مقالات وآراء

القدس أبداً.. القدس دائماً

 

أحمد علي هلال

للقدس نشيد الانتظار، نشيد الخلاص، فهي العين الرائية، عين فلسطين على المتسع من الأحلام والأوقات والحيوات الناهضة، على متسع آخر هو متسع الأجيال الفلسطينية، التي لم تغادر وقوفها كخط دفاع أمامي عنها تراباً وبشراً وذاكرة.

القدس على أبواب الألفية الثالثة كثافة تاريخ حاضر، فاعل، لا يمكن استحضاره مجاناً ليعبر متثاقلاً أمام شاشة المعنى، بل يمكن استئنافه وهو المتعالي على أن يُبدد بتاريخ زيف، توهم أن بوسعه تهويد المدينة أرضاً وذاكرة وطعنها بالمستوطنات، وبكتلها المتواترة وبتضييق المدينة القديمة، وامحاء أسواقها العتيقة لا سيما سوق خان الزيت التاريخي في البلد القديمة في القدس والذي يشبه سوق الحميدية بدمشق، بتحفته المعمارية التي تكتنز بعشرات المحال التي تبيع الزيت والصابون، وإذ يبدأ خان الزيت من باب العمود والذي يطلق عليه باب دمشق في السور التاريخي للبلدة القديمة، هذا واحد من شواهد حياة شعبنا الفلسطيني وتقاليده الحضارية، فهو العنوان للمقدسيين الراغبين في مواد العطارة والأعشاب، ولعل لسان حال من يعبر ذلك السوق سيقول نحن تحت احتلال معني بتفريغ البلدة القديمة من سكانها الأصليين، وبالتالي فإنه يمارس كل ما هو ممكن من أجل التضييق على التجار والمتسوقين، فضلاً عن توقيف الشبان الفلسطينيين ومضايقتهم.

وليس انتهاء بمنع الآذان في المساجد ومراقبة المصلين والتضييق أكثر فأكثر خنقاً لهذه المدينة، المترعة بتاريخ بعيد وقريب، تاريخ وبطولات للشعب المحارب وجسارته في الانتماء للأرض والكينونة والوطن.

القدس في محاولات اعتقالها والإيهام بنفيها خارج التاريخ والجغرافيا واللغة، ونفي إنسانها، تتأبى إلا أن تكون شاهدة على الروح الجديدة التي سرت في أجساد فتية جعلوا من أجسادهم أسوارها، ومن أوردتهم حاراتها العتيقة ومن دمهم نورها، ومن ما اجترحوه من وسائل مقاومة أدهشوا التاريخ ليظل يروي أكثر من حكاية إسراء ومعراج، ذات صباح/ ذات مساء، لشعب صيرته المقاومة جذوة متقدة لا تنطفئ نارها رغم كثرة النافخين فيها، القدس أبداً كل دروبها سجاد الصلاة، لمن ذوبوا كل الحواجز ليصلوا إلى قلب القدس، احتفاءً بمقدسها، وطقوس عشقها الأزلي التاريخي.

تأخذنا القدس في كل صيروراتها على مسرح تاريخها إلى أن نقف أبداً في ظلال المكان الذي أثثه مبدعون في مدوناتهم وفي سردياتهم الكبرى لنستعيده وليظل أبد الدهر الشاهد الشاهد على الإنسان إذ هما متماهيان هنا في جدلية علاقة تظل تثري التاريخ، ليفتتح تلك المرويات بذاكرة المكان أو مكان الذاكرة، نقف بالعلامة السردية الكبيرة (مدينة الله) للروائي والأديب الفلسطيني د. حسن حميد، لنقرأ المكان في دالاته الأخرى حضورات البشر حضورات الذاكرة، حضورات التاريخ وروائحه التي لا تستنفد، ولعل المكان الذي تطيف القدس ليصبح فلسطين بجغرافيتها مدنها وقراها وبلداتها وأوابدها الحضارية، سيحيلنا إلى ما أنجزه الكاتبان عمر جمعة وعبير قتال في روايتهما المشتركة (سنلتقي ذات مساء في يافا) أي إلى مدونة إضافية تستأنف ما دونه المبدعون الفلسطينيون، في تأريخ الروح وتأسيس الوعي بما يعنيه المكان في فضاءه الجغرافي/ الإناسي، وعبر غير متخيل بوصف العشق دالة ذلك المكان الممتد ليس فقط في فلسطين وإنما لسورية، سنقف إذن على أكثر من دالة في حقل دلالات واسع، سيقول إن فلسطين كلها كما القدس هما أبداً ذاكرة المستقبل، حينما نرث لغتنا وتصبح هي كينونتنا المتجذرة بالتراب المقدس، والذاهبة إلى كل ما يدونه الفلسطيني مقاوماً فذاً، وعلى طريقته الفلسطينية الخالصة، لكنها المتصلة أبداً بإرثه وتاريخه الذي لا ينقطع ولا تنفصم عراه، القدس إذن في افتتاحيات نهاراتنا وافتتاحيات أوقاتنا، هي البوصلة النهائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى