنت عليها الإدارات الأميركية لفرض الهيمنة الأميركية على لبنان والمقاومة التي تحولت إلى قدرة ردع ضد كل من يستهدف محور المقاومة أو أي طرف من أطرافه، فالهزيمة الأميركية الإسرائيلية في أي منطقة في الشرق الأوسط تحمل معها هزيمة مشابهة للهيمنة الأميركية في كل ساحة في هذه المنطقة وتزيد بالمقابل قدرة هذه الساحة أو تلك من ميادين الصدام ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى