شؤون العدو

العيش في اوبيرا

 بقلم: يوسي احيمئير – معاريف 

على مسرح الاوبيرا تعرض قصة من القرن السادس عشر – أب يقتل ابنه طعنا، دون كارلو. وهذه دراما 3.5 ساعة تعرض في مسرح الاوبيرا الاسرائيلية، تقطعك من هنا والان. ولكن ما أن تخرج الى الفضاء قبيل منتصف الليل فاذا بك تستمع الى اخبار القرن الـ 21 من الاذاعة – عربي يقتل بالسكين يهوديا. قصة القتل التاريخية في مدريد تستبدل بقصة قتل راهنة في القدس. واقعنا الرهيب يتغلب على كل خيال وعلى كل مسرحية.

في الاوبيرا هذه قصة حب، تنتهي بشكل مأساوي فقط لان ابن الملك الاسباني فليب الثاني كان عاشقا لزوجة أبيه، الملكة اليزابيت، بل وأثار تمرد الفلاندرييين. قتل في الاوبيرا؟ أمر معروف وعادي. ولكن قتل قومي ايضا في شوارع اسرائيل بات أمرا عاديا. والوحشية الحيوانية للعرب الفلسطينيين تتعاظم من يوم الى يوم. اما الرد الحقيقي والمناسب – فلا يوجد. نخاف من محكمة العدل العليا.

موجة الارهاب باتت منذ زمن بعيد تسونامي ارهاب. فالمخربون يعملون بذروة الوحشية والحقارة. يمتشقون سكينا ويطعنون من الظهر مارا بريئا لاح لهم في تلك اللحظة. يندفعون في مركبتهم نحو ضحاياهم ويدهسون حتى الموت عصبة من الجنود. يحفرون الانفاق ويأملون بالاختراق من فتحاتها نحو قلب بلدة. والهدف هو ذبح الاطفال، النساء والرجال. لهذه الدرجة شديدة الكراهية التي تحتدم بالتحريض اللاسامي المنطلق من رام الله.

ونحن – وكأننا نعيش في اوبيرا. نحسب الحسابات، نواصل الجدال حول ما هو العقاب الذي يستحقه هؤلاء المخربون، بل ان هناك من بيننا من “يتفهمون” الكفاح العنيف للفلسطينيين ضدنا. نحن نتصرف وكأن هذا لن يحصل لنا. ولكنه حصل بل ويحصل. هذا حصل في السامرة وفي القدس، وهو من شأنه ان يحصل (وقد سبق ان حصل) في قلب تل ابيب. هذا يحصل وسيحصل لانه لا يوجد رد مناسب – بكل معنى الكلمة – على هؤلاء القتلة ومرسليهم، لانهم يعودوننا على الضحية الدائمة هذه، ولا يخوضون حرب ابادة، وحشية، حادة، قاسية، مؤلمة ضد ارهاب الافراد.

وعودة الى الاوبيرا. اسم المقتول دون كارلو محفور الى الابد. وذلك أيضا لان تصفيته على يد أبيه الملك دخلة كتب التاريخ، وكذا بسبب المسرحية التي كتبها فريدريخ شيلر وكذا بفضل الاوبيرا التي أعد موسيقاها جوزفيه فارتي. ولكن من سيذكر القتيل عديئيل كولمن؟ اسمه لم يكن معروفا على الملأ قبل يوم الاحد الماضي، وصعد الى العناوين الرئيسة بهذا الشكل المأساوي فقط لكونه يهوديا، شق طريقه ببراءة في البلدة القديمة في القدس، وكان فريسة لحيوان مفترس ونذل يكره اليهود. أمام سكين القاتل التي غرست بشدة في جسده لم يكن لديه أي أمل.

عديئيل كولمن هو أيضا أنت، انت، أنا، وكل واحد منا. هذا حصل له، ذاك الرجل لطيف المعشر، الاب لاربعة، ابن 32 فقط، الذي اقتطف قبل اوانه، ويمكن لهذا أن يحصل لكل واحد من مواطني اسرائيل. ورغم ذلك، لا يمكن الا يشعر المرء بلا مبالاة الجمهور تجاه هذا القتل الفظيع. أجواء من الاعتياد، التسليم بالمحتم المزعوم. مثل هذه الاجواء، التي تقترب من التسامح، الرغبة في احتواء المصيبة، اضافة الى الرد الامني النموذجي (الاعتقالات، هدم المنازل، الاجراءات القانونية التي تذيب احساس الغضب الفوري) يشجع المزيد فالمزيد من أعمال الارهاب الاجرامية بحق يهود بلاد اسرائيل.

عندنا هذه اوبيرا اخرى. واقع شبه يومي. يوم آخر يمر ، وبعده يوم غيره واسم عديئيل سينسى من الوعي، وفقط في اوساط ابناء عائلته سيبقى فراغ كبير من يدري اذا ما يسد في أي يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى