الأخبارمقالات وآراء

القومية الدينية تريد إعادة تصميم المجتمع “الإسرائيلي”

حلمي موسى

من الوجهة الظاهرية تبدو الدولة العبرية شديدة التجانس والاتحاد وقادرة على حل كل مشاكلها مقارنة بما يحدث في محيطها العربي. ومن المؤكد أن ثمة فارقاً جوهرياً بين ما يحدث في أغلب المناطق العربية وما يحدث في إسرائيل، خصوصاً في العلاقة بين الدولة والفرد. ومع ذلك هناك أوجه شبه تزداد اتضاحاً مع مرور الوقت، خصوصاً لجهة العجز عن إيجاد حلول طويلة الأمد لمشاكل موضوعية قائمة في المجتمع. ومعروف أن إسرائيل، أكثر من سواها من دول العالم، تعاني من وجود تناقضات وخلافات داخلية وعلى أكثر من صعيد.

فالجمهور الإسرائيلي هو جمهور مهاجر قادم من طيف واسع من الدول متباينة الثقافات والميول والاتجاهات. ورغم مرور أكثر من مئة عام على الفكرة الصهيونية وحوالي 70 عاماً على إنشاء الدولة فإن بوتقة الانصهار الصهيونية لم تفلح في القضاء، مثلاً، على الفارق بين الأشكناز والسفارديم ولم تردم الهوة بينهما. وبدا دليل ذلك واضحاً مؤخراً في تقبّل وزير التعليم نفتالي بينت توصيات لجنة تعزيز تراث يهود الشرق والأندلس والتي في مقدمتها الإقرار بالاختلاف وبالظلم الذي لحق بهم في الدولة العبرية.

ومعروف أن الهوة بين الأشكناز والسفارديم أنشأت أحزاباً وحركات قطاعية، مثل حركة شاس، لم تساعد في ردم الهوة بل أسهمت في توسيعها. ولكن هذه الهوة، القائمة على أساس ثقافي، كانت أضعف من أن تفجّر المجتمع الإسرائيلي خصوصاً أنه كانت هناك على الدوام متنفسات تحول دون ذلك. وهذا ليس الحال في الخلاف بين دعاة الفاشية وأنصار الديموقراطية في الدولة العبرية. فطبيعة المجتمع الصهيوني، المرتكز إلى أيديولوجية قومية متعصّبة، صبغت حتى أنصار الديموقراطية بألوان فاشية كانت تظهر جلياً في زمن النزاعات والحروب والانتفاضات. وهذا شجّع على تنامي دعاة الفاشية الذين وجدوا في فلسطينيي الداخل مسرحاً جيداً لعملياتهم فمارسوا ضدهم صنوفاً مختلفة من التمييز والملاحقة.

وكان جلياً أن الفاشية في إسرائيل تستند إلى بعدين هامين: القومي والديني. وتقريباً ليست هناك ديانة في العالم سوى اليهودية تحاول ادعاء أساس قومي للمؤمنين بها. وقد نشأت الفكرة الصهيونية أساساً على قاعدة هذا الادعاء الذي حاول تكوين قاسم مشترك يرى في الدين عرقاً وقومية. وهذا ما قاد إلى ولادة الصهيونية الدينية التي واجهت في البداية معارضة شديدة من جانب التيارات الحريدية، لكن سرعان ما اكتست هي الأخرى بطابع حريدي.

والمفارقة الكبرى في المشروع الصهيوني تتمثل في أن واضعي أسسه الفكرية كانوا علمانيين استندوا إلى روايات توراتية سلفية. وقد غذّى هؤلاء جوهرياً نشوء ما يمكن اعتباره ديانة يهودية جديدة، تحيي أقدم ما في التقاليد اليهودية وتضفي عليها لباس الحداثة والتقدم. وهكذا خلال عقود قليلة نسبياً شهدت الحركة الصهيونية انتقالات جوهرية من حال إلى آخر. في البداية كانت الصهيونية العمومية، فكر زئيف هرتسل وأمثال حاييم وايزمن، لتحل مكانها الصهيونية العمالية بقيادة أمثال دافيد بن غوريون، لتتبعها الصهيونية القومية من مدرسة جابوتينسكي بزعامة مناحيم بيغين لتصل إلى صورتها الحالية كخليط من الصهيونية القومية والدينية.

واليوم ، أكثر من أي وقت مضى، ينشب صراع بين مكوّني الحالة الراهنة، القوميين العلمانيين والدينيين. فالصهيونية الدينية بوجهها الأصولي صارت في نظر الكثيرين داخل الدولة العبرية أشبه بوحش ينتظر الانطلاق لافتراس كل ما يجد في طريقه. وإذا كانت التيارات الحريدية في الماضي قادرة على التعايش مع الواقع الصهيوني شرط أن يوفر لها هذا الواقع فرصة العيش في غيتوات على شكل مدنٍ وأحياء خاصة، فإن الصهيونية الدينية الجديدة تطمح للسيطرة على المجتمع.

وهناك مَن يرى أن الاستيطان بوجهه اليميني لعب الدور الأبرز في إحداث نقلة نوعية في طليعة المجتمع الإسرائيلي. ومعروف أن بوتقة الانصهار في هذا المجتمع كانت ولا تزال الجيش، فإن راية الطليعية فيه تنتقل بشكل واضح من أبناء الكيبوتسات إلى أبناء المستوطنات. ورغم المدى الزمني المحدود نسبياً، أقل من ثلاثين عاماً، فإن الإعداديات العسكرية الدينية في المستوطنات صارت تلعب دوراً بارزاً في تأهيل المقاتلين والقادة العسكريين. وهذا ما شجع حاخامات هذا التيار على إعلان رغباتهم وتطلعاتهم بشكل أوضح. وهذا هو التفسير الواضح للصراع الذي نشب مؤخراً حول تعيين الحاخام إيال كريم رئيساً للحاخامية العسكرية وخطاب الحاخام ليفنشتاين الذي حمل فيه ليس فقط على العلمانيين والعرب وإنما أيضاً على قيادة الجيش والمجتمع. وهذا أقرب إلى منطق التكفير الذي حكم بعض الجماعات الإسلامية في منطقتنا العربية.

ورغم أن أياً من الحاخامات لم يُصدر فتاوى خاصة به وإنما كان يكرّر ويُعيد صياغة فتاوى وشرائع قديمة فإن البعض حاول أن يوضح أن هذه ليست روح اليهودية. وفي نظر هؤلاء اليهودية لا يمكن أن تبيح اغتصاب نساء العدو في زمن الحرب ولا قتل الجرحى وأشياء من هذا القبيل. لكن الحقيقة هي أن هذه الفتاوى كانت على الدوام جزءاً من التراث اليهودي ما يجعل القائلين بها غير شواذ ولا «أعشاب ضارة»، كما يحلو للبعض وصفهم. إن الصهيونية الدينية الجديدة (الحريدية القومية) تريد إعادة تصميم المجتمع الإسرائيلي من خلال السيطرة على الجيش.

وهذا ما دفع بميخائيل في «هآرتس» قبل أيام للتحذير من الوجهة المقبلة للأحداث في إسرائيل بالقول: «وهكذا نعود وتثبت حقيقة تاريخية مقلقة: أعط الدين المجال للسيطرة، واعطه جيشاً، وستحصل على وحش».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى