تقارير

تقرير: حرب الجبهات.. “إسرائيل” مشتتة بخيارات الرد

واجهت إسرائيل خلال الشهور الثلاثة الماضية تحديات عديدة، وضعت قادة المنظومة الأمنية أمام اختبارات لا يمكن تجاهلها، وأظهرت حالة من الإرباك لدى صناع القرار في الدولة العبرية.

تمثلت التحديات بالحرب الأخيرة على قطاع غزة، مروراً بالتصعيد البحري المتجدد منذ قرابة العام بين إسرائيل وإيران، وصولاً لحادثة إطلاق الصواريخ من لبنان على أيدي مقاتلين من حزب الله، انتهاء بعودة التوتر في الضفة الغربية، وعودة التهديد من غزة باستئناف القتال حال استمرت تنصل إسرائيل من تفاهمات التهدئة التي أعقبت انتهاء عملية “حارس الأسوار”.

هذه الأحداث جاءت في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية، كان لها تأثيراً واضحاً على القيادة الإسرائيلية، بدءاً من سقوط ترامب ونتنياهو من سدة الحكم، وتولي بايدن وبينت المشهد السياسي، إضافة لبوادر الإدارة الأمريكية الجديدة للعودة للاتفاق النووي مع إيران، والذي وضع إسرائيل أمام مأزق كبير خشية رفع العقوبات عن إيران.

تلك المتغيرات أشغلت المنظومة الأمنية الإسرائيلية حيال أي تصعيد قد ينشأ فجأة في أي من الجبهات المتوترة سواء في الشمال أو الجنوب، أو داخل إسرائيل، فكل الجبهات لدى إسرائيل تشكل خطراً أمنياً لا يمكن التهاون به، لذلك تحاول إسرائيل أن تستفرد بالجبهات لتتلاشي أكبر قدر من المخاطر المحيطة بها.

هذه المخاطر قيدت أذرع وزارة الجيش الإسرائيلية في الرد على الهجمات التي تلقتها من مختلف الجبهات، وبدأت القيادة الإسرائيلية تتبنى سياسة الرد في الزمان والمكان المناسبين لها، وفق ما صرح به وزير الجيش بيني غانتس، في رده بعد يومين على حادثة إطلاق صاروخ من غزة على سيديروت، كذلك امتناع الجيش من الرد على صواريخ حزب الله قبل أسابيع، وتلاشي الرد على الهجوم الإيراني على سفينة إسرائيلية فيها ملكية جزئية.

جبهة لبنان

سنوات طويلة من الهدوء تخللها مناوشات بدأت بفعل وانتهت بردة فعل الأخر، لكن الأسابيع الماضية وقفت إسرائيل أمام منزلق قد يرميها في مواجهة مع الجهة التي ربما لن تكون هي المسؤولة بشكل مباشر عن تسخين الجبهة.

صواريخ من لبنان انطلقت تجاه إسرائيل أكثر من مرة، استهدفت في معظمها مناطق مفتوحة، اتهم الجيش خلالها فصائل فلسطينية بدأت تنشط في لبنان، لكن الجيش رد بهجوم واسع على مواقع لبنانية تتبع لحزب الله لأول مرة منذ 15 عاماً، ليرد حزب الله برشقته الأخيرة من الشمال، لكن إسرائيل التزمت الصمت.

إسرائيل أدركت أنها أمام منحدر خطير، قد يذهب بها للمواجهة مع حزب الله، إذا ردت على رد حزب الله عليها، وهو ما منعها حتى اللحظة للتروي وعدم الرد، والاكتفاء بتهديد الدولة اللبنانية حال استمر اطلاق الصواريخ من أراضيها.

المنظومة الأمنية الإسرائيلية تدرك تماماً أن ردها في لبنان لن يكون بالعمل الصحيح، وليس بالمكان الصحيح، وليس موجهاً للجهة الصحيحة، فمن وقف خلف إطلاق الصواريخ الذي تم لأول مرة في أثناء حرب “حارس الأسوار” هي جهات فلسطينية.

وهذا فتح أمام إسرائيل اعتبارات أمنية جديدة، فالمقاومة الفلسطينية وسعت من نشاطها المقاوم لإسرائيل خارج نطاق جغرافيا فلسطين، وعادت للعمل من ساحات عربية على حدود إسرائيل كما كان في الستينيات والسبعينيات.

مختصون سياسيون وعسكريون يرون في هذا تطور خطير على إسرائيل، فالمقاومة الفلسطينية لا تتدخل في الشؤون العربية، لكن نشاطها في لبنان ربما يكون مرتبط بتفاهمات مع محور المقاومة في الإقليم كاملً، خاصة وأن عدد من قادتها العسكريين متواجدين في لبنان وسوريا وإيران، ويتمتعون بعلاقات دبلوماسية واسعة مع قيادة محور المقاومة.

لبنان والذي يعيش حالة من التراخي في الحلبة السياسية، ويعاني أوضاع اقتصادية سيئة، يتوقع محللون إسرائيليون أن تستغله إيران وحلفائها في بسط نفوذها، وتقوية أذرعها على الأرض، في محاولة لتكون قوة إقليمية هدفها الأساسي هزيمة إسرائيل.

جبهة سوريا وإيران

لا تزال احتمالات اندلاع حرب على الجبهة الإسرائيلية الشمالية، أي مع لبنان أو سوريا، في تصاعد مستمر، خاصة في ظل الهجمات الإسرائيلية المتتالية لمواقع في سوريا، يعتقد أنها تتبع لإيران وحزب الله، وما زاد من حدة هذا التوتر التهديدُ الإيراني بردٍ قادم على العدوان الإسرائيلي، والذي بدأ باستهداف عدد من السفن البحرية التي تملكها إسرائيل.

الضربات الجوية الإسرائيلية خلال اليومين الماضيين والتي استهدفت مواقع في سوريا، طرحت تساؤلات عديدة حول دلالات توقيتها وأهدافها، خاصة وأنها وقعت بعد هجمات استهدفت إسرائيل سواء من لبنان وغزة، وسفنها البحرية، دون رد إسرائيلي عليها.

موقع واللا العبري كشف النقاب عن فحوى الرسائل التي أوصلتها إسرائيل من خلال استهدافها لمنشأة عسكرية في سوريا قبل أيام.

بحسب الموقع العبري، جاء الهجوم الصاروخي كرسالة لإيران وحلفائها في المنطقة، في ظل تزايد نشاط التنظيمات الفلسطينية في لبنان، واحتمال أن يؤدي ذلك في المستقبل إلى مواجهة مع حزب الله.

وأوضح الموقع في تقرير نشره ظهر الخميس، الرسالة الإسرائيلية لإيران هي أن بحوزة إسرائيل سلة أدوات واسعة من أجل جباية ثمن ضد مصالح إيرانية، وهي ليست في الحلبة البحرية فقط، وإنما في اليابسة أيضا.

ونقل “واللا” عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن إسرائيل لم تقرر بعد كيف سترد على هجمات إيرانية ضد سفن بملكية جزئية إسرائيلية.

وأضاف، أن الهجوم في حضر يأتي على خلفية مداولات معمقة جدا حول السياسة الإسرائيلية حيال المواجهة البحرية مع إيران، وتعالت خلالها توجهات مختلفة بين ضباط في سلاح البحرية، الذين دعوا إلى الرد عسكريا، وبين وزراء في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية الكابينيت، الذين ادعوا أنه في الوقت الحالي ينبغي تبريد الأجواء بعد مقتل مواطنين أجنبين في سفينة إسرائيلية.

الواضح هنا أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، تخشى الدخول في مواجهة عسكرية على أي من الجبهات، فتتلقى الرد من الجبهة المقابلة، وهذا السيناريو بدأ واقعياً أكثر من ذي قبل، وقد بدأت مخاوف إسرائيل واضحة إزاء ذلك، في ظل تصريحات قادة محور المقاومة حول ضرورة توحيد العمل العسكري ضد إسرائيل.

الساحة الفلسطينية

الساحة الفلسطينية تعتبر الأكثر اشتعالاً لدى الإسرائيليين، فأحداثها اليومية سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، كفيلة أن تشعل المنطقة برمتها، إذ أصبحت ناقوس خطر حقيقي يقض مضاجع المنظومة الأمنية الإسرائيلية طوال الوقت.

خلال الأعوام القليلة الماضية بدأت المقاومة الفلسطينية بتغيير سياستها في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، فالفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، استخدمت صواريخها للرد على اعتداءات المستوطنين سواء في القدس أو الضفة الغربية، كذلك العمليات الفدائية والتي تمثلت بعمليات الطعن والدهس واطلاق الناء كانت نصرة للمقدسيين ولأهل غزة.

جنين والتي تعتبر معقل المقاومة في الضفة الغربية، اقتحمتها قوات الجيش قبل أيام، ليتصدى عدد من الفلسطينيين لقوات الجيش من خلال تبادل لإطلاق النار، انتهى الحدث بارتقاء أربعة شهداء فلسطينيين.

غزة كعادتها ظهر ذات اليوم أطلق عدد من الصواريخ تجاه مدينة سديروت جنوب إسرائيل، لتبدأ هنا معركة التهديد والوعيد، لكن إسرائيل ترى أن غزة ليست لقمة سهلة، لان الرد عليها لا يمكن تقدير عواقبه، في ظل التهديدات التي تطلقها الفصائل الفلسطينية لإسرائيل حال استمرار تنصلها من تفاهمات وقف اطلاق النار الأخير.

إسرائيل تدرك تماماً أنها بمنأى عن أي عمل عسكري في قطاع غزة، وأن لديها أولويات أكثر أهمية على الأمن القومي الإسرائيلي، وهي تدرك أن غزة التي أسقطت حكومة نتنياهو، قادرة على تفكيك الائتلاف الجديد بزعامة رئيس الوزراء الجديد نفتالي بينيت.

ربما يمكن القول إن إسرائيل تسعى عبر التصعيد العسكري والضربات الموجة للساحة السورية بشكل دائم، لتوجيه رسائل عدة في أكثر من اتجاه، منها لإيران التي تحاول التموضع في سوريا، ولحزب الله الذي يحاول إنشاء مصانع لصواريخه الدقيقة، ولحماس التي بدأت وفق الرواية الإسرائيلية تشكيل خلايا لها في سوريا ولبنان.

فالرد على هجمات محور المقاومة في خاسرته الأضعف سوريا، قد يوصل رسائل تعزيز لمكانة الحاكم الإسرائيلي في نفوس جبهة الداخلية، التي ومنذ أعوام عديدة بدأت تفقد مصداقيتها بجيشها وقوتها العسكرية أمام إيران وحلفائها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى