مقالات وآراء

تحرير فلسطين بين الحرب الشعبية والحرب الفاصلة

أثناء حفر المسلمين الخندق في غزوة “الأحزاب”، استعصت عليهم صخرة، فتولى الرسول (ص) كسرها بمعوله، فقال في

الضربة الأولى: “الله أكبر أُعطيتُ مفاتيح الشام”، وقال في الضربة الثانية: “الله أكبر أُعطيتُ مفاتيح فارس”، وقال في الضربة

الثالثة: “الله أكبر أُعطيتُ مفاتيح اليمن”.

ما بين الوعد الإلهي للرسول بفتح الشام وفارس واليمن وتحقق الوعد، مضت سنوات انهمك خلالها المسلمون في ا

لتخطيط للفتح، والإعداد للقوة، والتجهيز للجهاد، وإرسال الجيوش إلى الجبهات… حتى تحقق الوعد وأنجز الفتح.

وعندما سمع المسلمون حديث فتح القسطنطينية: “لتفتحنَّ القسطنطينية، فلنعمَ الأميرُ أميرها! ولنعمَ الجيش ذلك

الجيش!”، حرص الخلفاء والقادة على أن يفوزوا بذلك الشرف، وأرسلوا إليها عشرات الجيوش على مدار 8 قرون لفتحها،

حتى فُتحت في عهد السلطان العثماني محمد الفاتح، فتحقق الوعد النبوي الإلهي بالفعل البشري المتواصل.

إنّ تعامل المسلمين مع الوعد الإلهي بفتح الشام وفارس واليمن، ثم القسطنطينية، بالأخذ بأسباب النصر والتمكين على

الأرض ينسجم مع المنهج الإسلامي في قراءة النص الديني؛ المنهج الذي يلتقي فيه القدر الإلهي والفعل الإنساني، من

دون إنكار يُلغي القدر الإلهي أو إيمان يُعطّل الفعل الإنساني.

وهكذا، ينبغي أن تكون قراءتنا لوعد الآخرة ومضمونه الخاص بزوال “دولة إسرائيل” على مستوى الوعي والعمل، لتكون قراءة

واعية وعملاً فعّالاً، ليتم من خلال تلك القراءة والعمل إخراج وعد الآخرة من القدر الإلهي في عالم الغيب إلى القدر الإلهي

في عالم الشهادة.

هذا يعني أنْ يقوم الشعب الفلسطيني وطليعته المقاومة بدوره في حرب تحرير فلسطين بواسطة الحرب الشعبية الطويلة

الأمد، حتى يأتي وعد الآخرة أو الحرب الفاصلة والشعب الفلسطيني ومقاومته جزء من وعد الآخرة والقدر الإلهي بالفعل

الإنساني، ما يتطلّب مواصلة مشروع التحرير باستمرار مشاغلة العدو بالمقاومة، كطريق لمراكمة القوة للشعب والمقاومة

والأمة، واستراتيجية لتعميق مأزق “إسرائيل” الأمني والوجودي، وصولاً إلى الهزيمة النهائية وزوالها بالحرب الفاصلة.

إن مواصلة الحرب الشعبية وإبقاء جذوة الجهاد والمقاومة مشتعلة، وعمودها الفقري الكفاح المُسلّح، حتى يلتقي القدر

الإلهي بالفعل الإنساني في وعد الآخرة، حيث الحرب الفاصلة، هما الأصل المنسجم مع المنهج الإسلامي في التغيير

والثورة وقوانين حروب التحرير الوطنية كفيتنام والجزائر، ومعطيات واقع الصراع مع الكيان الصهيوني.

لذلك، أكد الميثاق الوطني الفلسطيني استراتيجية حرب التحرير الشعبية الفلسطينية، واعتبر نواتها العمل الفدائي وأسلوبها

الكفاح المسلّح، رغم حضور الحرب الفاصلة في الميثاق وأدبيات الثورة الفلسطينية في تحرير فلسطين كواجب قومي عربي

تقوم به الجيوش العسكرية النظامية.

هذه الرؤية للتحرير لم تغِب عن الوثيقة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي أكّدت الحرب الشعبية

المتواصلة والحرب الكبرى الفاصلة، فجاء في الوثيقة: “النهج الثابت للجهاد والمقاومة هو استمرار المواجهة مع العدو

الصهيوني، واستنزاف طاقاته وقدراته، وزعزعة أمنه واستقراره، لإجباره على الرحيل عن أرضنا وصولاً إلى التحرير الكامل

لفلسطين، الذي يعد مهمة تاريخية وإنسانية كبرى”. وما بين “استمرار المواجهة” و”التحرير الكامل لفلسطين” تكمن

الرؤية في الجمع والتوفيق بين استراتيجيتي مشاغلة العدو ومراكمة القوة.

الجمع والتوفيق بين استراتيجيتي مشاغلة العدو ومراكمة القوة، جوهره استمرار المقاومة ومشاغلة العدو بالنار لاستنزافه،

وهدفه مراكمة قوة المقاومة والشعب والأمة، وصولاً إلى الحرب الفاصلة. وتحديداً إن جوهره وهدفه هما استمرار مشاغلة

العدو بالمقاومة وعدم منحه فترات هدوء طويلة كي لا يستقر ويأمن، واستمرار الجهاد والمقاومة حتى التحرير الكامل

لفلسطين، للحفاظ على القضية الفلسطينية حية في ضمير الأمة، واستنزاف طاقات العدو المادية والبشرية والنفسية،

وزعزعة أمن الكيان الصهيوني واستقراره لتعميق مأزقه الأمني والوجودي، وضرب المشروع الصهيوني في أساسه القائم

على الأمن والهجرة والاستيطان…

هذا كله من شأنه أنْ يؤدي إلى حشد وجمع القوة العسكرية كماً وكيفاً، وتعزيز قوة الشعب بالصمود في وطنه، وقوة المقاومة

الفلسطينية بمراكمة الخبرات والإنجازات، وقوة الأمة بالالتفاف حول قضية فلسطين، وقوة محور المقاومة باستكمال جهوزيته

للمعركة الفاصلة. في المقابل، سيؤدي إلى إضعاف الكيان الصهيوني وتعميق مأزقه الوجودي، حتى تكتمل دائرة الخراب

والزوال الداخلية “يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ”، والخارجية “وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ”، في وعد الآخرة الذي سيتحقق بأيدي “عِبَادًا لَّنَا

أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ”.

إنَّ استراتيجية مشاغلة العدو أو الحرب الشعبية، وصولاً إلى مراكمة القوة تمهيداً للحرب الفاصلة، حقّقت إنجازات على

الطريق في مواجهة الكيان الصهيوني، أهمها إنهاء الاحتلال بجيشه ومستوطنيه من قطاع غزة رغم بقاء الحصار، وفرضت

نوعاً من توازن الردع مع العدو منعته نسبياً من استباحة غزة بالقتل والتدمير، وزعزعت أمنه واستقراره، ما عمّق مأزقه

الأمني والوجودي، وحافظت على القضية الفلسطينية حية عند جماهير الأمة، وعززت ثقة محور المقاومة بطليعته في

فلسطين وحتمية زوال “إسرائيل”.

والحفاظ على هذه الإنجازات التي حققتها الحرب الشعبية وتطويرها للوصول إلى النصر النهائي في الحرب الفاصلة يتطلب

من حركات المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً حركتي الجهاد وحماس، التوافق على استراتيجية موحّدة لإدارة الصراع ضد

الكيان الصهيوني ومقاومة الاحتلال في إطار التكامل وتوزيع الأدوار، وفي إطار التناقض مع نهج التعايش مع الاحتلال

أو تأجيل الاشتباك معه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى