الأخبارمقالات وآراء

اللاجئون الفلسطينيون وأثار أوسلو هل تتناقض الحقوق والخدمات مع التطلعات الوطنية؟

محمد بهلول- لبنان – خاص طريق القدس

هل تنحصر التأثيرات سواء كانت ايجابية أو سلبية لاتفاق اوسلو بسكان المناطق المحتلة, ام تتغلغل الى البنية الاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين ولا سيما خارج ارض فلسطين لتكوّن التأثيرات الاوضح والاكثر عمقاً.
العديد من المتابعين ومعهم غالبية القيادات الفلسطينية والنخب الاعلامية عادة ما تحصر دعوتها الى انتفاضة ثالثة – منتظرة- بسكان المناطق المحتلة حصراٍ, وهو ما يعني تبنيا وان بشكل مستتر لخروج اللاجئين الفلسطينيين في الخارج عن مضمون واليات المشروع الوطني الفلسطيني وانحسار دورهم بالتضامن والدعم الوجداني والعاطفي.
الموضوع الذي يشكل نقلة نوعية في تقدم او تراجع المضي في تحقيق انجازات جدية في موضوع الحقوق والتطلعات الوطنية للفلسطينيين, هو ذلك السؤال المتعلق بالعلاقة ما بين ” الوطني” و ” الديمقراطي” , بين المصالح الاستراتيجية الوطنية والمصالح التكتيكية اليومية. الاجابة على هذا السؤال وان اختلفت بحكم الخلفيات بين القوى السياسية والنخب الاعلامية والثقافية, الا انها لم تأخذ مداها الحقيقي رغم محوريتها وعجزت عن تقديم اجابات شافية عن الكثير من الاسئلة الاخرى ذات الصلة, ما هو متعلق بالاولويات بحسب كل جغرافية فلسطينية, والتأثير المتبادل ما بين الجغرافيات المتعددة, وسائل تأطير واستنهاض الناس, اشكال واساليب النضال…. الخ.
الحديث الدائم عن الاستراتيجيات الفلسطينية ما لم يقدم اجابة شافية ومتفق عليها على هذا “الموضوع, تتجاوز العصف الذهني الى الاداء الجماعي, يبقيها معرضة للاهتزاز والتبدل الدائم على ايقاع احداث الاقليم.
اللاجئون الفلسطينيون في لبنان باتوا اشبه بـ ” فلادمير” , و ” استراغون” شخصيات مسرحية صاموئيل بيكيت ” انتظارغودو”, اصبح اللاجئون قابعين بدون اي فعالية بانتظار فرج يأتي.
“غودو” الفلسطيني اي “حق العودة” راسخ في الوجدان والعاطفة الفلسطينية , ولكن العقل الفلسطيني لم يستطع استثمار هذا الكنز وترجمته اداءً مقنعا مما ولد حالة احباط عارمة, لا يسعف الكلام العلني الرسمي والشعبي عن التمسك بحق العودة عن اخفاء الحقيقة المرة والموجعة والتي تملأ الغرف المغلقة وعلى المستويات كافة رسمية وشعبية ضجيجا” وهمساً عن سراب الانتظار وموضوعية البحث عن الحل الفردي.
ما يؤذن الى الاعلان الفج عن هذه الحقيقة المرة, ان الاساس الموضوعي لها ينبت وينمو امامنا وبيننا بوضوح ودون اكتراث, بل والبعض الفلسطيني في مواقع المسؤولية الرسمية والمعنوية يساهم بوضوح وان بحسن نوايا او سوء تقدير في نمو هذا الاساس.
الفصل الميكانيكي ما بين التطلعات الوطنية والحقوق الانسانية والخدمات الاساسية هو من اوجد هذا الاساس, والاسهام الفلسطيني وان عن حسن نوايا واضحة او عن اصرار وتعمد سياسي ادى لولادة فكرة المقايضة ما بين الحقوق الوطنية “العودة” والحقوق الانسانية والاجتماعية والخدمات, ما يسمعه العشرات من الموفدين الاجانب واخرهم السيدة سيغريدا كاغ ممثلة الامين العام للامم المتحدة في لبنان من ممثلين سياسيين وشعبيين عن اللاجئين في لبنان على ان البديل عن تحسين الخدمات وتأمين الحقوق هو”اعادتنا الى فلسطين ” او عن الحملات الاعلامية التي تقايض بين الخدمات او الذهاب الى الاعتصام على الحدود الفلسطينية-اللبنانية.
ان هذا الكلام الذي يتكررعلى لسان الغالبية الساحقة من القيادات السياسية والفصائلية والنخب الشعبية والمجتمعية منذ اتفاق اوسلو, ان عدم تحسين الخدمات سيجبرنا الى الانطلاق الى الحدود والاعلان عن ايذان البدء بمعركة العودة. وكأن اللاجئون يقدمون اعترافاً مسبقا ومسجلاً في ظل العولمة التكنولوجية وثورة الاتصالات “عن الاستعداد للمقايضة الفعلية ما بين الحقوق الاجتماعية وتحسين الخدمات الضرورية الاساسية اوالانتظار الدائم”دون فعل وتأثير” لـ ” حق العودة”
لا شك ان تفاهمات اوسلو الاول (1993) توقفت امام معضلة اللاجئين بعيداً عن اي اوهام اخرى, وان اعادة احياء اوسلو باتت بحاجة ماسة الى ايجاد حل ما لقضية اللاجئين وهو ما يدعو افتراضا الى اوسلو “2” الذي يقوم اساسه على عناوين تحسين الخدمات الانسانية والمعيشية وتلبية الحقوق الانسانية كبداية لحل التوطين اوالهجرة اوكليهما معا .
امام الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية تسلل التمويل الغربي الذي احدث تغيرا نوعيا في الوعي والاداء الجماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان ولاسيما من خلال تجزيء قضايا الفئات الاجتماعية الفلسطينية “قضايا المرأة”- الشباب-كبار السن”الخ. ووضع رزمة حلول لها في اطار فك ارتباطها بالهموم العامة ولا سيما التطلعات الوطنية.
لقد جاء التمويل الغربي في لحظة تبدلات نوعية على الصعيد الوطني والمجتمعي للاجئين الفلسطينيين لعل ابرزه انهاء الحالة العسكرية والامنية الفلسطينية في لبنان ” نتائج اتفاق الطائف” مع ما افرزته من تراجع اقتصادي عام على اللاجئين في لبنان وانسجام قوى سياسية وفصائلية فلسطينية مؤثرة مع الجو التسووي العام في المنطقة ” مؤتمر مدريد” ولا حقا ” اوسلو” , وتأثيره على انهيار التماسك الجماعي ” اهداف و دور” لصالح البحث عن حلول فردية , بحيث بات ثلثا المجتمع الفلسطيني في لبنان مهاجرين والباقون مشاريع مهاجرين.
لم يقدم الاداء الفلسطيني سواء من القوى المؤيدة ل”اوسلو” او المعارضة له اي اجابات جدية او اداء مقنع لجمهور اللاجئين في اي من القضايا الوطنية , سيما اشعاره بان مستقبله مطروح على الاجندة, او تأمين دور له في اطار النضال الوطني, ان الحالة التي يعيشها اللاجئون في لبنان يمكن تلخيصها بانهم محرومون من العودة وفي ذات الوقت محرومين من النضال في سبيلها, او في اي من الملفات الحقوقية اوالخدماتية الا من خلال العمل على المناشدة والتمنيات في اطار نظرية العلاقات العامة المقتصرة على لقاءات النخب.
اللاجئون في لبنان باتوا في حالة احباط عامة ليس بفعل استحالة تحقيق الاهداف بل وايضا بفعل عدم الايمان بالاداء او الاقتناع بانه قادر على الوصول الى اي نتائج ولو متواضعة.
تتسلل في هذه الايام بكثافة , العديد من المؤسسات التمويلية الغربية, البعض منها بعنوان رسمي والاخر تحت عناوين انسانية تستهدف ملفات خدمات من المفترض انها في اطار مهمات الاونروا, والملاحظ ان المانحين يغدقون على دعم هذه المؤسسات وتمويلها الوافر ويتباخلون عن اسهامهم في اطار موازنة الانروا, مما يحول الشكوك والمخاوف لدى اللاجئين الى يقين حول حقيقة الاهداف الداعية الى شطب مؤسسة الانروا واستبدالها بعدة مراكز اشراف على الخدمات. اللاجئون ينظرون الى الانروا باعتبارها عنوان وحدة قضية اللاجئين في الاقطار الخمسة, و يتخوفون بان ما يجرى على ارض الواقع هو تجزيء لقضيتهم وتحويلها الى مجموعات متناثرة يسهل التعامل معها وفق كل خصوصية على حده, في اسقاط لتجزيء الشعب بقضيته الوطنية العامة الى مجموعة قضايا منعزلة تخص كل فئة اجتماعية على حدة.
ان التعامل مع الملفات الحقوقية والخدماتية في اطار المناشدة والتمنيات وفي اطار العناوين الفرعية ك” الانروا” مثلا بمعزل عن الدول المانحة, او جهة حزبية بعينها بمعزل عن حكومة الدول المضيفة, هو تعبير عن فك ارتباط القضايا الحقوقية والخدماتية عن التطلعات الوطنية.
ان الربط بين الحقوق والخدمات مع التطلعات الوطنية يقوم على اساس توضيح حقيقة الاستهداف وتحديد الجهات المعنية بمصدره والاعتماد على اليات الضغط والتأثير الشعبي, كالمطالبة بالخدمات من قبل الانروا من خلال توجيه البوصلة نحو الدول المانحة اي الدول الكبرى ومن خلال اليات الضغط والتأثير التي ترتقى بالتدريج بالاهداف من تحسين الخدمات وزيادة الاسهام في موازنة الانروا وصولاً الى الضغط على دولة الكيان لاجبارها بالخضوع لقرارات الشرعية الدولية, في هذا الاطار تصبح الانتفاضة الثالثة المنتظرة ليست حكراً على جغرافية فلسطينية بل تمتد الى سائر الشعب الفلسطيني في كل اماكن تواجده وفق خصوصيات في المطالب والاهداف وتميز بالاساليب والاشكال وفق القدرات والامكانيات.
اي خطوات اجتزائية وحصرية انما تعني فك الارتباط ما بين الوطني والحقوقي وتسهل عملية تصفية قضية اللاجئين. وهذا ما يريده اوسلو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى