تحليل

الفاشية الصهيونية تتسلم السلطة، مَن؟ وكيف نواجهها؟

أن تصف معسكر لبيد بالمعارضة “المرتبكة”، هو وصف فيه شفقة، وأن تصفه “باليسار الصهيوني” هو إساءة غير مقصودة

لمفهوم اليسار، وإضفاء شرعية على تيار صهيوني عنصري كولونيالي لا يستحق أي شرعية. الحقيقة أنها معارضة لم تغادر

مواقعها الصهيونية، الاستعمارية والعنصرية، وفيها من الاستعلاء وإلغاء الآخر ما يخدم القوى الفاشية أفضل خدمة.

وطالما نبهنا على أن الممارسة العدوانية الدموية والعنصرية عشية الانتخابات لن تخدم هذا التيار وإنما ستخدم أكثر القوى

العنصرية واليمينية، لأنها ستعزز لديه قيمه الفاشية، وهذه هي النتيجة التي حصدها لبيد في الانتخابات الأخيرة، ولا تختلف

عن تلك التي حصدها حزب العالم عام 1981، ولا تختلف عن النتيجة التي حصدها شمعون بيريز عام 1996 بعد عدوانه على

لبنان (عناقيد الغضب).

فكيف ستدافع هذه المعارضة عن قيم الديموقراطية وعن قيمها العنصرية المتأصلة في آن معاً؟ المعارضة التي صوتت لإقرار

قانون القومية الذي يرى أن اليهود فقط هم أصحاب البلاد، وأن لهم وحدهم الحق في اتخاذ القرارات المصيرية للدولة، حتى

لو كان 20% من مواطنيها غير يهود، القانون الذي لا يعترف بأي كيان قومي آخر بين البحر والنهر على الرغم من وجود شعب

وهو شعب آخر، هو الشعب الفلسطيني صاحب البلاد الأصلي والمعترف بحقوقه وفق كل الشرائع الدولية.

هذه المعارضة التي تعرّف الدولة بأنها “يهودية” قبل تعريفها بأنها ديموقراطية، كيف ستواجه المشروع اليهودي الصهيوني،

العنصري والفاشي، الذي يعتمد في أسسه العقائدية على يهودية الدولة؟

أما نتيجة انتخابات الكنيست الصهيوني، التي تهم وتشغل فلسطينيي المناطق المحتلة عام 48 أتفهم ذلك، لكن أن يقلق

تراجع نسبة المشاركة الفلسطينية في انتخاب الكنيست الصهيوني معظم الحكومات العربية المطبعة مع الاحتلال، بمن

فيها سلطة أوسلو الفلسطينية، فهذا لا أتفهمه.

لقد تراجعت نسبة المشاركة في انتخابات الكنيست قبل الأخيرة إلى 44% فقط من الفلسطينيين، وبدلاً من الإشادة بحركة

المقاطعة الوطنية، التي تؤكد بذلك عنصرية الكيان وماهيته الاستعمارية العدوانية والدموية، هوجمت واتّهمت قياداتها بالتخلي

عن مسؤولياتها “الوطنية”!! ثم عادت وارتفعت نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة  إلى 54%، بفعل الحملة الممنهجة،

التي كلفت ملايين الدولارات من الصناديق الصهيونية الأميركية، وتخويف الناخب العربي من أن تسبب المقاطعة صعود الحزب

الفاشي الذي يرأسه سموترتيش وبن غفير، وعودة نتنياهو إلى الحكم من جديد، ومع ذلك لم يتورّع المسؤولون العرب، ومنهم الأمين العام للجامعة العربية، عن أن يحمل الوطنيين الفلسطينيين، المناهضين للاندماج الفلسطيني في المؤسسات الصهيونية، مسؤولية صعود اليمين الفاشي وعودة نتنياهو إلى الحكم. ماذا تريدون منا؟!

رسالة قاطعة إلى عرب التطبيع

هذا النهج الرجعي العربي، المستسلم للصهيونية والمطبع معها بذلٍّ واستحياء، والسائر مطأطئ الرأس كالنعاج، يعتقد أن

فلسطينيي الـ 48 قادرون، أو مستعدون، أن يمسحوا الذل عن وجوه حكام العرب بمزيد من الانبطاح أمام العدو الصهيوني، لكن

هيهات! هنا لا بد من قول فصل، أولاً، لكل هؤلاء الحكام الرجعيين وأبواقهم على حد سواء، لا تلقوا بعجزكم علينا بعد أن أنكرتم

وجودنا عشرات السنوات وأبقيتمونا كالأيتام على مأدبة اللئام. لا تتوقعوا منا أن نقبل بالذل والهوان اللذين يملآن قلوبكم

ويغطيان وجوهكم، لقد كبرنا وأصبحنا قوة تعرف قيمتها وطريقها.

ويا للأسف، هناك من القوى الوطنية الفلسطينية أيضاً مَن قطعت الأمل بكل ما هو عربي حتى بأنفسهم، وهم يكررون

مقولات مثل: “اتكالنا عليكم”، أو “أنتم وحدكم قادرون على تغيير المعادلة” ومنهم من يطالبنا باتباع نهج “الاندماج والتأثير”

من دون أن يدرك تبعات ذلك! وكأننا جالية أو أقلية في دولة انتقلنا إليها.

وإلى الإخوة الفلسطينيين وغيرهم من قوى المقاومة، نقول: لا تطلبوا منا، نحن المحاصرون في كل مجالات الحياة، ما لم

تستطيعوا فعله وأنتم الطلقاء، أسكِتوا أبواق الرجعية العربية والفلسطينية عنا، وأوقفوا الدعم الفلسطيني الرسمي لتجار

الوطنية عندنا، أصحاب الامتيازات وعناوين الفساد ودعاة الاندماج في المؤسسات الصهيونية، ونحن سنتدبر أمورنا في

مواجهة الفاشية الصهيونية. لا تقلقوا! يكفينا هذا، لا نريد منكم أكثر منه.

الاندماج والتأثير من الداخل

يعتقد البعض أن محاربة الصهيونية من الخارج قد أخفقت، ولا بد من محاربتها من داخلها، وهذا تضليل كبير، لأن الحرب من

الخارج لم تحصل، إلا في حالة المقاومة اللبنانية، وقد نجحت. في المقابل، كل ما حصل من جهة الأنظمة الرجعية، ونظام

أوسلو أيضاً، هو محاولات استجداء وتقرب واستعطاف واسترضاء وفقاً للنصائح الأميركو-صهيونية، فلماذا تريدون منا أن نكمل

دوركم المذل والفاشل؟ ولا نستفيد من دروس التجربة الناجحة؟

يبلغ عدد المواطنين العرب، أصحاب حق الانتخاب، أكثر قليلاً من مليون ناخب، من أصل ما يقارب 6 ملايين و800 ألف ناخب،

شارك في انتخابات الكنيست الأخيرة نحو 54% من العرب ونحو 71% من مجمل الناخبين، وفي حين قاطعها 46% من العرب.

أي، شارك من العرب نحو 564 ألفاً. منهم صوّت نحو 510 آلاف للقوائم العربية الثلاث. يعني أن 90% من العرب الذين شاركوا

في الانتخابات صوتوا للأحزاب العربية. وهذا يعني تراجعاً كبيراً في التصويت للأحزاب الصهيونية، وهو يعبر عن خيبة أمل أولئك

الذين انبطحوا أكثر ما يمكن، وحاولوا الاندماج حتى داخل الأحزاب الصهيونية، وليس في حكومة صهيونية فقط، ألا يكفي هذا

للتدليل على أوهام الاندماج و”التأثير من الداخل”؟

لقد وصلت حملات التخويف إلى ادعاء أن رفع نسبة التصويت عند العرب، سيمنع بن غفير من زيادة عدد مقاعده في

الكنيست، “كل عضو عربي إضافي هو عضو أقل لبن غفير”. ها قد ارتفعت نسبة التصويت العربي بـ 10% في حين لم ترتفع،

بل تراجعت قليلاً، عند اليهود، ومع ذلك وصل بن غفير ونتنياهو إلى أغلبية كبيرة في الكنيست. ووصل التهويل إلى أن

الفاشيين إذا ما وصلوا إلى الحكم في “إسرائيل” (وكأنهم خارج الحكم!!) فسيقومون بعمليات تهجير لأهلنا، وسيهدمون

مساجد، ويمنعون المواطنين العرب الفقراء مخصصات البطالة أو منعهم من العمل.. وما إلى ذلك من أساليب التخويف، التي

تحتقر عقول وثقافة الناس إلى حد لا يطاق، متناسين تجربة الشعوب في مواجهة الفاشية التي تقول: إن مواجهة الفاشية لا

تحصل في البرلمان، بل في الميدان. وأن البحث عن شركاء في البرلمان قبل تحصين الذات وتنظيم أكثر القوى تضرراً من

الفاشية، عمل لا قيمة له، لأن البرلمان أسهل الساحات لانتصار الفاشية على خصومها. في استطاعتهم، بقرار واحد، إخراج

كل من يعارضهم من داخل البرلمان.

وفي حالتنا الخاصة لا بد أن نذكر أن جذور الفاشية تكمن في الأيديولوجيا الصهيونية وجذورها الدينية والاستعمارية اللبرالية على حد سواء. ولذلك لا يمكن محاربة الفاشية من دون مواجهة أيديولوجية مع الصهيونية. ويتناسون، أو لا يفهمون تجربة الشعوب التي تؤكد أن مواجهة الفاشية تتطلب جبهة وطنية متراصة تقودها شخصيات وطنية شجاعة وتتمتع بصدقية عالية وثقة جماهيرية، لا قيادات تتاجر بالناس وتمتهن الكذب والتضليل والاستخفاف بعقول الناس، والطموح الشخصي للامتيازات واستجداء مؤسسات العدو لتسهيلات وتوظيفات فردية وتافهة. ويتناسون، أو لا يفهمون، أن مواجهة الفاشية تتطلب تعزيزاً لقوة وتنظيم الأحزاب في كل قرية ومدينة، وتعاوناً بين القوى المتضررة، على عكس ما يقوم به أعضاء الكنيست الحاليون منذ عقدين من الزمن، على الأقل، من تحطيم للمؤسسات الحزبية وجعل الكوادر الحزبية مجرد موظفين عندهم يلهثون وراء لقمة العيش الوحيدة. ماذا سيفعل كل هؤلاء لو قرر الفاشيون طردهم من الكنيست وقطع الميزانيات المخصصة لهم؟

نحو جبهة وطنية ديموقراطية لمواجهة الفاشية

إضافة إلى ذلك، وتعزيزاً للموقف المبدئي، وأمام التحدي الأكبر لمواجهة الفاشية الصهيونية، كان لا بد من مراجعة هذه العلاقة العبثية بين الكنيست الصهيوني والشعب الواقع تحت الاحتلال، وهو ما حمله عدد من الناشطين الحزبيين، وممن شاركوا في الانتخابات سابقاً، والسؤال الأساس هو، من ربح من هذه العلاقة، ومن خسر في المدى المرحلي أو المدى الإستراتيجي. وإلى أي مدى كانت هذه العلاقة وسيلة لتدجين الشعب الواقع تحت الاحتلال؟

ومن نافل القول أن هذا الشعب لا يستطيع، ولو بعد 74 سنة من حصوله على الجنسية، أن يرى الدولة دولته، وفي الوقت نفسه يخشى أن يسميها احتلالاً لاعتبارات كثيرة، أمنية على نحو خاص. وازداد الأمر تعقيداً بعد إقرار الكنيست قانون القومية، الذي يرى الدولة ملكاً للشعب اليهودي في كل مكان، وله فقط، وأن حق تقرير المصير في هذه الدولة هو لليهود فقط. وهذا يعني أن من عد نفسه مواطناً، أو عدته الدولة، رسمياً، مواطناً، أصبح خارج مفهوم الدولة وفق القانون الأساس الذي يعرفها!

بناء عليه، طرحنا في الماضي فكرة إقامة “الجبهة الوطنية الديموقراطية لمواجهة الفاشية”، وكررنا ذلك من خلال رسالة فيسبوكية قصيرة قبل 3 أسابيع، وهي تعود إلى الأذهان مجدداً وتلح على كل القوى الوطنية الشريفة، خصوصاً تلك التي تقاطع الانتخابات مبدئياً، أيديولوجياً أو التزاماً بعقيدة دينية، وبعد أن استنفدت الجهود لإعادة بناء لجنة المتابعة العليا كهيئة وطنية عليا منتخبة مباشرة من الجمهور بسبب العوائق التي تضعها أحزاب الكنيست أمام هذا المهمة.

لا بد أن تتكاثف الجهود لإقامة هذه الجبهة الوطنية الديموقراطية، وهدفها الأساس هو مواجهة الفاشية الصهيونية، التي تجمع كل القوى المتضررة من الفاشية، وأساسها القوى الوطنية الشريفة التي لا تتاجر بحقوق الناس كشعب في مقابل فتات من الميزانيات والتسهيلات الفردية، ولا تزحف على بطونها للاندماج والتأثير من الداخل الصهيوني، هذه القوى هي الغالبية الحقيقية لشعبنا، وهي قادرة على مواجهة الفاشية وأيديولوجيتها الصهيونية العنصرية العدوانية والاستعمارية. لا يمكن مواجهة الفاشية الصهيونية من دون مواجهة أيديولوجيتها. أما القوى اليهودية الديموقراطية التي تخلت عن صهيونيتها وعدوانيتها فمدعوة للمشاركة أيضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى