الأخبارمقالات وآراء

القانون الدولي ومزاعم نتنياهو في فلسطين العربية

د. غازي حسين – خاص طريق القدس

يزعم نتنياهو أن فلسطين هي أرض الآباء والأجداد، أرض التوراة وأرض الميعاد وأن الفلسطينيين دخلاء عليها وأن الضفة الغربية المحتلة عام 1967 هي يهودا والسامرة أراض محررة، وليست محتلة، وجزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل، وذلك انطلاقاً من الحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين ووعد بلفور غير القانوني، ونظام الانتداب البريطاني الاستعماري وقرار التقسيم غير الشرعي. ويوظف نتنياهو اضطهاد اليهود في أوروبا وحل المسألة اليهودية فيها لإقامة وتقوية إسرائيل كيان الاستعمار الاستيطاني اليهودي والعنصري والإرهابي لخدمة مصالح الصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية ومعاداة حقوق ومصالح الشعوب العربية والإسلامية.

طالب الاستعمار والصهيونية تأسيس دولة يهودية أو وطن قومي لليهود في فلسطين انطلاقاً من المزاعم التالية:

أولاً: الحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين.

ثانياً: اعتبار الديانة اليهودية قومية، وربطها في القدس وفلسطين.

ثالثاً: التخلص من الاضطهاد الذي لاقاه اليهود كأوروبيين في أوروبا وبعبارة أوضح حل المسألة اليهودية في أوروبا على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

يورد البروفسور الألماني فاجنر في كتابه النزاع العربي الإسرائيلي في القانون الدولي عدداً من المزاعم اليهودية للبرهنة على الحق التاريخي لليهود منها ما يلي:

«الوعود الإلهية التي وردت في التوراة واستيطان اليهود في فلسطين وانحدار يهود اليوم من اليهود الذين سكنوا فلسطين ومكانة فلسطين في الديانة اليهودية».

وأبدى البروفسور «فاجنر» رأيه في هذه المزاعم الصهيونية فقال:

«إن جميع الأسباب التي يوردها الصهاينة لا تشكل حقاً من الحقوق، إذا انطلقنا من القانون الدولي الذي كان سائداً في الماضي أو في الحاضر، إن الوعود الإلهية والنفي واستمرار روابط اليهود بفلسطين، هذا كله لا يمكن له أن يشكل حقاً من الحقوق».

وأكدت ندوة المحامين العرب في الجزائر حول حقوق الشعب الفلسطيني وتناولت مقولة الحق التاريخي المزعوم لليهود تقول «أن القبائل العبرانية في الواقع لم تشكل سوى موجة من موجات الهجرة التي تعاقبت على فلسطين. وقبل وصول العبرانيين كانت فلسطين دوماً سامية كنعانية، أي عربية، باعتبار أن السامي هو عربي. واعتنق أهلها المسيحية أيام الإمبراطوريتين البيزنطية والرومانية، دون أن يؤثر ذلك على السمة العربية لها. وأخيراً وبعد سقوط الإمبراطوريتين، والانتصارات العربية في القرن السابع احتفظت فلسطين بسمتها العربية. واعترف اليهود بالسيادة العربية كما اعترفوا بالسيادة العثمانية التي التزمت بجميع الواجبات الناجمة عن الخلافة الإسلامية».

إن الحق التاريخي هو الحق الذي اكتسب جراء تقادم الزمن بممارسته واستعماله، أي يفترض بالحق التاريخي استعماله والاستمرار في استعماله فترة طويلة من الزمن.

إن مطالبة نتنياهو اعتراف السلطة الفلسطينية بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين يعني تنازلهم عن حقهم التاريخي في فلسطين بمحض إرادتهم وإعطاء اليهود في جميع أنحاء العالم هذا الحق. ويعني أيضاً شطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم في وطنهم، وأن فلسطين ليست وطنهم بل كانوا يحتلون أراض يهودية. ويلحق الاعتراف كارثة وطنية جديدة بالفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم فلسطين عام 1948، حيث ستطردهم إسرائيل لأن لا حق تاريخي لهم في فلسطين وعليهم مغادرة الوطن اليهودي ودولة اليهود إلى دويلتهم الفلسطينية التي تزمع إسرائيل إقامتها ومنقوصة الأرض والسكان والسيادة تطبيقاً للحل الصهيوني لقضية فلسطين وتصبح فلسطين لليهود أرضاً يهودية محررة وليست محتلة، مما يعطيها المبرر لممارسة الاستعمار الاستيطاني والعنصرية والإرهاب بحق الشعب الفلسطيني.

ويؤكد بعض القادة في إسرائيل أنه من الصعب التوصل إلى تسوية مع العرب إذا لم يعترفوا في الحق التاريخي لليهود في فلسطين.

كان الكنعانيون العرب أول من سكن فلسطين. ويعود الحق التاريخي للعرب إلى الكنعانيين سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين. ولكن إسرائيل تستغل النكبة ونتائج الهزيمتين العسكريتين في عامي 1948 و1967 والضعف والتشرذم والخنوع العربي واتفاقات الإذعان في كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة والمفاوضات الكارثية مع السلطة الفلسطينية والانحياز الأمريكي والأوروبي المطلق لها والتحالف والشراكة الأمنية التي تعمل على إقامتها مع الرباعية العربية لانتزاع الاعتراف بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين.

فهل مارس اليهود السيادة على فلسطين، واستمرت حتى ظهور الصهيونية؟ الجواب القاطع هو بالنفي.

فاليهود لم يكونوا أول من سكن فلسطين، وإنما هم دخلاء عليها جاؤوا من (كلديا) ولم يستولوا عليها بأسرها، وانتهى كيانهم السياسي منذ أن احتلها الرومان. وأصبحت فلسطين خالية من اليهود.

وأدى تركهم لفلسطين والتقادم المستمر لهذا الترك إلى فقدانهم لها انطلاقاً من مفهوم القانون الدولي بفقدان الإقليم. ومن الجدير بالذكر أن أجداد اليهود لم يكونوا من أصل فلسطيني بل هم كلدانيون هاجروا مع إبراهيم إلى جنوب فلسطين وفيها أهلها الأصليون الكنعانيون وظلوا أقلية بالنسبة لمجموع السكان.

ويدّعي الصهاينة ومنهم نتنياهو أن فلسطين هي أرض الميعاد، وطبعاً هذا زعم ديني، والدين ليس مصدراً من مصادر القانون الدولي، لذلك لا يجوز لنتنياهو الاستناد إليه في المطالبة بفلسطين، لأنه لا يشكل سبباً من الأسباب التي تؤدي إلى اكتساب الإقليم في القانون الدولي القديم والمعاصر.

وتؤكد ندوة المحامين العرب في الجزائر حول زعم الصهاينة بأن الديانة اليهودية تشكل أمة للأسباب التالية:

1 ـــ لا يشكل اليهود وحدة عنصرية متجانسة، فدراسات علم الإنسان قد كذبت هذا الاعتقاد الذي ليس سوى خرافة. فاليهود كجميع أبناء الديانات الأخرى يعودون بأصلهم إلى أجناس مختلفة.

2 ـــ ليس لليهود لغة مشتركة، لأن اللغات التي يتكلمونها هي لغات المجتمعات التي يعيشون فيها.

3 ـــ يختلف اليهود بعاداتهم وتقاليدهم بقدر ما تختلف المجتمعات التي يعيشون فيها.

4 ـ ليس لليهود تاريخ مشترك، وقد عاشوا خلال العشرين قرناً الماضية موزعين في دول مختلفة، وتبنوا أساليب وحياة الشعوب التي عاشوا في وسطها.

وناقش القانونيون العرب ومنهم د. الغنيمي ود. سامي عبد الحميد استغلال الصهاينة لوجود الأماكن المقدسة وأكدوا «أن هذا يكون بمثابة من يقول أن لأندونيسيا حق امتلاك إقليم الحجاز، لأن به الأماكن المقدسة عند الشعب الأندونيسي المسلم. إن المزاعم الدينية لا ترتب حقوقاً في القانون الدولي على الإطلاق.

وتذرعت الصهيونية وقادتها ومنهم نتنياهو بمشكلة الاضطهاد الذي عاناه اليهود في أوروبا لتأسيس دولة يهودية لهم في فلسطين. فهل يمكن القضاء على اضطهاد اليهود في أوروبا باضطهاد اليهود للفلسطينيين في وطنهم فلسطين؟ وهل يحق لليهود أن يقتلعوا الشعب الفلسطيني من وطنه ويضطهدوه ليؤسسوا دولة لهم لحل مشكلة اضطهادهم في أوروبا؟

وهل تأسيس إسرائيل وارتكاب النكبة واستمرار الهولوكوست الإسرائيلي هو الحل الصحيح لحل المسألة اليهودية؟

وهل يحق لألمانيا أن تدعم وتؤيد اضطهاد اليهود للفلسطينيين للتكفير عن اضطهاد ألمانيا النازية لليهود الاندماجيين (غير الصهاينة)؟ وهل يحق لألمانيا أن تؤيد إقامة إسرائيل في فلسطين أم في بافاريا أو سكسونيا لأن ألمانيا النازية هي التي اضطهدت اليهود لتهجيرهم إلى فلسطين فقط وليس الشعب الفلسطيني المضطهد والمظلوم من العدو الصهيوني وأتباعه من الحكام العرب؟

إن مبادئ القانون الدولي والتفكير العلمي والشعور الإنساني والقيم الأخلاقية والحضارية لا تقر أبداً إزالة اضطهاد اليهود باضطهاد اليهود للفلسطينيين بدعم وتأييد من الدول الغربية؟

إن العاطفة الدينية والعاطفة الإنسانية الصادرة عن الاضطهاد الذي عاناه اليهود في أوروبا لا تشكل سبباً قانونياً لتأسيس إسرائيل في فلسطين، فالقانون الدولي لا ينطلق أبداً في تأسيس الدول من أسباب إنسانية، أو دينية؟

إن القضاء على النازية ومؤسساتها في ألمانيا وتأييد ألمانيا الحالي للصهيونية وإسرائيل وسيطرة اليهود والمسيحية الصهيونية واليمين السياسي الأمريكي على صنع القرارات حول قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني لم يبق للصهيونية العالمية أي سبب للتذرع بالاضطهاد أو اللا سامية كسبب لتأسيس إسرائيل ولدعم سياستها الاستعمارية والعنصرية والإرهابية وتقويتها عسكرياً واقتصادياً.

إن من المستحيل على المرء أن يسلِّم ويُقر بالمزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع التوراتية والتلمودية والصهيونية والإسرائيلية التي يروِّج لها الصهاينة، فلو اعتمد أصحاب الديانات الأخرى على مثل هذه المزاعم والتصورات لأدى ذلك إلى اندلاع حروب متواصلة وصراعات مسلحة في جميع البلدان في العالم.

إن الزعم الديني الذي تدعيه الصهيونية والكيان الصهيوني هو وهم من الأوهام لا أساس واقعي أو قانوني له، ولكن يجد فيه الاستعماريون اليهود حلماً يحلمون به، ويجد فيه السياسيون الصهاينة أداة لتحريك واستغلال مشاعر اليهود الدينية لتحقيق حلم الصهيونية وإسرائيل بإقامة الإمبراطورية الإسرائيلية في الوطن العربي من النيل إلى الفرات تحقيقاً للمخططات الصهيونية وبروتوكولات حكماء صهيون للسيطرة على العالم.

إنني أتساءل لماذا تكون المزاعم الدينية اليهودية موضع اهتمام وتأييد لدى الدول الغربية ولا تلقى الحقوق التاريخية والقانونية والدينية للفلسطينيين من مسيحيين ومسلمين موضع قبول واحترام؟

إنني أكرر وأقول إن مبادئ القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني لا تسلِّم ولا تقر أبداً بأي صلة أو علاقة بين إنشاء الدول وبين الدين والاضطهادات والأساطير والأكاذيب والأطماع الاستعمارية.

إن حقوق الفلسطينيين في فلسطين تعتمد على أنهم سكان البلاد الأصليون وأصحابها الشرعيون وعلى ملكيتهم لفلسطين وعلى العوامل التي تؤدي إلى اكتساب الإقليم في القانون الدولي كحق المواطنة والملكية والفتح والتقادم.

إن مرور مئات السنين من الزمن، لا يمكن أن يضفي الشرعية على إسرائيل ككيان غير مشروع جاء من وراء البحار، وغريب عن المنطقة ودخيل عليها ومعاد لشعوبها. ونشر الإرهاب والحروب والفتن الطائفية والعرقية والإبادة الجماعية وسياسة التطهير العرقي.

لذلك يرفض الشعب والأمة الوجود الصهيوني في فلسطين العربية الذي استند في إقامته على الأكاذيب والخرافات والأطماع الصهيونية والاستعمارية والرجعية، وأُقيم باستخدام القوة، وإشعال الحروب وتكريس الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة ومصادرة الأرض وتهويدها وتهويد المقدسات العربية، وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية واليهودية العالمية.

المطلوب من الرباعية العربية أن تتوقف عن المساومة والسمسرة لتمرير الحلّ الصهيوني لقضية فلسطين لتكريس وجود إسرائيل مئة سنة قادمة في قلب الوطن العربي ومدينة الإسراء والمعراج قدس الأقداس عاصمة فلسطين والعرب والمسلمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى