مقالات وآراء

تل أبيب تخطط لتغيير تاريخ العرب وكفاحهم

تحسين الحلبي

كشفت صحيفة «باليستاين كرونيكل» الإلكترونية الصادرة بالانكليزية في الأول من تشرين الأول الجاري أن مسؤولين ودبلوماسيين إسرائيليين يكثفون جهودهم ونشاطاتهم لمطالبة رؤساء الجامعات الأميركية والأوروبية بفصل أي بروفسور ومحاضر فيها ينتقد إسرائيل ويصفها بدولة الاحتلال، كما ذكرت المجلة الإلكترونية «ميديل ايست مونيتور» قبل يومين أن بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين طلبوا من رئيس إحدى الجامعات بفصل محاضر مختص بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لأنه ينتقد إسرائيل واتهموه بمعاداة السامية.
جمعية الدراسات الأميركية أشارت في وقت سابق إلى وجود تزايد في الحملات التي تطالب بمقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين، وبعدم التعامل مع أي أكاديمي إسرائيلي يؤيد الاحتلال الإسرائيلي وعدم التعاون معه في الميدان الأكاديمي الجامعي، وظهرت هذه الحملات في بريطانيا والولايات المتحدة عام 2004 واتسعت دائرتها بعد عام 2015 حين قام 343 بروفسوراً ومحاضراً جامعياً بريطانياً في مختلف الجامعات بالتوقيع على قرار إدانة إسرائيل لاستمرار احتلالها للضفة الغربية والجولان السوري وانتهاكها لحقوق الإنسان، واتسعت الحملة لتشمل مؤسسات أكاديمية أوروبية تذكر بالحملات التي شنها الأكاديميون والمثقفون في مختلف أنحاء العالم ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا واحتلاله ومعاملته السكان أصحاب الأرض كالعبيد وفرض أنظمة التمييز العنصري عليهم ومنعهم من التمتع بحريتهم وبحقوقهم في وطنهم، واتخذ البرلمان الإسرائيلي «الكنيست» قرارات تفرض إجراء محاكمة جنائية لكل من يناهض الاحتلال الإسرائيلي وإدانته بتهمة ما يسمى «معاداة السامية» التي يؤكد تعريفها المعد في إسرائيل، أنها كل عمل أو نشاط أو قول ينتقد أو يناهض الصهيونية ويطلق على إسرائيل دولة الاحتلال وينتقد انتهاكها لحقوق الفلسطينيين، وقامت الإدارات المختصة الإسرائيلية بتوزيع هذه القرارات على دول تقيم معها علاقات دبلوماسية وتطلب فيها اتخاذ إجراءات بحق كل من تتهمه إسرائيل بمعاداة السامية وفق التعريف الذي حددته وبخاصة بعد أن وافقت فرنسا وبريطانيا وألمانيا على أن معاداة إسرائيل والصهيونية تعد معاداة للسامية، وهذا يعني أن المسؤولين الإسرائيليين من المتوقع أن يطبقوا نفس هذه السياسة على كل دولة توصلت معهم إلى تطبيع العلاقات وتبادل السفراء ويذكر أن السفارات الإسرائيلية في أوروبا والولايات المتحدة وقناصل إسرائيل في عدد من مدن تلك الدول اعتادوا التدخل المباشر مع كل رئيس جامعة ومطالبته بفصل أو معاقبة أي أستاذ جامعة ينتقد سياسة إسرائيل أو يعرب عن تأييده للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في محاضرته.
لا أحد يستغرب أن يقوم سفراء الكيان الإسرائيلي في بعض الدول العربية بمراقبة المحاضرات الأكاديمية في جامعات هذه الدول والتدخل أو مطالبة رؤساء هذه الجامعة أو تلك بفصل من يتهمونه بمعاداة السامية وقد تتوجه وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى نظيرتها في الدولة العربية المعنية بطلب إيقاف المحاضر عن عمله واستبداله بآخر لا ينتقد إسرائيل وسياستها أثناء محاضرته الأكاديمية.
وإذا ما استمر المسؤولون في تل أبيب باتباع هذه السياسة مع الدول التي أقامت معهم في منطقتنا علاقات دبلوماسية فربما يطالبون بعد ذلك بتدريس المنهاج الأكاديمي الإسرائيلي في جامعات تلك الدول العربية المعنية فقد وضعت إسرائيل مجموعة ملاحظات كثيرة على المنهاج التعليمي التربوي المتبع في المدارس العربية الإعدادية والثانوية في الأراضي المحتلة لكن الفلسطينيين رفضوا أي تدخل في منهاجهم التعليمي وقاوموا أي مطلب بتغيير مضمونه واتجاهه الوطني وهذا في الحقيقة ما يتعين أن يسري الآن على رفض الجامعات العربية لأي طلب إسرائيلي يرتبط بما ترغب إسرائيل بفرضه على الجامعات والمدارس العربية وربما تنتظر الفرصة المناسبة من وجهة نظرها لكي تضع هذا الموضوع على جدول عملها مع السودان والمغرب والبحرين وغيرها من الدول التي أقامت معها علاقات.
والجهات المختصة الإسرائيلية كلفت بعض لجانها متابعة موضوع مظاهر ما يسمى «معاداة السامية» في تلك الدول تمهيداً لإعداد قائمة من المطالب التي ستتقدم بها للمسؤولين في الدول العربية المعنية علماً أن مناهج التعليم الإسرائيلية تشوه صورة العربي وتنعته بأسوأ الصفات وتحرض على قتله علناً في مختلف المدارس الدينية وغير الدينية اليهودية وقد أنشأ الكيان الإسرائيلي لجاناً لملاحقة موضوع «معاداة السامية» ومظاهرها وتحويله إلى وسيلة لإجبار العرب على تغيير تاريخ أمتهم وصراعها ضد الاحتلال الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى