شؤون العدو

المفتاح الضائع

بقلم: المحامية موريا شلوموت – معاريف 

تحدث رئيس المعسكر الصهيوني آفي غباي مؤخرا فقال إنه في رؤياه يرى المستوطنات تبقى على حالها حتى بعد التسوية السلمية، وأضاف بأن افكارا من هذا النوع تدور في الميدان. لم يشر غباي الى تلك الافكار، ولهذا فقد أثار عليه معسكر السلام الذي يدعي منذ عقود بأن المستوطنات هي أحد العوائق الأساسية لتحقيق تسوية مصالحة اسرائيلية فلسطينية، وبدون اخلائها لن يكون ممكنا قيام دولة فلسطينية مستقلة وسيادية ذات تواصل اقليمي معقول يسمح بحياة دولة سليمة.

تخلق المستوطنات والمستوطنون الذين يسكنون فيها لدى الكثير من رفاقي ورفيقاتي في معسكر السلام الاحساس القاسي بأنه فضلا عن السلب والسطو المتواصلين، فانهما هما اللذان يؤديان الى المأزق السياسي – الامني الذي علقنا فيه: من جهة، لا يمكن مواصلة ادارة النزاع، ومن جهة اخرى، كيف سنخلي 400 ألف مستوطن يبذل ممثلوهم كل جهد مستطاع للاستيطان في قلوب التيار السياسي الأساس والحديث الى المجتمع الاسرائيلي عبر تقشير الباذنجان في “ماستر شيف”.

لقد اعتدنا على التفكير بأنه بدون اخلاء المستوطنات كلها لن نتمكن من التقدم نحو حل متفق عليه. لدي سبب وجيه للافتراض بأن غباي يعرف أنه يوجد حل واحد يسمح للاسرائيليين بالبقاء في نطاق الدولة الفلسطينية المستقبلية، وأنه حتى قبل تصريحه هذا كان قد اطلع عليه. لا يمكن أن نعرف اذا كان هذا الحل هو ما قصده غباي في اقواله، ولكن اذا لم يكن كذلك، فيجدر به أن يقصده.

قبل 17 سنة، حين كنت جزء من قيادة السلام الآن، عاد اهود باراك من كامب ديفيد وعلى لسانه بشرى قاسية: “لا يوجد مع من يمكن الحديث أو ما يمكن الحديث فيه”. لن أنسى كيف أنه بهراء لفظه سحب باراك من أيدينا المفتاح للحل وأحل في معسكر السلام وباء خطيرا من اليأس، سقط الكثيرون ضحايا له. فكرة الفصل، نحن هنا وهم هناك، تحولت مع السنين من أداة للبقاء الى ايديولوجيا حقيقية.

“دولتان، وطن واحد”، حركة سياسية فكرية اسرائيلية فلسطينية، وجدت المفتاح الضائع وهي تعرض على مواطني وسكان المجال كله فكرا يؤيد فكرة الدولتين انطلاقا من فكر الشراكة بدلا من الفصل. وحدها رؤيا تطرح دولتان مستقلتان وسياديتان – اسرائيل وفلسطين – تعيشان الواحدة الى جانب الاخرى في علاقات من الشراكة بينهما حدود مفتوحة تسمح بحرية الحركة، التجارة، العمل بل والسكن (الاقامة)، كفيلة بأن تهز من الأساس الوضع الراهن وتضمن سلاما دائما على مدى السنين وليس مجرد هدوء مؤقت بين حربين. رؤيا تضمن أن تبقى القدس موحدة عاصمة للدولتين هي رؤيا تنظر الى الواقع الجغرافي والديمغرافي في العينين دون أن تخافه. أما مشكلة اللاجئين الفلسطينيين فستلقى جوابا لها في اطار الدولة الفلسطينية، التي سيكون بوسعها أن توطن اللاجئين في نطاقها، وهم – مع أبناء وبنات المكان – سيتمكنون من التحرك في المجال، الوصول الى الاماكن المقدسة، الصلاة، الزيارة وخوض التجربة الكاملة للانتماء العميق لكل أجزاء البلاد.

أما الاسرائيليون، الذين نسميهم اليوم مستوطنين، فلن يتمكنوا إلا في هذه الوضعية، واذا كانت هذه ارادتهم، من البقاء في كل أجزاء البلاد. اولئك الذين يختارون البقاء والسكن قرب قبور الآباء في نابلس أو في الخليل، في شيلو أو في عصيون، سيتمكنون من عمل ذلك كسكان دولة فلسطين، تحت القانون الفلسطيني، تماما مثلما يمكن للفلسطينيين أن يسكنوا كسكان تحت القانون الاسرائيلي. لا يدور الحديث عن رؤيا ساذجة، بل العكس، هذه محاولة شجاعة للنظر الى الواقع دون التنكر له أو الكفاح ضده: دون تحريك الحدود، دون اخلاء مئات الآلاف قسرا من بيوتهم، دون ادارة ظهر المجن لاحساس الانتماء العميق لكل اجزاء البلاد ودون التنكر لحق تقرير المصير للشعبين. لقد قُيض لنا أن نعيش في المجال كدولتين، وقُيض لنا أن نعيش فيه معا. غباي مدعو لأن يتبنى كل الرؤيا وألا يكتفي بعناوين فارغة المضمون والسياق.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى