تقارير

تقرير الخطة الخمسية في القدس: برنامج اليمين لدفع الأسرلة والتهويد

في محاولة للرد على أن القدس ليست موحدة، ولايمكن لها أن تكون موحدة تحت الحكم الصهيوني، وفي مسعى لتأبيد وتأكيد الهيمنة عبر الأسرلة والدمج ومحو الخصوصية العربية الفلسطينية في المدينة، جاءت الخطة الخمسية التي قررتها حكومة نتنياهو قبل ثلاث سنوات، باستثمارات تزيد عن 2 مليار شيكل تحت شعارات الحد من الإهمال والفقر الذي يعاني منه سكان القدس الشرقية، وزعم المروجون للمشروع أنه يهدف إلى المشاركة المتزايدة المستهدفة للسلطات “الإسرائيلية” للمشاركة في رفاه السكان الفلسطينيين، بينما رأى مروجون أكثر صراحة أن الهدف هو إنتاج روابط بين الجانبين على نطاق وأنواع غير معروفة سابقا في الجوهر منها الترويج الفعلي لأهداف اليمين السيسية في المدينة: التهويد وفلسطينميون أقل ومستوطنون يهود أكثر، وبالتالي لن يعيش في المدينة مستقبلاً إلا الفلسطينيين الذين ينسجمون مع معايير المؤسسة الصهيونية.

زعم مروجو المشروع وأنصارهم من المتأسرلين أن المشروع شكل ثورة حقيقية في نظرة وتعامل المؤسسة الحكومية مع القدس الشرقية ومسألة انقسام المدينة، ولكن التفاصيل تظهر حقيقة الكذبة الكبرى التي تختبؤ وراء مزاعم الرفاه و”طيبة” قلب اليمين الصهيوني.

من المعروف أساساً أن نجاح أي برنامج بالنسبة لليمين الصهيوني غير ذي صلة بالتحسن الاقتصادي، وإنقاذ الأحياء العربية المتهالكة بفعل ممارسات المحتل وتضييقه ومحاولته محوها وتهجير سكانها، وإنما أيضا بالأساس ببرنامج تكريس السيادة الصهيونية على القدس الشرقية ارتباطا بإعلان المدينة عاصمة “أبدية” للكيان الصهيوني، واعتراف الولايات المتحدة بهذا الأمر، وسحق وإنهاء الآمال الفلسطينية بجعل القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية يبدو أنها لن تتحقق، وكان في صلب خطة اليمين والمؤسسات البلدية التي تتبع له تكريس قاعدة محددة، مفادها أنه كلما زاد عدد المقدسيين الذين ينظرون إلى الهيئات والعوامل “الإسرائيلية” على أنها عنوان لحل مشاكلهم اليومية، زاد اعتمادهم على الاحتلال، و يجب ألا ننسى: الخطة الخمسية قادها اليمين، ووافقت عليها أكثر الحكومات يمينية في “إسرائيل”، ونفذها سياسيون متشددون مثل زئيف إلكين ورافي بيرتس – على المستوى السياسي، ومن قبل قدامى المحاربين في جهاز الأمن العام. – على المستوى التنفيذي.

في هذه المسألة يبقى موقف اليسار الصهيوني إشكاليا، وقد تم الدفع به بعيدا، فإذا كان تحسين الظروف المعيشية وتعزيز “المساواة” وإن اقتصاديا فقط يتماشى مع ما تبقى من برامج اليسار الاجتماعية المتهالكة، فإن تعميق السيادة في القدس الشرقية، يتنافى وإن شكليا مع الهدف الرئيسي المتمثل في إنهاء الاحتلال وتوقيع اتفاقية سلام مع الفلسطينيين. وهكذا يواجه اليسار خيارين سيئين: الإصرار على تسوية سياسية ونزع شرعية الاحتلال – خيار غير ذي صلة في الظروف الحالية، أو القفز على عربة اليمين.

من هنا، من هذا التناقض بالذات جاءت خدعة “السلام الاقتصادي” وغيرها من مواقف أيدلوجية جامدة، أثبتت فشل اليسار وانهياره وجبنه أمام هجوم اليمين، ويمكن القول أن اليسار كان محتارا بين أن يبتلع اليمين أم أن يجلس في حضنه!.

هذه الظواهر أو الشعارات الأيدلوجية الفارغة تصب أو تخرج جميعها من عباءة اليمين التي جاء في سياقها من بين أمور أخرى القرار 922 للحكومة والذي يعنى بالاستثمار في البلدات العربية داخل الخط الأخضر، والاتفاقيات الإبراهيمية بين “إسرائيل” والإمارات والبحرين و السودان والمغرب، وفي الشراكة السياسية بين أحزاب اليمين و رغم ذلك بين الليكود و راعم حيث يعمل برنامج “الحد من الصراع” في الضفة الغربية المحتلة، الذي قيل إنه مقبول من رئيس الوزراء بينيت، بنفس المنطق.

قصة أن المؤسسة الصهيونية، تكافح في القدس أو غيرها من أجل المساواة الكاملة بين اليهود والعرب، قصة سخيفة طبعا، يعتقد بها بعض الكنيستيين والمتأسرلين، وبقايا اليسار الصهيوني، فالغرض الأصلي هو تعميق السيطرة والسيادة في القدس والضفة الغربية، ترسيخ سيادة وامتيازات اليهود على الفلسطينيين، هذا الموقف الأيديولوجي لا يخفى أو يُقمع من “البراغماتية”، هذه هي الأجندة الوطنية المعلنة لليمين، وكل تحركاته تخضع لهذا المنطق وهذا طبعا هو التفسير الحقيق للخطة الخمسية في القدس.

لم تكن الخطة الخمسية هي البرنامج الوحيد في المدينة إذ كان هناك أيضا عمليتين مضادتين تماما لقصة “الرفاه” التي تروى قبل النوم لأعضاء الكنيست والمأسرلين من فعاليات المدينة، الأولى هي القفزة الحادة في عمليات هدم المنازل الفلسطينية بحجة البناء غير المرخص والثانية هي التصاعد غير المبرر في عنف الشرطة الصهيونية، وكلا الأمرين يحدث برعاية اليمين الصهيوني وحكوماته/ ومشاركة “رعائية” من السفير الأمريكي في الكيان، وممثلي الحزب الجمهوري فيه، وجميعها نتجت عن خطة مدروسة لتقويض أي أثر جانبي إيجابي للخطة الخمسية.

وفي الحقيقة قد يتساءل المرء لماذا تتخذ حكومات اليمين قرارات متناقضة، ما يعكس تناقضا داخليا في السياسة “الإسرائيلية” في القدس المحتلة؟ في الحقيقة إن الجواب يكمن ليس في مجال علم النفس “انقسام في الشخصية” ناتجًا عن افتقار السلطات المحلية إلى استيعاب التغيير في السياسة الذي يملى من الأعلى، بل في تحليل يظهرها كسياسة منسجمة وغير متناقضة كما توحي للوهلة الأولى.

سياسات الهدم

لنبدأ بهدم المنازل: في السنوات الأخيرة، ارتفع معدل هدم المنازل بشكل كبير بسبب مزاعم البناء غير المرخص في القدس الشرقية، وتضاعف عدد الشقق السكنية التي يتم هدمها سنويًا من حوالي 50 شقة سكنية سنويًا إلى 100 شقة أو أكثر، ومنذ عام 2018 (العام الذي تمت فيه الموافقة على الخطة الخمسية لاستثمار الموازنة في القدس الشرقية) ، تم هدم أكثر من 400 وحدة سكنية في القدس الشرقية حتى الآن.

وقد كشف مسح أجراه معهد القدس للدراسات السياسية نشره ]أضا موفع وزارة القدس الاحتلالية، أن عدم قدرة المقدسيين على الحصول على تصاريح البناء هو السبب الرئيسي لمحنة الفلسطينيين في المدينة، حيث لم تصادق “الدولة” على المخططات الهيكلية لتطوير الأحياء الفلسطينية في القدس منذ عشرين عامًا ، وفي معظم الأحياء تتراوح المخططات الهيكلية بين 30 و 40 عامًا، هذا على عكس الأحياء الاستيطانية حيث تتم المصادقة على مخططات لآلاف الوحدات كل عام، ومن بين ملياري شيكل في الخطة الخمسية، لم يتم تخصيص شيكل واحد للخطط الرئيسية الجديدة في الأحياء الفلسطينية بالمدينة للتخفيف من النقص في المساكن الذي لا يطاق، ومع ذلك، فقد خصصت “الدولة” ميزانيات وطوّرت أساليب عمل عدوانية لمضاعفة معدل هدم المنازل.

كل هذا يحدث رغم أنه من الواضح للجميع أن مجال التخطيط والبناء له تأثير حاسم على الوضع الاقتصادي للسكان والمدينة، 400 وحدة سكنية هُدمت منذ 2018 ، على سبيل المثال، تعادل نسبة كبيرة من الميزانية المستثمرة حتى الآن في الخطة الخمسية، دون احتساب قيمة المحلات التجارية والشركات التي هُدمت في تلك السنوات، و لا يمكن تحقيق أهداف مهمة للخطة الخمسية بدون خطط تفصيلية: يتم تخصيص حوالي نصف مليار شيكل للتعليم، ولكن بدون خطط تفصيلية مناسبة، من المستحيل بناء مدارس، و التنمية الاقتصادية غير ممكنة بدون إنشاء مناطق عمل ومراكز تسوق، والتي تعتمد بدورها على الموافقة على مخططات مخطط الحي. دون الحديث عن دفع عشرات آلاف الفلسطينيين خارج الجدار إلى أحياء يتم إخراجها عمليا من النطاق البلدي رغم أنها مدرجة في بلدية القدس.

الحديث يدور هنا طبعا حول كفر عقب والأحياء المحيطة بمخيم شعفاط، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 140 ألف حسب تقديرات متدنية، يعني أن أكثر من ثلث السكان الفسلطينيين في القدس محشورين في أقل من 5% من أراضي المدينة.

يجب أن نذكر أنه في نفس العام (2018) الذي روج فيه الوزير إلكين لقرار الخطة الخمسية ، شجع أيضًا على تعديل القانون الأساسي للقدس من أجل إزالة الأحياء الواقعة خارج السياج من حدود المدينة، و تم تمرير مشروع القانون في القراءة الأولى لكنه توقف وبالتالي، فإن أي مناقشة عامة للخطة الخمسية يجب أن تتضمن أيضًا حقيقة أن الوزير الذي روج لها في نفس الوقت ضغط من أجل إزالة ثلث السكان الفلسطينيين من حدود المدينة.

لا يعاني إلكين من انقسام في الشخصية، إنه سياسي يميني حاد وماكر للغاية يخدم استراتيجية “إسرائيل” المعروفة والطويلة الأمد: تقليص عدد السكان الفلسطينيين في القدس.

إن الجمع بين الافتقار إلى الخطط الهيكلية المناسبة وسياسة الهدم العدواني وزيادة تهديدات الإخلاء (في الشيخ جراح وسلوان) يهدد مستقبل كل عائلة فلسطينية في المدينة، وكثير منهم يدفع بالفعل إلى الجانب الفلسطيني من المدينة خارج سياج الفصل.

تسعى “الدولة” إلى الاستمرار في إفساد حياة الفلسطينيين في المدينة حتى يضطروا لمغادرتها، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تقليص أبعاد الفقر بين أولئك الذين ثابروا وبقيوا في الجانب “الإسرائيلي” من جدار الفصل، كجزء من النظام البلدي، وبالتالي فإن “لإسرائيل” مصلحة اقتصادية في تحسين رفاهيتهم.

يمكن أن نضيف أن السلطات تنسب العنف الفلسطيني في المدينة في عامي 2014 و 2015 إلى الفقر ، واستثمارات الميزانية في إطار الخطة الخمسية لها مبرر أمني معلن لا يقل قوة عن المصلحة الاقتصادية.

عنف الشرطة

نرتكز الشرطة في القدس الشرقية على القوات العسكرية لحرس الحدود وتعمل بشكل أساسي ضد السكان وليس لصالحهم. لذلك، لا يتعارض العمل الشرطي المكثف والعنيف مع الخطة الخمسية بل يكملها، لكن الغرض منه ليس مجرد تطبيق للأمن إذ لم تكن هناك حاجة أمنية لمداهمات الشرطة العنيفة في العيسوية في الأعوام 2020-2019 ، وحصار باب العمود خلال شهر رمضان الماضي، وتفريق التجمعات العنيف في الشيخ جراح.، فاليد الصلبة للشرطة في القدس هي التي قوضت تدريجيا الاستقرار في المدينة. و في الشيخ جراح والعيسوية وباب العمود.

سيبقى هذا النمط البوليسي “غير مبرر” طالما تواصل المؤسسة الصهيونية الزعم بأن الشرطة تركز على إفشال المقاومة الفلسطينية وتتجاهل حقيقة أن الهيمنة الفلسطينية في أماكن مثل البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح مشكلة للحكومة “الإسرائيلية”، وهي ليست مشكلة أمنية بل سياسية اجتماعية تاريخية مرتبطة بالاحتلال أصلا، وتدرك المؤسسة الصهيونية أنه في ظل هذه الحقيقة التي يتم رفض الاعتراف بها، لن يكون التهويد أمرا سهلا ولن يمر من تحت أقدام الفلسطينيين الذين يتراكم وعيهم تجاه مدينتهم وحمايتها وأهمية دورهم التاريخي فيها، تدرك هذه المؤسسة أن التهويد يحتاج نشاطا قويا من جانب ما يسمى وكالات إنفاذ القانون في الكيان الصهيوني، الأمر الذي يكمل السياسات التي تنتهجها الجهات الفاعلة القوية في المجتمع الديني والمدني اليميني: منظمات المستوطنين العدوانية ونشاطها المميت ضد الوجود الفلسطيني في المدينة، ونقل الدولة المحتلة حصصًا متزايدة من المساحة العامة في القدس الشرقية إلى جمعية إلعاد ، وتزايد الدعم المؤسسي لحركات الهيكل.

الآن مع اقتراب نهاية مواعيد الخطة الخمسية قد تدرك دولة الاحتلال أن موازنات الخطة الخمسية، التي لايعرف أحد حقا أين تبخرت، لن تجعل تجعل الفلسطينيين في القدس الشرقية يحنون رؤوسهم في وجه الهجمة الاستيطانية التهويدية، وهذا ما أثبته النضال والصمود الحازم في باب العمود والشيخ جراح، ومع ذلك علينا أن لا ننسى أن المؤسسة الصهيونية المحتلة تتمتع بقوة كبيرة وموارد وفيرة وتصميم كبير على تحقيق المخططات اليهودية العليا في القدس وخارجها، ما يتطلب فهما فلسطينيا أعمق لما يحدث في القدس وتحشيدا أكبر لعناصر القوة، وثباتا سياسيا واجتماعيا قد يكون مطلوبا أكثر مما حدث في الماضي بكثير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى