مقالات وآراء

المفاوضات الفلسطينية هدر للوقت

د. ظافر الخطيب – خاص طريق القدس

تشكل الحالة السياسية الفلسطينية  استعصاءا ممنوعا من الصرف لاعتبارات ذاتية محض فلسطينية تتأسس على الهيمنات و فقدان البوصلة الاساس بين فكرتي الدولة او التحرر الوطني، و خطاب عباس في مؤتمر فتح أكد ذلك الافتراق، إذ أنه أقام خطابه المطول على أن الدولة محققة(خلال أشهر قليلة)، وعليه يمكن فهم حركة اللقاءات المكوكية للقوى الفلسطينية من جنيف الى بيروت الى موسكو و المآل الذي ستؤل إليه نتائجها، مع ذلك لا يبدو المشهد قاتما رغم انه يوحي بذلك على مستوى المشهد السياسي، إذ لا يمكن القفز فوق تلك التضحيات التي يقدمها شبابنا في مقارعة الاحتلال حتى و لو كانت بقرار فردي نابع من إرادة فردية فلسطينية، اذ انها تمثل تصويبا للمسار، و تراكمها كفيل بخلق معطيات تعيد التحشيد الفلسطيني ضد العدو الواحد.

قدم لنا شهر كانون الثاني صورة واضحة بعناوين كبيرة تكفي قراءتها أن تجمل الحالة الفلسطينية و أزمتها العميقة التي لن تكفيها الاجتماعات الجامعة السابقة و اللاحقة، طالما أنها بقيت دون تلمس الجوهر الحقيقي للأزمة و التي تتركز بشكل رئيسي على أن هناك فريق فلسطيني أساسي ووازن انتقل شكلا و مضمونا من مرحلة التحرر الوطني الى مرحلة الدولة وهو ما يوجب تغيير الممارسات و الأفعال  من سياق مقارعة الإحتلال الى سياق بناء(الدولة) حتى ولو كانت بمقاس مدن الدولة (الضفة)٠

ففي شهر  كانون الثاني كنّا امام عناوين يمكن تسييلها وتحويلها الى رسائل واضحة تؤكد او توضح مسار الحالة الفلسطينية و درجة تأثيرها على حركة القضية الفلسطينية ، مثالا على ذلك:

  • استمرار الحكومة (الإسرائيلية) في سياساتها الإحتلالية.
  • نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب الى القدس
  • حركة المفاوضات الداخلية الفلسطينية التي كانت تخرج ببيانات تؤكد على الوحدة و أهميتها و تطالب بتشكيل حكومة (الوحدة الوطنية).
  • مؤتمر باريس(للسلام).
  • حركة الدهس التي نفذها شاب فلسطيني مقدسي .
  • احداث مخيم عين الحلوة او عاصمة الشتات و كعنوان نضالي مركزي يؤكد على حق العودة، وهي احداث تشي باستهداف حق العودة، كجزء رئيسي من أي حل للقضية الفلسطينية

يمكن اعادة ترتيب ما تقدم في صورة تحدد الارض التي يقف عليها الشعب الفلسطيني، و التي يمكن تحديدها على الشكل التالي :

استمرار الانقسام الفلسطيني و الفشل في صياغة برنامج سياسي موحد هدفه الاساس تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الحقيقية ذات السيادة و عودة اللاجئين الفلسطينيين الى الاراضي التي هجروا منها، وعليه فإن أي حديث عن اعادة بناء منظمة التحرير لا يمكن أن يكون تعبيرا جديا ومسؤولا ما لم يمر أولا من بوابة البرنامج السياسي. و عليه يصير السؤال حول جدية ابو مازن ومعه حركة فتح او التيار المهيمن فيها في الذهاب بعيدا في مسالة الوحدة، وهو سؤال مطروح ايضا على حركة حماس بنفس الدرجة من القوة و الجدية.

تعتقد الحكومة الإسرائيلية ان الظروف الحالية هي ظروف مثالية لها، فالقضية الفلسطينية متروكة دوليا و الحاضنة العربية تتحول الى حاضنة لإسرائيل مع تهافت الخليج و دول عربية اخرى للتحالف الضمني معها، وعليه فإنها تتحرك بحرية في تطبيق برنامجها الاستيطاني و في تغيير الشروط الميدانية بما يؤدي الى استحالة قيام دولة فلسطينية

إن  صخب اللقاءات الفلسطينية حول استعادة (الوحدة الوطنية الفلسطينية)،هو عملية غير مجدية و بالعكس فإنها تزيد الشرخ بين القيادات الفلسطينية على اختلاف مشاربها و بيت المستوى الشعبي، هذه اللقاءات تعيد تكرار نفس الخطاب، طالما أنها لم تنتقل الى مستوى التنفيذ الميداني، و هناك الكثير من الشكوك تحيط بها.

فهناك على المستوى الاول المشروع السياسي الموحد و البرنامج السياسي الجامع، خاصة في  ظل حيثية الصراع مع العدو، وهناك في المستوى الثاني الاتفاق على أدوات الصراع،  هل يمكن الجمع بين الفريق الذي بات يرفض الكفاح المسلح و يرتبط بعلاقات أمنية مع اجهزة استخبارات العالم ضمن ما يسمى بمحاربة الاٍرهاب، وبين الفريق الذي يؤمن بالمقاومة وسيلة رئيسية وقبل  هذا وذاك الاتفاق على سمة النضال الوطني الفلسطيني، هل نحن في مرحلة الدولة وفق مفهوم ابو مازن ام مرحلة تحرر وطني، ثم أي منظمة تحرير نريد، هل هي منظمة تعيد توحيد الكل الفلسطيني بعد أن طاله التفتيت و التقسيم درجة التحول عن القضية الرئيسية باتجاه قضايا محلة تخص كل تجمع، و اخيراً و ليس آخراً هل انتهت تلك المؤثرات الدولية و الإقليمية المانعة للوحدة الوطنية الفلسطينية بحيث صارت الظروف الموضوعية تسمح باستعادة او تحقيق الوحدة الفلسطينية.

في القدس، شاب فلسطيني يكتب لأولاده الثلاثة وصيته ( اعرف أنك ستبحثون ليلا عن مداعباتي قبل النوم و تصبحون كل يوم في حالة الفقدان الدائم…)، ثم ينطلق في عمليته، بشاحنته التي كانت مصدر رزقه وعائلته، فادي قنبر الأسير المحرر يقرر قراره بإرادة حرة، يعبر بشاحنته فوق اجساد الجنود و المجندات، ليكتب بيانه السياسي بدمه، القدس و فلسطين و العدو الوجودي الذي لا يفهم الا لغة واحدة هي لغة المقاومة.

بين قيمة هدر الوقت او استثماره فارق شاسع، هو تمام الفرق بين خطاب شهيد الدهس المقدسي فادي قنبر و اللغة الممجوجة للمتحاورين من جنيف الى بيروت و موسكو، وهو ما يؤدي الى استخلاص واحد و أكيد بأن الوحدة لا تكون فقط بين قوى تتفاوض لاقتسام قالب الجاتو، بل هي الوحدة التي تعبر عن طموحات الناس التي مثلها فادي قنبر و اخرين يمارسون فعل الاشتباك اليومي مع العدو في كل جبهات القتال، الوحدة التي تعيد اللحمة بين أبناء الشعب الفلسطيني، كل الشعب الفلسطيني و يشمل ذلك فلسطينيي ال٤٨ و اللجوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى