تحليل

تحليل: الكيان وزيارة بايدن وأربعة أشهر تحدد مصائر أقطاب السياسة

يصل الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى فلسطين المحتلة يوم 13 تموز/ يوليو في أول زيارة رسمية له إلى الكيان الصهيوني،

وبدلاً من نفتالي بينيت سيجد بايدن رئيس حكومة جديد هو يائير لابيد في انتظاره على مدرج الطيران، وكان سبق للإدارة

الأمريكية أن صرحت في وقتٍ سابق أن بايدن مهتم بأمن “إسرائيل” وليس مهتمًا بمن يجلس في مقر رئيس وزرائها.

وعلى الرغم من ذلك فإنّ “إسرائيل” التي يزورها بايدن متغيّرة بشدة إن لم نقل مضطربة، حيث لا يوجد كنيست ليلقي به

كلمة، إذا ما كانت مقررة، ولا يوجد حكومة يمكن التعويل عليها لأمد بعيد إذ كل شيء سيتغيّر من جديد بعد أربعة أشهر،

ومن سيكون في الحكم عندها سيعيد ترتيب الأوراق، وبايدن لا يعلم والصهاينة أنفسهم لا يعلمون رغم احتداد المنافسة،

من سيأتي في نوفمبر، أم أنّ الكيان سيدخل في دوامة انتخابات جديدة، وبالتالي ليس مستبعدًا أن تتحول زيارة بايدن

بالنسبة لهم إلى مجرد مهرجان انتخابي جديد، لأنه حتى الهدية التاريخية التي أراد بايدن تقديمها للكيان، أي التطبيع

السعودي، سيتأجل على الأرجح، إذ ليس واردًا أنّ السعوديين سيرغبون بتطبيع العلاقات مع حكومة مؤقتة.

الفخ المزدوج لحكومة بينيت

كان بقاء حكومة بينيت – لابيد حتى عام إنجازًا من نوع ما، في ظل وجود خصم كنتنياهو، ولكنها استندت إلى تحالف هجين

كان هو بالذات أيضًا سبب سقوطها، وقد كانت النقطة السياسية العليا في التحالف هي ركن القضية الفلسطينيّة على

الرف، ولن يكون هناك أي تقدم في أي مسار مفاوضات، أو علاقات سياسيّة مع الفلسطينيين خارج العلاقات التي تفرضها

حالة الاحتلال، وقد نجح التحالف فعليًا في تنحية الفلسطينيين جانبًا، ولكنه كان قد وضع لنفسه هدفين رئيسيين: استبدال

نتنياهو، وكان هذا هو الشعار الناظم لمعظم أحزاب الائتلاف، (إلا نتنياهو) وهذا يعني الرضا بأي شيء مهما كان نوعه ومقدار

تعرّج طريقه شرط غياب نتنياهو عن الساحة، وفي الحقيقة يبدو أن الائتلاف الذي أبعد نتنياهو لم ينجح أبدًا في التخلص

من برنامج أو على الأقل المحتوى العميق لبرنامج الليكود، وكيف يمكن هذا ووزراء نتنياهو أصلاً هم من يقود التحالف،

ويعلم الجميع أنهم غادروا معسكره بسبب خلافات شخصية، أو أيدلوجية، وليست سياسية أو اجتماعية- اقتصادية.

الهدف الثاني ما قيل إنه إعادة “إسرائيل” إلى الحكم الطبيعي، وأشك فعليًا إن كان يوجد شخص في الكيان قادرًا على

تحديد ما هو الحكم الطبيعي وما المقصود منه، عمومًا تضمن هذا إقرار ميزانية الدولة بعد انقطاع عامين وهو هدف تم

تحقيقه وإن كان لسنة واحدة إذ لم يتسنى لوزير المالية أفيغدور ليبرمان تقديم مشروع الميزانية لسنتين، وشرعت

الحكومة في تنفيذ أجندة محلية ولكن لمدة عام فقط. في ظل أغلبية برلمانية ضئيلة للغاية ومترددة ومنقسمة أحيانًا،

والتي جاءت انشقاقاتها على الأغلب وبشكل أكثر خطورة في الجناح اليميني للحكومة، وبين أعضاء حزب بينيت، الذين

كانوا دائمًا مترددين حول تشكيل حكومة معادية لنتنياهو مع الوسط واليسار.

الفخ الذي وقع فيه التحالف، جاء من القضية التي تم استثناؤها أصلاً، إذ وعلى الرغم من أنه تم تأسيسه بقصد صريح

وضع القضية الفلسطينية على الرف، فإنه سقط بسبب القضية الفلسطينية، وبسبب الاحتلال حيث أدى الفشل في

تمديد قانون الطوارئ – الذي يمد صلاحية القانون المدني الإسرائيلي إلى مستوطنات الضفة، خالقًا طبقتين من القانون

واحدة عسكرية قامعة يديرها الجيش ضد الفلسطينيين وأخرى مدنية تجعل المستوطنين مقيمين رسميًا في “إسرائيل”-

إلى تحريك أحجار دومينو السقوط حيث أن هذا القانون الذي سرى منذ 1967، استعصى تمديده بسبب الصراع السياسي،

حيث في الأوقات العادية، كان الكنيست يمدد هذه اللوائح بسهولة، ولكن مع عدم رغبة المعارضة في دعم أي تشريع،

كان الوضع القانوني للمستوطنين على وشك الانقلاب، فقام بينيت باستباق انهيار ائتلافه وسقوط اللوائح من خلال

الشروع في انتخابات جديدة، وتمديد اللوائح تلقائيًا إلى الدورة الجديدة للكنيست.

مصير بينيت

أعلن بينت أنه سيأخذ استراحة من الحياة السياسية، وليس من الواضح إن كانت هذه الاستراحة هي النهاية له، رغم أن

قراره جاء كرد فعل على هجوم أعضاء حزبه والجناح اليميني، ووصفه بأنه مرتد وبالتالي سيخرج قريبًا من المشهد في

الوقت الحالي ولكن في غضون ذلك، سيواصل إدارة ملف إيران في حكومة لابيد الانتقالية.

لابيد والسلام

يختلف لابيد عن نتنياهو، وحتى أكثر من شريكه بينيت، فهو يتعاطف مع حل الدولتين مع الفلسطينيين ويرغب في

استثمار العلاقات الدافئة مع العالم العربي لتعزيز العلاقات “الإسرائيلية”- الفلسطينية. ومع ذلك، فهو ليس حمامة

يسارية. بأي شكل من الأشكال، وهو يتبنى الطروحات العامة الصهيونية حول عدم وجود قيادة فلسطينية قادرة على

الحديث مع “إسرائيل”، إضافة إلى الشك الأساسي في قدرته هو على قيادة أي تغيير عميق للسياسة “الإسرائيلية”

في البيئة السياسية الحالية، ولكن جنبًا إلى جنب مع وزير حربه بيني غانتس، من المرجح أن يستمر لابيد في إجراء

تحسينات تدريجية على سبل العيش الفلسطينيّة، ولكن ليس محاولة تغيير الواقع من جانب واحد في الضفة الغربية أو

قطاع غزة بطريقة أساسية.

إيران:

فيما يتعلق بإيران أيضًا، سيجد بايدن الاستمرارية في الغالب في السياسة الصهيونية، حيث طالما تشارك كل من لابيد وبينيت وغانتس في القلق الواسع المعلن عنه بشأن برنامج إيران النووي، حتى لو كان خطابهم أحيانًا مختلفًا عن خطاب نتنياهو، وما يختلفون به بشكل كبير عن نتنياهو هو اعتقادهم أن “إسرائيل” يجب أن تعمل عن كثب مع الولايات المتحدة – بغض النظر عمن هو في البيت الأبيض – لمواجهة إيران. وبالفعل، يبرز لبيد في مقاربته للعلاقات مع أمريكا، وخاصة الحزب الديمقراطي أقرب إيديولوجيًا ومزاجيًا إلى مركز السياسة الأمريكيّة، بدلاً من جناحها الأيمن، بما يختلف كثيراً عن نتنياهو في هذا الصدد.

هل سيعود نتنياهو

خدم بينيت أقصر فترة كرئيس لوزراء للكيان، وهي أقصر حتى من فترة إيهود باراك في 1999-2001، وعلى الرغم من أن لابيد قد يحطم هذا الرقم القياسي قريبًا إذا فاز نتنياهو في تشرين ثاني/ نوفمبر، حيث فوز نتنياهو هو احتمال واضح. ومع ذلك، فقد خسر ميزة واحدة لصالح لابيد، حيث في الماضي، كان بإمكان نتنياهو دائمًا اللجوء إلى جولة أخرى من الانتخابات للبقاء في منصبه كرئيس وزراء تصريف الأعمال الافتراضي، هذه المرة إذا علقت انتخابات نوفمبر، مرة أخرى، سيستمر لبيد كرئيس للوزراء حتى يتم تشكيل حكومة جديدة بنجاح، وفي غضون ذلك تستمر محاكمة نتنياهو بتهمة الفساد. على الرغم من بطء النظام القانوني في “إسرائيل”، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن يُمنع نتنياهو من ممارسة السياسة إذا أدين في السنوات المقبلة.

ورغم الصراع الشرس مع نتنياهو، سيكون أمام لابيد كرئيس وزراء انتقالي الفرصة للإجابة على السؤال الوحيد الذي لطالما ابتليت به السياسة: هل لديه الجاذبية والمكانة ليكون الزعيم الأعلى؟ وقد تأتي اللحظة الأكثر أهمية في حملته قريبًا: عندما يستقبل، كرئيس للوزراء، الرئيس بايدن في مطار بن غوريون. هذا كله دون أن نتطرق إلى الأمر الذي تركه لابيد وراءه أيام حكومة بينيت: القضية الفلسطينية واحتمالات التفجير، وقضية الأسرى الصهاينة التي عاودت الاشتعال.. ما سيجعلها أربعة أشهر ساخنة سياسيًا وربما عسكريًا أيضًا.

اقرأ المزيد: نادي الأسير: الأسيرة فرج الله صاحبة مرض مزمن والاحتلال قتلها بالإهمال الطبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى