مقالات وآراء

الغرب يسعى إلى تطويع طلّاب فلسطين.. جئناكم بالمنح!

محمد جرادات

المجر  تقرر للفلسطيني ماذا يتعلم على مقاعد مدرسته. أحجية أو نكتة؟! لا فرق، فكلاهما في ثمار أوسلو سواء. وقد

قرّر بعض الفلسطينيين في عاصمة النرويج يوماً ما أن يدخلوا نفق التسوية مع المحتل الإسرائيلي، ليضعوا قدر أجيالهم

اللاحقة بين يدي دولتين أوروبيتين هامشيتين.

وكل يوم، يتكشّف للفلسطيني ثمن جديد مطلوب منه دفعه لقاء مواصلة اللهاث في هذه التسوية، فمن وضع القاطرة

الفلسطينية على سكّة أوسلو قبل 3 عقود، يجب أن لا يفاجئه توقفها عبر محطة بودابست، ومندوبها في الاتحاد الأوروبي

يصرّ منذ عامين على وقف أموال الدول الأوروبية المانحة المتفق عليها مع السلطة الفلسطينية، إلّا بشرط تعديل المنهاج

التعليمي الفلسطيني، ومنه – يا لسخرية القدر! – المطالبة بشطب سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو

الذي وقّع اتفاقية أوسلو بنفسه!

قبل 6 سنوات، كنت ممن تم تكليفه لتحكيم المادة العلمية في واحد من مواد المنهاج التعليمي الجديد في المدارس

الحكومية الفلسطينية. كانت عملية تجديد شكليّة رعاها الوزير الجديد، نظراً إلى خلفيته السياسية النضالية.

ورغم ذلك، كان ثمة حرص واضح على تجنّب ما يثير النقد العالمي خلال تجهيز المادة التعليمية، فكان المشرف العام

على المنهاج في الوزارة يؤكّد تخفيف المادة التعبوية أو تلك التي تتناول مفهوم الجهاد والصراع مع اليهود ضمن الممكن.

وقد ظهر ذلك جلياً في التوصية بتجنّب استخدام الآيات القرآنية في المواد العلمية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً باعتبار التداخل

التأصيلي بين عدة آيات قرآنية ومادة الأحياء مثلاً، كمراحل خلق الإنسان والحيوان والطبيعة وما شابه.

وفي مقابل حرص الجهات النافذة في السلطة الفلسطينية على عدم إثارة ردود فعل على مادتها التعليمية، سواء في

إعداد أول منهاج سنة 2001، أو في المنهاج المعدّل سنة 2017، برز السعي الأميركي والأوروبي مبكراً، في محاولة تطويع

هذا المنهاج ليتلاءم مع مشروع التسوية السياسية، وهو ما جهرت به هيلاري كلينتون مراراً وتكراراً، في ظل بقاء هذا

المنهاج في عمومه ضمن الثابت الفلسطيني التاريخي والديني على وجه العموم.

بقي هذا المنهاج عرضة للاستهداف الأميركي والأوروبي، في ظل تحريض إسرائيلي واسع، مع تمنع السلطة الفلسطينية

عن الخضوع حتى الآن، في ظل محاولات اختراق ثقافية رعاها الجانب الأوروبي بخبثه المعهود، وقد تسلل إلى واحدة منها

بشكل مبكر، عبر فرض وظيفة الإرشاد في المدارس، وتركيز مهمتها على نبذ العنف، ويقصد به التداخل مع مفهوم الإرهاب

وفق التوصيف الأوروبي، وهو الجهاد وفق النص الديني، والتنزيل السياسي في الحالة الفلسطينية، باعتبار فلسطين تخضع

لاحتلال استيطاني بشعارات دينية يهودية استئصالية.

تعدَّدت أشكال الاختراق الأوروبي للخلفية الاجتماعية الفلسطينية المتصلة بالتعليم الحكومي. على سبيل المثال، تجاوز

الأوروبي خلال رعايته بناء مدرسة الكرامة في جنين مسمّاها الذي يخلد معركة الكرامة الشهيرة، ولكنَّه اشترط أن تكون

مدرسة مختلطة بين الذكور والإناث، وهو ما وافقت عليه السلطة لسنوات، ثم عادت وأنهت الاختلاط تبعاً لرغبة الأهالي

وطبيعة البيئة المحلية، وهي رغبة لحظها الجنرال الأميركي دايتون، فاعتبرها خطراً عبّر عنه خلال كلمة له في جامعة

فلوريدا حول إعادة تنظيم أجهزة أمن السلطة، فاعتبر أنّ هذا المشروع لن يحقق النجاح حتى نرى صبايا جنين يواصلن

السهر بعد منتصف الليل من دون أن يواجهن في ذلك أدنى حرج!

تنبثق القيم الحضارية الأوروبية من تأصيلات تاريخية يتصل جوهرها بشعارات الحرية الثقافية، حتى في مواجهة الدين،

وهي القيم التي أرست دعائم النهضة الأوروبية المعاصرة، وما زالت تحاول إسقاطها فيها على العالم الثالث، باعتبار

تقدمها العلمي والصناعي والتقني، وربطها الوثيق بين هذا التقدم وهذه الشعارات المنادية بحرية البحث العلمي والإبداع

الثقافي.

ولعل كل سائح ثقافيّ في لندن أو باريس يلحظ عمق هذه القيم وتلك الشعارات، ومدى سعي أوروبا بكل أطيافها الفكرية

والسياسية لتعميم تجربتها على العالم، وخصوصاً عالمنا الإسلامي، وهو العالم الذي سبق أن أرخى منهجيته العلمية

على أوروبا عبر البوابة الأندلسية في زمن انحدارها خلف الهرطقات الكنسية دهراً طويلاً من الزمن.

لم يكن الاحتكاك الحضاري الأوروبي في ذروة توهجه مع العالم الإسلامي في ذروة انحداره احتكاكاً بريئاً، باعتباره العلمي

والأخلاقي، ولكنه احتكاك مغمّس بأثر الحروب الصليبية وما خلّفته من هواجس الصراع الحضاري بين أمتين متضادتين.

مركز هذا التضاد كان، وما زال، فيمن يسيطر على القدس، وهي مهد الحضارات والديانات الثلاث. وعندما سيطرت الحركة

الصهيونية على القدس، تم ذلك باعتبار الصهيونية ناتجاً أوروبيّاً بثوب يهودي. وقد اغتصبتها بريطانيا الصليبية من تركيا

العثمانية، وقدمتها للصهيونية الأوروبية على طبق من ذهب، وسعت أوروبا ما بعد الاستعمار العسكري للنأي بنفسها

عن تحمّل تبعات هذه الجريمة التاريخية، عبر تخفيف وزرها وإلقاء حمله على الوحش الأميركي العابر للمحيطات، وهو ما

أحدث خلطاً مركباً في التقييم الراهن لحقيقة الجريمة الأوروبية التاريخية، في ظل المحاولات الأوروبية الدائمة للظهور

بمظهر سعيها لتخفيف المعاناة الفلسطينية المتجددة.

منذ تشكّل الاتحاد الأوروبي، نأت أوروبا بنفسها، ولو نسبياً، عن السياسة البريطانية الموالية لأميركا، وخصوصاً تجاه الكيان العبري، وهو ما سمح بتطور علاقات هذا الاتحاد مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبشكل أكبر مع السلطة الفلسطينية، التي انفتحت أخيراً حتى على أميركا وبريطانيا، وتحديداً عبر الدول المانحة الداعمة للخزينة الفلسطينية، وهي الخزينة التي ظلّت تترنح منذ 3 عقود في دائرة الفساد الإداري والتركيز الأمني والتدخل الأميركي والأوروبي، بل والإسرائيلي، وخصوصاً مع تحوّل هذه الخزينة إلى الاعتماد شبه التام على أموال المقاصة الإسرائيلية.

تجاوزت الاشتراطات الأوروبية عبر المندوب المجري ما سبق أن طولبت به الأنروا المتخصصة بمدارس اللاجئين الفلسطينيين قبل عام ونيّف، باستخدام مادة دراسية تحضّ على “التعايش والتسامح مع اليهودي”، وتقبّل “السلام مع إسرائيل”، بما يتماشى مع الطرح الأوروبي لتسوية القضية الفلسطينية على أساس “حلّ الدولتين”، لما هو تعديلات جوهرية تفصيلية، كما في كتاب مادّة الرياضيات للصفّ الثاني الابتدائي، عبر إزالة تمرين تُذكر فيه كلمات “الاحتلال والمسجد الأقصى والحواجز الأمنية”. وفي الصفّ الثالث الابتدائي، اشتُرط إلغاء تمرين يتعلّق بيوم الأسير الفلسطيني في مادة التربية الوطنية.

كذلك، طالب الأوروبيون بإزالة خريطة فلسطين من أحد دروس اللغة العربية للصفّ الرابع الابتدائي، وتغيير عبارة “القدس عاصمة فلسطين”، واستخدام عبارة “القدس مدينة الديانات السماوية” بدلاً منها. وشملت التعديلات المطلوبة أيضاً استبدال خريطة فلسطين التاريخية في كتاب اللغة العربية في الصفّ الثاني الابتدائي، لتحل محلها صورة تدلّ على “الجبال والتلال”، وإزالة صورة جندي إسرائيلي محتلّ من أحد الدروس في الكتاب عينه، إضافةً إلى إزالة صورةٍ لجدار الفصل العنصري ووضع صورة شلّال بدلاً منها في أحد دروس اللغة العربية في كتاب الصفّ الأول الابتدائي.

يأتي ذلك ليعكس توجهاً سياسياً أوروبياً في الضغط على الفلسطينيين، تبعاً للتطورات العالمية والإقليمية، وهي بذلك تستغل ما تمرّ به السلطة من أزمة مالية متفاقمة، إذ أشارت تقارير إسرائيلية إلى أنَّ المساعدات الدولية للسلطة تقلصت من 1.3 مليار دولار في عام 2011 إلى 400 مليون دولار عام 2020، في حين بلغت مديونية السلطة للبنوك حالياً نحو ملياري دولار.

وما يؤكد هذا الاستغلال الأوروبي السياسي، صدور تقارير أوروبية متخصصة نفت كل ما يروّج له المندوب المجري، ومن قبله تقرير بريطاني وآخر إسرائيلي عن المنهاج الفلسطيني. وآخر التقارير الأوروبية الموضوعية بهذا الخصوص تقرير للمركز الألماني “جورج إيكرت” للبحوث الذي كلفه الاتحاد الأوروبي بتقويم المناهج الفلسطينية عام 2020، والذي توصَّل إلى أن المناهج الفلسطينية لا تحتوي تحريضاً ضد “إسرائيل”، إذ دحضت نتائج البحث الذي استمر عاماً ونصف العام، وعاين 172 كتاباً، بشكل قاطع اتهامات المنظمات الإسرائيلية التي ادعت، وما زالت تدعي، أن الكتب المدرسية الفلسطينية تحرّض على اللاسامية، إذ أشار البحث إلى أن “الكتب المدرسية الفلسطينية تنادي بالتسامح والرأفة والعدل، وتفصل بين أشكال النقد الفلسطيني الموجه إلى إسرائيل والنصوص التي تدرس في باقي المواد”.

يأتي هذا في وقت تتجاهل أوروبا بشتى أطيافها تطرّف المنهاج الإسرائيلي وكذبه الدائم على مستوى التاريخ والجغرافيا فقد لجأت وزارة المعارف الإسرائيلية إلى نشر الرواية الصهيونية الخاصة بالحق اليهودي في فلسطين، مستعينة بمجموعة من المؤرخين المعنيين بنشر مثل هذه الثقافة، بل وتربية الأجيال الصغيرة عليها.

وقد شبّهوا العرب، سكان البلاد الأصليين، ببدْوٍ رحّل جاؤوا من الصحراء محاولين القضاء على الحضارة الإسرائيلية، كما زجوا بعض المصطلحات الفجّة في مناهجهم ضد العرب الذين تصفهم تلك المناهج باللصوص وغير الحضاريين.

يأتي الأوروبي إلينا ونحن تحت احتلال استئصاليّ وحشيّ، ليطالبنا بتعميم ثقافة التسامح بشكل حدّيّ أحاديّ، في وقت أدخل المنهاج التعليمي الإسرائيلي نصوصاً توراتية للناشئة اليهود، كما في مجمع الكتب المقدسة لسنة 2009، وهي تغص بالحقد الأعمى، منها: “حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدْعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الذي فيها يكون مسخّرًا لك، ويُستعبَد لك، وإن لم تساعدك بل حاربتك، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف… أما النساء والأطفال والبهائم وكل من في المدينة فهم غنيمة… وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا، فلا تستبق نسمة منها”.

وتجاهل الأوروبيون أنَّ أهم ما يميز التربية والتعليم في الكيان الإسرائيلي هو عسكرتها، إلى درجة تجعل الطالب جنديًّا. وبهذا تتكامل المناهج مع التربية، لتؤدي دورًا واحدًا هو خلق جيل متطرف معبأ بكل المبررات، ليسلب ويغتصب حق الآخرين، ولا يخفى مدى ارتباط المدارس الإسرائيلية بـ”الجيش” الإسرائيلي، بل إن الأمر يفوقه إلى حد تسلم ضباط متقاعدين من “الجيش” وجهاز المخابرات وظائف إدارية في المدارس، والعمل مربّين للطلاب، وأيديهم ملطخة بدماء الفلسطينيين، إذ تمول وزارة المعارف الإسرائيلية مشاريع خاصة تؤهل ضباطًا متقاعدين من الجيش وجهاز المخابرات للعمل مربّين في مدارسها. ولعل هذا ما عزّز قوة اليمين شعبياً، بحيث بات يغلب على التيار الحزبي في الكيان العبري، ولم يعد لليسار والوسط دور للقيام به وسط تقلص شعبيتهما.

ورغم الإصرار الفلسطيني الرسمي على رفض الضغوط الأوروبية حتى الآن، والذي جاء على لسان رئيس الحكومة الفلسطينية، بقوله: “المنهاج الفلسطيني نتاج تاريخنا وثقافتنا ونضالنا وديننا ومساهمتنا الحضارية عبر آلاف السنين”، مشيراً إلى أنَّ “ما لم يتم التنازل عنه على طاولة المفاوضات لن يتم التنازل عنه في المنهاج”، فإنَّ توقيت قرار رئيس الحكومة تشكيل مركز وطني للمناهج الفلسطينية، عقب اجتماعه مع المفوض المجري عن الاتحاد الأوروبي، ثم المصادقة على هذا القرار بهدف “الارتقاء بنوعية التعليم والتعلم، وأن مهمته الأساس تتمحور في إعداد الخطط وتطوير المناهج التعليمية وفق أحكام المادة الـ35 من قانون التربية والتعليم الساري، إضافة إلى إقرار المنهاج والمقررات والكتب المدرسية وفقاً للمعايير الوطنية بما يحقق الجودة والنوعية”، رغم ذلك، يخلق مخاوف حقيقية من احتمالية الرضوخ المستقبلي للضغط الأوروبي.

ولعل ما يعزز المخاوف من  احتمال الرضوخ الفلسطيني الرسمي، هو ما شهدته الأسابيع الأخيرة من عبث في نهاية العام الدراسي الراهن، الأمر الذي ترتب عليه إضراب المعلمين عن التعليم  لمدة شهر، على خلفية مطالب بعضها ماليّ، في ظل عدم صرف الرواتب بشكل كامل، مع ارتخاء حكومي رسمي عن معالجة أسباب هذا الإضراب وبواعثه، وهو عبث قد يكون الهدف منه خلق أرضية نفسية عامة للانشغال بالضرورة المالية على حساب المبدأ الثقافي والتعليمي الجوهريّ، بما يتيح المجال للمركز الوطني للمناهج، الذي أعلن تشكيله، تحت الضغط، لإحداث تغييرات جوهرية في المنهاج، بحسب ما يراه بعض المراقبين.

يُمثّل هذا الإصرار الأوروبي على ربط المال بالتنازل عن المبدأ فرصة تاريخية للفلسطيني للانعتاق من الضغوط، وهو يتبوأ أعدل قضية في التاريخ، وخصوصاً أنَّ هذا الأوروبي يروّج لهذا النمط الابتزازي في العلاقات، ويكرّره كما جاء من المبعوث الأوروبي كوبمانز وهو يعرض على لبنان المال والدواء والخبز والكهرباء مقابل الدخول مع الكيان العبري في تسوية الحل النهائي، وكأن التسويات السابقة أعطت العرب شيئاً غير الفقر والجهل والذل.

اقرأ المزيد: الرئيس الجزائري يؤكد مواصلة تعزيز العلاقات مع تونس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى