مقالات وآراء

القصة الكاملة لآخر “ملوك إسرائيل”.. كيف ساهمت المقاومة في سقوط نتنياهو؟

في عام 2009 صعد بنيامين نتنياهو إلى الحكم مرة أخرى، كانت الظروف في حينها قد أتاحت له كجنرال أن يحكم “إسرائيل”. هزيمة في غزة وأخرى في لبنان أشد، وانتفاضة امتدت لأربع سنوات حملت معها تأثيرات كبيرة على بنية طريقة تفكير المستوطنين وأخذتهم إلى الاعتقاد أنهم محميون بالجيش لا بحقيقة الدولة. جاء نتنياهو يحمل الحرب كشعار انتخابي ومادة تسويقية للمستوطنين.

في الأيام الأولى لوجوده في رئاسة الحكومة في 2009 قال نتنياهو إن أزمة “إسرائيل” الأمنية تتمثل في انتشار وزيادة قوة حركات المقاومة الإسلامية وكذلك المشروع النووي الإيراني، وإنه لن يسمح لهذه التيارات بالصعود، وسيحقق نصرا كبيرا على كل من يحاول إبادة “إسرائيل” ثم مضى في التنظير في أساسيات تحقيق الأمن والنصر في الحرب كجنرال حرب لا كقائد سياسي.

من هو نتنياهو؟ 

ولد نتنياهو في 21 أكتوبر 1949، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي، عاد إلى فلسطين المحتلة عام 1967 للالتحاق بجيش الاحتلال الإسرائيلي، وخدم في فوج الاستطلاع التابع لهيئة الأركان العامة، حيث خدم أخوه يوناتان أيضًا. خضع للتدريب كمقاتل وكقائد فصيلة، وشارك في عمليات خاصة.

عُرف عن نتنياهو أنه مغامر بالحرب كما في السياسة، وفي إحدى العمليات ضد القوات المصرية كاد أن يغرق، بعد أن فتح الجيش المصري النار على مجموعة من الوحدة “شيطت 13” أثناء عبورها قناة السويس. وفي مرة أخرى، خلال عملية غامضة في سوريا، تعثرت القوة التي يقودها، وأصيب أفرادها بالإرهاق والبرد. استمر في الخدمة الاحتياط في “شيطت 13” على الأقل حتى عام 1981.

وبين عامي 1984 و 1988، كان نتنياهو سفيرا لـ”إسرائيل” لدى الأمم المتحدة، ثم انضم إلى حزب الليكود وكان عضوا في الكنيست الـ12 ونائبا لوزير الخارجية، وشغل منصب رئيس الوزراء السابع والعشرين لـ”إسرائيل”، بين عامي 1996 و 1999، ومن عام 2009، حتى اليوم، ليقود الفترة الأطول في تاريخ “إسرائيل” مقارنة برؤساء الوزراء الآخرين.

الأمن.. سر صعود وإطاحة

في عام 1996 أثارت سلسلة العمليات الاستشهادية التي نفذتها كتائب القسام ردا على اغتيال المهندس يحيى عياش غضب الجمهور الإسرائيلي، الذي رأى أن حكومة شمعون بيرس عاجزة عن تحقيق الأمن له، وهو ما منح نتنياهو مساحة كبيرة للمناورة في هذا المجال، وكثف من دعايته المرتكزة بالأساس على شخصيته كقائد عسكري قادر على تحقيق ما عجز عنه الآخرون.

واستغل نتنياهو في دعايته الانتخابية عام 1996 فشل المواجهة مع حزب الله في لبنان، وفشل بيرس في عملية “عناقيد الغضب” التي استشهد فيها 100 مدني لبناني، والتي كان بيرس يريد من خلالها تسويق نفسه كقائد قادر على الدفاع عن الأمن القومي، لكن النتيجة كانت مغايرة والتبعات أثرت على صورة “إسرائيل” في العالم، بينما تصاعدت عمليات المقاومة اللبنانية.

بعد وصوله للسلطة، وتحديدا في 24 سبتمبر 1996 قرر نتنياهو فتح نفق تحت حائط البراق في القدس. على إثر ذلك، اندلعت مواجهات في الضفة الغربية وقطاع غزة فيما عاد يُعرف بـ”انتفاضة النفق”، والتي قُتل خلالها 16 جنديًا إسرائيليًا واستشهد حوالي 60 فلسطينيا. كانت هذه الانتفاضة بمثابة المغامرة الأولى لنتنياهو -المحب للمغامرات- وقد دفع ثمنها غاليا من صورته كقائد عسكري دقيق.

وبرر نتنياهو موافقته على فتح النفق بأنه استند إلى رأي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتعد قضية تحميل المسؤولية عن الفشل للآخرين، خاصة المؤسسة العسكرية، واحدة من أهم سياسات نتنياهو التي ظلت معه حتى الإطاحة به في 2021.

شكلت “انتفاضة النفق” تحولا واختبارا أمنيًا كبيرًا خلال فترة نتنياهو، بسبب ارتفاع حصيلة القتلى في صفوف الجنود الإسرائيليين، وكذلك بسبب الاحتجاجات والمظاهرات التي قام بها فلسطينيو الداخل المحتل 48، بما في ذلك خوضهم إضرابا عاما ومواجهات في المدن المحتلة بالداخل، وكأن المشهد يعيد نفسه مرة أخرى في 2021، وأسباب الإطاحة به تقريبا هي ذاتها.

في 14 نوفمبر 2012، قرر نتنياهو اغتيال القائد الكبير في كتائب القسام أحمد الجعبري، والذي كان يعدّ نائب رئيس أركان القسام محمد ضيف. أعلن نتنياهو حينها أن الهدف هو منع إطلاق الصواريخ من قطاع غزة باتجاه المستوطنات الجنوبية، وأن العملية العسكرية لن تتوقف دون تحقيق هذا الهدف، لكن العملية انتهت دون تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي 8 يوليو 2014، أمر نتنياهو بشن عملية عسكرية ضد قطاع غزة. بدأت العملية بغارات جوية على القطاع، ومن ثم توسعت إلى هجوم بري تمكنت المقاومة خلاله من قتل وأسر عدد من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية في حينها أن نتنياهو وافق على مقترحين لوقف إطلاق النار لكن المقاومة أصرت على فرض شروطها، وهو ما حطم صورته مرة أخرى كقائد عسكري مقتدر.

وانتهت العملية العسكرية بعد حوالي سبعة أسابيع من القتال تحديدا 26 أغسطس 2014، عندما اتخذ نتنياهو قرار وقف إطلاق النار مع وزير الحرب موشيه يعلون دون تصويت في مجلس الوزراء السياسي والأمني ​​”الكابينيت”، لتبدأ الانتقادات توجه له من قبل أوساط عسكرية وسياسية، كان أبرزها من طرف المراقب العام في دولة الاحتلال، الذي اعتبر أن نتنياهو أخفى عن الحكومة خطر الأنفاق، وهو ما كان أحد الأسباب في فشلها.

وفي تموز 2014، كانت هناك زيادة كبيرة في عمليات المقاومة التي نفذها مقاومون فلسطينيون في القدس، وفي أكتوبر ونوفمبر، نفذ مقاومون عمليات فدائية بلغت ذروتها في هجوم على كنيس للمستوطنين قتل فيه 10 منهم.

واعتبارًا من أكتوبر 2015، كان هناك تصعيد في عدد العمليات الفدائية التي نفذها مقاومون فلسطينيون في القدس والضفة الغربية، والتي شملت عمليات طعن ودعس وإطلاق نار. وجاءت العمليات على خلفية محاولة “إسرائيل” إحداث تغييرات في المسجد الأقصى المبارك فيما يُعرف بالتقسيم الزماني والمكاني. ثم جاءت “انتفاضة البوابات الإلكترونية” عام 2017 والتي اضطر فيها نتنياهو لتفكيك بواباته بعد أسبوعين من تركيبها وذلك أمام صمود المقدسيين.

وتراكمت لطمات المقاومة الفلسطينية على وجه نتنياهو، وفي عام 2019 و2020 و2021 اضطر لدخول الملاجئ على البث المباشر تحت وطأة ضرباتها الصاروخية، لكن معركة سيف القدس كانت التحول الأهم في الوعي الإسرائيلي تجاه نتنياهو، الذي أثبت أن خياراته تتضاءل أمام المقاومة الفلسطينية التي استطاعت أن “تمرمط” تل أبيب وتجعلها “ملطشة” كما صرح قائد حماس في غزة يحيى السنوار. هذه التوصيفات أصبحت شعورا محسوسا لدى المستوطنين، الذين باعهم نتنياهو وهم الأمن على مدار 15 عاما.

ولعل الأهم في المعركة الأخيرة هو أن المقاومة أصبحت قادرة على التحكم فيما يجري بالقدس، وبمجرد أن تطلق تهديدا بخصوص سلوك استفزازي من طرف المستوطنين، تتداعى كل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية لتدراك الخطر والتعامل على أساسه، وهو ما دفع إيتمار بن غبير للقول إن حماس تحكم القدس، وهنا يكمن سر سقوط نتنياهو “آخر ملوك إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى