الأخبارمقالات وآراء

العبث بأمن مخيمات لبنان .. وخلفيات استهدافها

*د.رمزي عوض – لبنان

المخيمات الفلسطينية في لبنان أنشأت عقب نكبة فلسطين عام 1948، وكانت الأونروا تشرف على 16 مخيما رسميا، دمرت منها ثلاثة أثناء سنوات الحرب وتحديدا منذ عام 1974 وحتى عام 1976 ولم تتم إعادة بنائها من جديد وهي: مخيم النبطية في جنوب لبنان، ومخيما دكوانة (تل الزعتر) وجسر الباشا في بيروت. وهناك مخيم رابع هو مخيم جرود في بعلبك تم إجلاء أهله منه ونقلهم إلى مخيم الرشيدية في منطقة صور، وبذلك أصبحت المخيمات الفلسطينية في لبنان هي 12 مخيم رسميا.

اتسمت المخيمات الفلسطينية في لبنان تاريخيا كونها خزان وطني بامتياز للفدائيين منذ انطلاق الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبذلك اكتسبت رمزية وطنية عقب اتفاقيات أوسلو والاعتراف الفلسطيني العربي بقرار الأمم المتحدة رقم 194 فأصبحت رمزا معنويا لحق العودة، واصبح البؤس والحرمان عنوانا انسانيا لتلك المخيمات، وبحكم إلغاء اتفاق القاهرة الذي كان ينظم الوجود الفلسطيني في لبنان من قبل الدولة اللبنانية من طرف واحد أصبح الفلسطيني يعاني الفقر والحرمان والقهر وضياع الشخصية القانونية.

كل ماسبق كان سببا في تحويل المخيمات الى بيئة حاضنة لكل ماهو غريب عن الثقافة الوطنية الفلسطينية، حيث دخل الفكر الشيوعي في المخيمات وتطرف في طرحه لحل قضية فلسطين، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشى هذا الفكر متحولا لفكر علماني أضاع بوصلته الوطنية ضمن النسيج الفلسطيني، وبالتوازي مع ذلك كان فكر الإخوان المسلمين مطروحا بقوة ويأخذ مجراه بفكر إسلامي مفترض وجد لنفسه بيئة حاضنة تمثلت في دعوات (الإسلام هو الحل)، وتلاه فكر القاعدة الذي وضع جذورا للتطرف في الفكر المطروح وحول بوصلة الهدف عن فلسطين، حيث تطور هذا الفكر منشأً عددا من المجموعات المتطرفة تحت شعارات اسلامية مختلفة.

طبعا لم تخلوا يوما المخيمات من الاستهداف الصهيوني فكانت هناك شبكات عملاء تم كشف العديد منها، نفذت اغتيالات وساهمت في إبراز حالات معينة لضرب الفكر الوطني الفدائي، برز ذلك الدور في عدد من اعترافات للعملاء الذين قبضت عليهم أجهزة الامن اللبنانية وبقيت قصص البريد الميت في تلك الاعترافات تضع اصابع شبهات وتحاليل حول دور العدو الصهيوني في توتير الوضع الامني داخل المخيمات.
في ظل تطور الفكر المتطرف وعدة عوامل سياسية أخرى، أسر (مخيم نهر البارد) شمال لبنان من قبل مجموعة (فتح الإسلام) المتطرفة وتحول المخيم الى ساحة حرب حقيقية تم القضاء خلالها على المتطرفين ورغم مرور مايقارب عن عشرة أعوام لازال المخيم يصارع في اعادة اعماره ولازال الكثير من أهالي المخيم يقطنون خارجه.

عاد التطرف ليحاول في مخيم عين الحلوة ولكن هنا برز الوعي من تجربة مخيم نهر البارد، فمن الكفاح المسلح الفلسطيني الى القوة الامنية المشتركة الى القوى العسكرية لحركة فتح والفصائل تم قوقعة تلك الحركات المتطرفة والاتفاق على صيغة عممت على العديد من المخيمات وهي (الأمن بالتراضي) تلك الصيغة شرعنة وجود بعض المتطرفين وأصبح المتطرفون رجال خير ودعاة أمان وكأن تاريخهم الارهابي تم مسحه بممحاة سحرية، وطبعا هذا هو حل (أفضل الممكن) شرعته السياسات اللبنانية والفلسطينية.
تطور المفهوم السياسي اللبناني للوجود الفلسطيني في ظل ماتعانيه المنطقة العربية من حروب استنزافية حولت المنطقة لساحة حرب عالمية شاركت بها كل الاقطاب العالمية وكل له أهدافه التي يحاول شرعنتها بالسياسة تارة وبالقوة تارة أخرى، وبما أن لبنان يحوي نظام سياسي توافقي كان لابد من ابعاد المخيمات الفلسطينية عن تلك الأحداث الدولية قدر الامكان فكان الدور الأبرز للواء عباس ابراهيم منذ توليه رئاسة فرع مخابرات الجيش اللبناني في الجنوب الى ادارة الامن العام اللبناني، فكان هو نقطة التحول الكبيرة في تاريخ الوجود الفلسطيني فكون شبكة علاقات مع جميع الاطراف وأصر على ابعاد المخيمات عن أحداث المنطقة من حرب العراق ووجود القاعدة الى الحرب السورية وبذلك حافظ على وجود المخيمات وكرس صيغة أن (المخيمات هي رمز للعودة) الى فلسطين بالتعاون من القيادة السياسية الفلسطينية، وأخيرا كانت دعوته الى التعاطي مع الفلسطينيين من باب انساني وليس من باب أمني.

واصلت الأجهزة الامنية اللبنانية ايجاد حلول للتطرف داخل المخيمات بالتعاون مع السياسيين الفلسطينيين وكانت حملة تسليم للمطلوبين داخل المخيمات ضمن ثلاثة شروط معلنة او غير معلنة وهي (الاول: حفظ الحق الانساني للفرد وصون كرامته مهما كان ملفه، والثاني تسريع الملفت القضائية والأحكام، والثالث اعتبار المطلوب هو جزء من النسيج الفلسطيني وبذلك لايمكن أخذ الفلسطينيين بالشبهات حين الاختلاط بهم)، كما كانت عملية اعتقال المتطرف عماد ياسين المتهم بأنه أمير داعش وبعملية أمنية محكمة تمثلت بجلبه من داخل المخيم وتقديمه للقضاء ذات وقع قوي ورسالة أمنية لبنانية بأن الاجهزة الامنية اللبنانية لن تسمح بنمو تطرف قوي داخل المخيمات الفلسطينية، أرخت بظلالها مكونة ارتياح فلسطيني للوضع الامني داخل المخيمات.

ويبقى يؤرق الوجود الفلسطيني في لبنان ملفين أساسيين هما سياسة تقليصات الاونروا والحقوق الانسانية للفلسطيني في لبنان، وهذين الملفين هما الان على (طاولة اللحظة)، وعند تحقيق خرق او مكاسب فلسطينية لبنانية لضمان الحق الفلسطيني سوف تخرج المخيمات نهائيا من دائرة الصراع في المنطقة وستوحد الرؤية والبوصلة باتجاه العدو الحقيقي وهو الكيان الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى