فلسطين

المؤسَّسات الفلسطينية السبع: مستمرّون رغم الإغلاق

تواصل مؤسَّسات المجتمع المدني الفلسطينية الحشد ضد سياسات الاحتلال التعسفية بحق المؤسّسات السبع المغلقة

لليوم التاسع على التوالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي والدولي، وعقد الندوات والاجتماعات مع سفراء

دول العالم وقناصلها، والضغط على المجتمع الدولي ومنصاته القانونية لإلغاء قرار الإغلاق.

وأعلنت دائرة حقوق الإنسان والمجتمع المدني في منظمة التحرير، في مدينة رام الله فتح مكاتبها لتكون مقرات للمؤسسات

السبع التي أغلقها الاحتلال، وعبّرت أكثر من 160 منظمة فلسطينية وإقليمية ودولية عن تضامنها الكامل مع المؤسسات،

وطالبت بإلغاء القرار التعسفي.

وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت صباح يوم الخميس 18 آب/أغسطس 2022 مدينة رام الله، وداهمت مكاتب ومقرات

مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية السبع التي صنفها الاحتلال مؤسسات “إرهابية”، وقامت بمصادرة وسرقة

ممتلكات المؤسسات من أوراق وملفات وأجهزة إلكترونية، وأغلقتها بأمر عسكري إسرائيلي.

وشملت هذه المؤسسات مؤسسة “الحق”، ومؤسسة “الضمير”، ومركز “بيسان” للبحوث والإنماء، والحركة العالمية

للدفاع عن الأطفال فرع فلسطين، واتحاد لجان المرأة، واتحاد لجان العمل الصحي، واتحاد لجان العمل الزراعي.

وفي وقت سابق، أعلنت حكومة الاحتلال في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2021 تصنيف 6 مؤسسات مجتمع مدني فلسطينية بالإرهاب. ولاحقاً، جرى تصنيف لجان العمل الصحي ضمن القائمة، مستندين إلى قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي عام 2016، وتزامن ذلك مع إعلان وزير أمن الاحتلال بيني غانتس، يوم الأربعاء 17 آب/أغسطس، تصنيف 3 مؤسسات فلسطينية بأنها “إرهابية” بشكل دائم.

المرأة والأطفال في مرمى الاحتلال وسياساته

يواجه اتحاد لجان المرأة الفلسطينية منذ عشرات السنوات حملة اعتداءات من قِبل جيش الاحتلال ومخابراته، إذ تعرضت مكاتب الاتحاد لاقتحامات عدة وسرقة ومصادرة للملفات، وكذلك تلقّى عدد من الموظفات والمتطوعات في الاتحاد أوامر بالاستدعاء والتحقيق في مراكز مخابرات الاحتلال “الشاباك”، وتعرّضن للتهديد بالاعتقال وملاحقة أفراد عائلاتهن.

يعمل اتحاد لجان المرأة الفلسطينية منذ أكثر من 40 عاماً في المناطق المصنفة “جيم” بحسب اتفاقية أوسلو والمناطق

الأكثر فقراً وتهميشاً، ويستهدف النساء والأطفال عبر برامج عدة، أبرزها برنامج الطفولة المبكرة الذي يضم 40 موقعاً لرياض

الأطفال، ويخرّج 1000 طفل سنوياً.

أما البرامج الخاصة بالنساء، فيتخلّلها برنامج التوعية، والتمكين الاقتصادي، والدعم النفسي والقانوني، والمشاركة

السياسية. ويعمل الاتحاد بشكل متواصل للضغط على الحكومة الفلسطينية والمؤسسات النسوية لإقرار قوانين خاصة

بحقوق النساء في فلسطين.

بدورها، تقول الموظّفة في اتحاد لجان المرأة الفلسطينية تحرير جابر للميادين نت إنّ عدد النساء المستفيدات من

برنامج الدعم النفسي والقانوني وصل إلى 2000 امرأة فلسطينية سنوياً، وإن الاتحاد وفّر 160 فرصة عمل للنساء

المنخرطات في برامجه، وتضيف: “في حال لم يستمرّ العمل عبر البرامج والمساحة الخاصة بالاتحاد، سوف تفقد

النساء المستفيدات فرص العمل”.

وتؤكد جابر أن “الاتحاد مستمرّ من أجل إيصال الخدمات للنساء والأطفال، رغم الإغلاق والتهديدات المتواصلة بالاعتقال”.

وكانت جابر قد تعرَّضت للاستدعاء من أجل مقابلة جهاز المخابرات الإسرائيلي في اليوم ذاته الَّذي أغلقت فيه

المؤسسات. وخلال المقابلة، تعرضت للتهديد بالاعتقال وباستهداف عائلتها في حال استمر عملها في الاتحاد.

وتعدّ الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في فلسطين التي جرها إغلاق مكتبها جزءاً من الائتلاف الدولي للحركة التي

تضم 50 فرعاً في جميع أنحاء العالم، وتسترشد في عملها باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل والمعايير الدولية

والإقليمية والمحلية. وتتمتع الحركة بصفة استشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة،

ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، والمجلس

الأوروبي.

ويقول نائب رئيس الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال المحامي خالد قزمار للميادين نت إنَّ الحركة تعمل منذ عام 1991

على تقديم الدعم للأطفال الفلسطينين ومناصرة حقوقهم، من خلال التحقيق في الانتهاكات التي يتعرضون لها في الضفة وقطاع غزة وتوثيقها وعرضها أمام المجتمع الدولي.

ويضيف أنَّ الحركة تسعى من أجل حفظ الحقوق الأساسية للأطفال في فلسطين، مثل الحقّ في التعليم في المناطق المهددة بالمصادرة من قِبل الاستيطان، والحقّ في العلاج، وتحديداً في قطاع غزة الذي يعاني أزمة في القطاع الصحي، ويضيف بأنَّ عشرات الأطفال فقدوا حياتهم نتيجة عدم توفير العلاج لهم.

ويؤكّد أنَّ عمل الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال الذي يستند إلى القانون الدولي، وبالشراكة مع الجهات الدولية، هو في تأثير مستمر وواضح على المستوى الدولي، ما أقلق “إسرائيل” وأثار مخاوفها.

وتتعرض الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال منذ 10 أعوام للهجوم من قِبل مؤسسات إسرائيلية يمينية مقربة من أجهزة

أمن الاحتلال، ولكنها فشلت في تحقيق أهدافها وثني الحركة عن عملها.

وقد رفع اتحاد لجان العمل الزراعي شعار “نحمي أرضنا وننصر فلاحينا” منذ عام 1986 إلى يومنا هذا. ويستهدف العمل

الزراعي ضمن برامجه صغار المزارعين والمنتجين البيتيين في المناطق الريفية والمناطق “جيم”، وأيضاً الصيادين في

قطاع غزة، ويصبو من خلال ذلك إلى تعزيز سيادة الفلسطيني على موارده الطبيعية وحماية حقوق المزارعين.

بدوره، يقول مدير دائرة الضغط والمناصرة في اتحاد لجان العمل الزراعي مؤيد بشارات للميادين نت إنَّ اتحاد لجان العمل

الزراعي يعمل على خدمة المزارع الفلسطيني في عدة مناطق، وخصوصاً الأراضي الفلسطيني المصنّفة جيم بحسب

اتفاقية أوسلو، والتي تقدر نسبتها 95%، في حين يبتلع الاستيطان من المساحة ذاتها 45%. ويضيف أنَّ عدد المزارعين

والصيادين المستفيدين من لجان العمل الزراعي بلغ 20 ألفاً.

ويشير إلى أنَّ الاتحاد يتعرَّض لحملة ممنهجة من الاعتداءات. وقد ساهم الإعلام العبري في ضخ معلومات تحريضية تجاه

المؤسسة، ووصف عملها بالصندوق القومي الفلسطيني بصفة الاتحاد يقطع الطريق أمام الامتداد الاستيطاني ويخدم

المزارع الفلسطيني.

ويؤكد أنَّ “المزارع الفلسطيني لن يكون مكشوف الظهر أمام الاستيطان وممارسات الاحتلال”، ولفت إلى أن عمل

المؤسسة لن يتوقف، وإن تم إغلاق مقرها، قائلاً: “نحن مستمرون بدورنا الوطني، والمقر أداة، وليس هدفاً. بإمكاننا

العمل في خيمة في الأغوار الفلسطينية، وكذلك في منطقة قصرا في نابلس أو في منشأة زراعية في مسافر يطا”.

عزل مؤسَّسات المجتمع المدني وثنيها عن عملها الحقوقي

ويعدّ مركز “بيسان” للبحوث والإنماء إحدى مؤسَّسات المجتمع المدني الَّتي تمّ إغلاقها. تأسَّس المركز عام 1989، وهو

يعنى بالبحث العلمي وإنتاج المعرفة، ويصبو إلى تحقيق العدالة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الصحية،

وإلى تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، ويستقطب المنظمات الشبابية والمؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المحلي

ضمن مشاريعه.

وقد تعرَّض مركز “بيسان” عام 2021 لاقتحام من قِبل الجيش الإسرائيلي، وسُرقت أوراق وملفات وأجهزة منه. وفي تشرين

الأول/أكتوبر من العام نفسه، تعرَّض المدير التنفيذي لمركز “بيسان” أُبي العابوي للانتهاك واختراق هاتفته المحمول من

قِبل جهاز “بيغاسوس” الإسرائيلي للتجسس، والعابودي واحد من بين 6 ناشطين وعاملين في المجال الحقوقي في

فلسطين تعرَّضت هواتفهم للاختراق والتجسس.

ويقول العابودي للميادين نت إنَّ الهدف من إغلاق المؤسّسات السبع يأتي في إطار السيطرة الكاملة على المجتمع

الفلسطيني وعرقلة عمل مؤسسات المجتمع المدني. ويتزامن الإغلاق مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية

وصعود اليمين في المجتمع الإسرائيلي، مضيفاً أنَّ غياب المحاسبة الدولية جعل “إسرائيل” تعتقد أنّ الخطوة قد تمرّ.

تعدّ مؤسَّسة “الضمير” لرعاية الأسير وحقوق الإنسان إحدى المؤسّسات الأهلية الفلسطينية المستقلة. تأسّست عام

1991، وهي تعنى بحقوق الإنسان ودعم الأسرى ومناهضة التعذيب، وتقدم برنامج الدعم القانوني والضغط والمناصرة

وبرنامج الدراسات والتوثيق.

الضمير

و”الضمير” عضو في شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، ومجلس منظمات حقوق الإنسان، والشبكة العالمية لمناهضة

التعذيب، والائتلاف من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، والائتلاف الدولي لمناهضة سياسة العزل.

بدورها، تقول مديرة مؤسسة “الضمير” لرعاية الأسير وحقوق الإنسان سحر فرنسيس للميادين نت إنَّ الهجمة التي

يتعرَّض لها “الضمير” منذ سنوات استهدفت المؤسَّسة والأفراد العاملين فيها، وكذلك الممولين، وتعرضت المؤسسات

لاقتحامات سابقة خلال عامي 2012 و2019، وجرت مصادرة الأجهزة الإلكترونية وملفات المؤسسات وسرقتها.

وتشير إلى أنَّ استهداف المؤسسات له أثر في حقوق الإنسان، ويؤثر في مساءلة “إسرائيل” ومحاسبتها أمام محكمة

الجنايات الدولية، وتؤكد أنَّ المؤسسات التي تم إغلاقها تعقد المؤتمرات والحملات الإعلامية، وتقوم بالحشد الإعلامي

على عدة مستويات لإيقاف سياسة الاحتلال.

وتعدّ مؤسّسة “الحق” إحدى الجمعيات الفلسطينية غير الحكومية والمستقلة التي جرى إغلاقها. تأسَّست المؤسسة

عام 1979 من قِبل مجموعة من المحامين الفلسطينيين، وهي تسعى لتوطيد مبدأ سيادة القانون وتعزيز صون حقوق

الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتتمتّع بالصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي في الأمم

المتحدة، وعضوية الشبكة اليورومتوسطية لحقوق الإنسان، والمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، والتحالف الدولي

للموئل، وهي فرع لجنة “الحقوقيين الدوليين – جنيف”، وعضو شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية.

الحق

يتمحور عمل “الحقّ” على رصد انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتوثيقها ومتابعتها ونشر التوعية بمخاطرها وآثارها، والعمل على تقديم مرتكبي الجرائم الدولية أمام القضاء الدولي والمحلي.

ويقول المدير العام لمؤسّسة “الحق” شعوان جبارين للميادين نت إنَّ المؤسسة عملت لسنوات طويلة من أجل تثبيت مبادئ العدالة وحقوق الإنسان بالشراكة مع المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية والمحلية، وأظهرت زيف “إسرائيل” وكشفت وجهها الحقيقي أمام المجتمع الدولي.

ويؤكد أنَّ المؤسَّسة لم تحصل على ترخيصها من حكومة الاحتلال أو من قائد عسكري، وهي مستمرة في مناصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه بالتعاون مع المحكمة الجائية.

ويضيف أنَّ هناك ردود فعل عالمية وأوروبية تسند المؤسسات السبع وتقف إلى جانبها ضد سياسة التصنيف والإغلاق،

ويردف: “بعد إغلاق مؤسّسة الحق، توجّه 18 سفيراً وقنصلاً عاماً من عدة دول إلى مقر المؤسَّسة، وهو رد فعل واضح و

صريح بأنّ إسرائيل فشلت في الترويج لروايتها الزائفة”.

وكان جبارين قد تلقّى اتصالاً هاتفياً صباح يوم الأحد المنصرم من جهاز المخابرات الإسرائيلي، وتعرَّض خلال المكالمة

الهاتفية للتهديد بالاعتقال في حال استمرّ عمل المؤسسة.

تنتهج سلطات الاحتلال سياسات ممنهجة تستند إلى القانون الإسرائيلي والمحاكم العسكرية. وبذلك، تتخذ غطاءً قانونياً،

وتشرعن من خلاله أفعالها التي تنتهك القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأتي

خطوة إغلاق المؤسَّسات السبع في محاولةٍ لإسكات صوت الحق الفلسطيني وإلغاء وجوده في الساحة الدولية والعالمية

لتمرير الأوراق الاستيطانية الاستعمارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى