مقالات وآراء

المملكة الفلسطينية

أثار مقال الكاتب السعودي من أصول فلسطينية علي الشهابي بعنوان “مملكة فلسطين الهاشمية” الكثير من اللغط إذ

يحيي فكرة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية، والوطن البديل، خاصة أن الكاتب معروف بقربه من ولي العهد السعودي،

ما يمنح رأيه، بحسب كثيرين، أهمية خاصة كونه يعبّر عن وجهة نظر الأمير المذكور.

يذكرنا هذا المقال بما كتبه الملياردير الإماراتي من أصل فلسطيني حسن اسميك عن الموضوع نفسه. رغم أن الأمير

محمد بن سلمان يعاني من توتر في علاقته مع الولايات المتحدة، تشير الأخبار المتعلقة بزيارة الرئيس الأميركي جو

بايدن إلى المنطقة إلى وجود محادثات وترتيبات حول إقامة مؤتمر في السعودية يتعلق بالأمن الإقليمي، وبشكل خاص

الأمن القومي الإسرائيلي، بحسب تصريحات بايدن لشبكة CNN.

نستطيع النظر إلى مقال الشهابي بصفته واحداً من بالونات الاختبار التي تطلقها الأوساط الإعلامية الدائرة في فلك

الدوائر الاستعمارية، وذلك لتحقيق هدفين. الهدف الأول، قياس ردود الفعل الشعبية والسياسية في الشارع العربي

على المشاريع التي يتم إعدادها للمنطقة. والثاني، جعل الأفكار التي تحملها تلك المشاريع مادة للاتفاق والاختلاف،

ما يحوّلها من محرمات وطنية إلى وجهات نظر قابلة للنقاش.

ألم يتسلل التطبيع إلى عقولنا عبر شاشات وسائل الإعلام التي أدخلت القادة الصهاينة إلى بيوتنا تحت لافتة “الرأي

والرأي الآخر”؟ وما لبثنا أن رأيناهم يتجولون في شوارع عواصمنا، لنصل إلى قطيع يدافع عن التطبيع تحت لافتة

“الاضطرار” في مواجهة وهم “الأطماع الإيرانية”.

لكن الأطماع الإسرائيلية بضمّ الأردن إلى الكيان جاءت مع وعد بلفور، الذي صدر قبل تشكيل أي كيان سياسي في

الأردن. هذا ما أدركه الزعماء الوطنيون الأردنيون، فبادروا إلى إقامة حكومات محلية في المناطق الأردنية في محاولة

لحمايتها من الأطماع الصهيونية. وتنادى أبناء الأردن للتصدي للخطر الاستعماري عسكرياً فكانت معركة تل الثعالب

التي خاضها الشهيد كايد المفلح العبيدات ضد الاستعمار البريطاني على أرض فلسطين عام 1920.

وفي العام نفسه، عقد مؤتمر أم قيس الذي كان عبارة عن مفاوضات أردنية بريطانية بهدف إنشاء كيان سياسي

أردني مستقل عن فلسطين يمتد من صيدا جنوب لبنان، مروراً بالقنيطرة في سوريا وحتى الطفيلة في جنوب الأردن.

وطالب الأردنيون بمنع الهجرة اليهودية إلى المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة القادمة التي يرأسها أمير عربي.

وافق البريطانيون على المطالب الأردنية، بعد استثناء صور والقنيطرة، واشترطوا أن يكون الأمير عبد الله بن الحسين

أميراً “تحت التجربة” لمدة 6 أشهر، ليقرر مصير البلاد بعدها. كان الشرط لنجاح “التجربة” تمكّن الأمير من إحباط

الطموحات لإنشاء الدولة العربية الموحدة في بلاد الشام، والعمل على حماية حدود المشروع الاستعماري في

المنطقة والذي تمثله “إسرائيل”. وهو الدور الذي نجحت السلطة بأدائه، ما دفع السلطات البريطانية إلى إعادة

صياغة جغرافية الإمارة، بتوسيعها جنوباً حتى معان، واقتطاع أجزاء منها شرقاً (وادي السرحان) ومنحه للمملكة

السعودية، لنحصل على المملكة الأردنية بحدودها الحالية.

لم يتضمن المشروع الاستعماري الأصلي وتعديلاته التي طرأت بعد الهزائم العربية، واستسلام معظم الأنظمة الرسمية،

أي مكان لدولة فلسطينية أو عربية على الأراضي التي تسمّى تاريخياً فلسطين. ولم يطرأ جديد يدفع المشروع

الاستعماري – الصهيوني إلى قبول قيام دولة فلسطينية أو مملكة هاشمية على شبر واحد من الأراضي الواقعة غرب

نهر الأردن. من وجهة نظر هذا المشروع، المملكة الوحيدة التي يمكن أن تقام على هذه الأرض هي “مملكة إسرائيل”،

وهذا خيار نهائي لـ “إسرائيل” ومستوطنيها.

تضعنا هذه الحقيقة التي فرضتها “اسرائيل” بدعم من الولايات المتحدة، أمام خيارين:

–       الاستسلام، وهو خيار محور السلام والاعتدال العربي. على الرغم من الخلافات داخل هذا المحور على عمق العلاقة مع “إسرائيل”، تجمع الأطراف كافة على أن السلام والتطبيع خيارها النهائي غير القابل للتعديل أو التبديل. بالنسبة إلى الأردن، فقد قبل مرغماً بانتهاء فكرة حل الدولتين، والذي كان يحقق الحلم التاريخي للهاشميين باستعادة السلطة الدينية على المقدسات في فلسطين، بعد أن خسروا وللأبد سلطتهم على الأماكن المقدسة في الجزيرة العربية. كما أن تحقيق الوحدة مع الدولة الفلسطينية العتيدة سيمنح الأردن مكانة سياسية عالية، وتمنح العرش الهاشمي استقراراً نهائياً بصفته الضامن لمصالح أبناء المملكة “من شتى الأصول والمنابت”.

لم يعد هذا الطموح قابلاً للتحقيق بحكم الجغرافيا التي نتجت عن الاستيطان وقطعت أوصال الدولة الفلسطينية الموعودة، ولم يعد ممكناً سياسياً بعد موجة التطبيع التي قادتها الإمارات والبحرين ووصلت إلى المغرب والسودان، الذي استطاع العرش الهاشمي الحد من آثارها باصطفافه إلى جانب سلطة رام الله، وبفعل إنجازات معركة “سيف القدس”. لكن الموجة الدينية (الإبراهيمية) – الاقتصادية القادمة بقيادة السعودية أقوى من قدرة الأردن الرسمي على الصمود.

ما قاله علي الشهابي وقبله حسن اسميك، وما سيقوله من سيأتي بعدهما حتى تحين لحظة تنفيذ المشروع، لا يتجاوز تحريكاً للمياه الراكدة. لكن، ينبغي لنا أن نقف عند مصطلح “التوطين”، فالتوطين الجديد لا يتعلق بالجغرافيا، بمعنى نقل كتلة بشرية من مكان إلى مكان، إذ إن التوطين القادم سياسي – اقتصادي. بمعنى منح الفلسطينيين الجنسية الأردنية واعتبارهم جاليات أردنية في بلاد الاغتراب وبشكل خاص “إسرائيل” ولبنان، من دون تمتعهم بأي حقوق سياسية في بلدان الاغتراب.

أما في “وطنهم” الأم الأردن، فإن التعديلات الدستورية تضمن تقسيم السلطة بين الأردنيين مع احتفاظ العرش بمعظم السلطات السياسية والتنفيذية. وهذه الحالة ليست الأولى في التاريخ فقد حدث الأمر عينه للفلسطينيين الذين هجّروا في العام 1948، وذهب جزء منهم إلى دول الخليج للعمل، ليجدوا أنفسهم بعد ضم الضفة الغربية إلى الأردن مواطنين أردنيين في الاغتراب.

الخيار الثاني هو المقاومة، والمزيد من المقاومة، وهو حل ثبتت فعاليته في كل مرة لجأ إليه العرب، من الثورة السورية الكبرى عام 1925، وحتى معركة “سيف القدس”. خيار بالإمكان رؤية نجاحه بأم العين وأنت تتجول في شوارع دمشق أو طهران أو صنعاء، أو في محميات مارون الراس وبنت جبيل. لكن المقصود ليس المقاومة العسكرية وحدها، رغم أنها تحتل موقع الصدارة، لكن المقاومة الاقتصادية والسياسية والثقافية، لأنها تؤدي إلى توطين فكرة المقاومة في الوعي الشعبي بصفتها الخيار الأقل كلفة إذا ما قورنت بالاستسلام.

اقرأ المزيد: عبد اللهيان: طهران زادت نشاطها النووي السلمي رداً على السلوك الأميركي   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى