مقالات وآراء

الشباب بين الواقع والطموح (آفة المال العربي.. القاتلة)!

حسن حميد – طريق القدس

 

هاأنذا,

أعترف صراحةً، بأنني كنت ومنذ سنوات، أود أن أصرخ بملء صوتي صرخات لا تخلو من المرارة والألم والحزن العميق، وأنا أرى الذهنية العربية تتخبط كالممسوس بمسّ، فلا تسلك درباً بادياً ينتهي إلى نهايات واقعية أو محلومة، ولا تفكر بآليات وطرق تخلص  هذا الواقع الموجع من عقابيله ومخاطره والأذيات الكبرى التي لحقت به منذ ألف سنة وحتى هذه الساعة، وربما إلى أزمنة أخرى تالية لا يعلمها إلا الله، ذهنية محكومة بسطوات عدة، من أبداها أنها ذهنية مستغرقة في الماضي، ذهنية تقول إن كلَّ شيء بات في الماضي، المجد في الماضي، والقدوة في الماضي، والانتصارات في الماضي، والإخلاص والقيم والمحبة والتوادد في الماضي .. أما الحاضر فهو عيشٌ مفكرٌ به على طريقة التاجر، كل يوم بيومه ! وأما المستقبل فهو دنيا علوق بالأحلام واليوتوبيا، دنيا لاتصل إليها قدم ولا تطالها يد! ومن السطوات المتحكمة بالذهنية العربية أيضاً أنها ذهنية تعتمد على ( الارتجالية ) في معظم نشاطاتها,فالقرارات,والمواقف،والمشاريع,والمؤتمرات,والملتقيات,والندوات,والمؤلفات, والترجمات,والجامعات,والمدارس,والسياسات، والصناعات, والزراعات, وأعمال السياحة, والمهن .. كلها خاضعة لسطوة ( الارتجالية)، وهذا ما يجعل معظم حياتنا العربية أيضاً منهوبة من الظروف, والمصادفات، وآفه الاستعجال, مثلما هي منهوبة من التخطيط والإعداد . وكذلك سطوة ( الطارئية ) هي الأخرى تتحكم بالذهنية العربية .. فتجعل أهل القرار:الوزراء, والقادة، والمدراء .. أصحاب نفس قصير لأنهم لايدرون متى تحين ساعة عزلهم أو إقالتهم، ولذلك  فهم يحمدون الله عند نهاية دوام كل يوم، بأنهم قد يبقون في مهامهم وأعمالهم وسلطاتهم .. لليوم الآتي، إلا إذا فكر صاحب الأمر بعزلهم ليلاً ! وهذا مايحول بين هؤلاء المسؤولين والتخطيط لأي استراتيجيات تخص العمل، والتقدم، والتطور، في أي مشروع، وعلى أي صعيد .. ذلك لأنهم يفكرون وفق توجهات (الارتجالية)، ووفق قناعاتهم بأنهم ( طارئون ) في المكان، والمكانة، والوظيفة .. وبذلك تصير الحياة كلها ارتجالاً على إيقاع ثقافة ( الطارئية ) و هاجس المغادرة في أي لحظة! والسطوة الأخرى التي تتحكم بالذهنية العربية هي ( الغُنم), أياً كان شكل هذا الاستحواذ وحجمه، فالصغير على الصغير يصير كبيراً، والكبير على الكبير.. يصير اجتماعاً، وجاهاً، ونفوذاً، وبشراً ينتظرون على الأبواب والأرصفة ..

إذاً، منذ أمد بعيد، وأنا أود أن أصرخ بملء الصوت .. لعل بعض أهل هذه الأمة يعون بأن لامكان لنا من دون ذهنية عربية حضرية جديدة .. تمحو الذهنية البدوية بممحاة اجتماعية شدود، بممحاة علمية صارمة، بممحاة وطنية صادقة مخلصة، لأنه لا مكان لنا ظاهراً بين الأمم والشعوب من دون أمرين اثنين : الأول هو العمل ومتطلباته، والثاني : هو الشباب وطموحاتهم! وكلا الأمرين، وعلى الرغم من أهميتهما البادية، لانعطيهما حقهما في التفكير,والتخطيط، والرعاية، والاهتمام !

في هذه الورقة، أبني ما سأقوله .. على أسئلة أربعة هي : من هم الشباب، وماهو واقعهم, وماهي طموحاتهم، وماهي الآفة المدمرة لطاقتهم التي تحول دون بناء تقدم حقيقي، وتطور حقيقي، وحداثةٍ حقيقيةٍ بحلمون بها ؟!

أولا : من هم الشباب ؟!

في ظني، مامن تعريف لجيل الشباب عندي سوى قولي بأن حياة المرء هي حياة شباب منذ الولادة وحتى الانطفاء مادام العقل مؤمناً بأن الكتاب الأوفى والأكثر احتشاداً بالمعاني، والأكثر سعياً لبناء الحياة .. هو كتاب العمل من أجل المضايفة، والنقش، والإبداع، والاشتقاقات الجديدة البهّارة!

كل شيء في هذه الحياة، وأي حياة على الإطلاق، مشدود إلى أمرين اثنين هما، الأول : العمل، والثاني: الشباب، ذلك لأن العمل هو جوهر الحياة ومرآتها الأبدى، ولاصانع للحياة  ولا قائم بها .. سوى الشباب . لأن الطفولة هي الضفة الاولى التي تحيط بنهر الشباب، إنها قرية وادعة، ناحلة مثل أمنية صغيرة، محتشدة بالعلامات الراشدة إلى حياة شبابية قادمة، والشيخوخة ليست هي سوى  الضفة الثانية المحيطة بنهر الشباب أيضاً، إنها اجتماع النظر المصوب نحو الخطا الشبابية التي اشتقت الدروب، وبنت الأرض، إنها قرية وادعة أخرى، ناحلة مثل أمنية صغيرة أيضاً.. محتشدة بالأمل العظيم وهي تواجه نهر الشباب الذي يجري مدفوعاً بفورة العمل، إنهما معاً، الطفولة والشيخوخة، ضفتا الشباب، وهما معاً الغلاف الذي يحيط بلبابة الحياة، لأن أولاهما ملأى بالذكريات والعلامات الراشدة,  والثانية ملأى بكل معاني الحراسة النبيلة!

والحياة، كما هو معروف بداهةً،  حياتان، حياة الفرد، وحياة المجتمع ! وكلاهما مرآتان .. لاتبدو الأشياء والصور والكائنات ترسيمات فيهما من دون الضوء، ولاضوء لهاتين الحياتين من دون الشباب ! لأن الشباب هم التعريف الأكثر قناعة بأنهم هم الحياة، وهم العمل، وهم الرجاء، وهم الأمل، وهم المعنى الأكبر، فالشباب ليسوا المستقبل وحده، بل هم الزمن باجتماعه في مدده الثلاث : الماضي والحاضر والمستقبل, مثلما هم اجتماع لخبرات كائنات ثلاثة هي : الأجداد، والآباء، والأبناء ! والشباب أيضاً هم أهل حمولتين وافيتين، حمولة الماضي، وحمولة الحاضر .. من أجل اشتقاق حمولة ثالثة جديدة في الصياغة، والتعبير، والإيقاع، والمسعى، والمآل. والشباب هم الوارثون .. للأرض، والتاريخ، واللغة، والقيم، والعادات، والتقاليد ، والأعراف، والتصورات، والمعاني، مثلما هم الوارثون  ليس لأحلام  الاجداد والآباء فحسب، وإنما للجروح، والآلام، والندوب، والخيبات، والهزائم، والنكبات، والويلات، والأسئلة الدامية !  إنهم عصب الحياة وعزمها .. وصبرها المكين ! أو قل بطمأنينة وارفة  إنهم بناة الحياة !

ثانيا : واقع الشباب ! ماهو! ؟ وكيف ننظر إليه ؟!

إنني وبكل وما أملك من الوعي، أطالب بالنظر إلى واقع الشباب وهم في البقع الأرجوانية الآتية : الريف والمدينة، الماضي والحاضر، المدرسة والجامعة، المهن الصناعية، أشغال الزراعة، أشغال السياحة، المؤسسات والدوائر الحكومية، فرص العمل وأوقاته، هجراتهم، قيمهم، رغباتهم، أفكارهم، مشكلاتهم، المفكر ُ به، والمسكوت عنه، ميراثهم، وتراثهم!

إن قراءة الواقع الشبابي قراءة متأنية، وبأيدي العارفين من أهل الخبرة والوطنية والانتماء ..، ومن خلال هذه البقع الأرجوانية ستقدم لنا، من دون أدنى ريب أو شك، أدلة وافية، ومدونة ثقيلة بالمعنى المعرفي .. لأن فيها تكمن الصورة الحقيقية البعيدة عن كل زيف أو هوى، ومن دون حيازة هذه الصورة ومعرفتها .. لن نخطو خطوة واحدة باتجاه مايطمح إليه الشباب.

ليس عندي أدنى ريب، بأن حال الواقع الشبابي،  وهي حال مشتقة أو حال معبرة عن الواقع العربي برمته، هي حال صعبة و مؤلمة ومألومة في آن، ولكن لابدَّ من هذه القراءة، أي لابدَّ من المكاشفة، لأن الزمن مهما قصر أو طال، لن يحول دون هذه المكاشفة ! كثيرون يقولون في طيَّات هذه المكاشفة أوجاع، ومخاطر، وعقابيل، وثغرات، ومفاسد، وخيبات .. وتدني في المستوى، وهبوط حاد في الانتماء والوطنية، والمصداقية والإخلاص ! و يضيفون إن في هذه المكاشفة انفتاحاً على مغاور وكهوف وأقبية محتشدة بالأخبار والأحداث والحادثات التي لاتسرأحداً ! وكل هذا صحيح .. لكن لابدّ من المكاشفة والمصارحة .. ليس لأن معرفة واقع الشباب تستوجب هذه وتلك فحسب، وإنما لأن تعزيز معاني الانتماء الوطني يتطلب ذلك !

كل الأمم تلتفت إلى الوراء، تعود إلى الماضي، تقرأ، تراجع .. لأن المراجعة هي التي تؤكد بأن الخطا تمشي إلى الأمام، وأن القلب يدق من أجل الآتيات من الأيام . اليونان يعودون إلى أزمنة الإغريق، أزمنة أسبارطة، وطروادة، وفلسفة سقراط، وأدبيات اسخيليوس .. وأهل روما، والهند، والصين، وروسيا، وإيران، والاسكندناف، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشمالية … إلخ  كلهم يعودون إلى الماضي .. ومثلهم العرب، لكن مايميز هؤلاء عن هؤلاء .. أن العرب استغرقهم الماضي .. فصار المثال، والعقيدة، والنورانية، والتقدم، والإخلاص، والوفاء،والنبل,والفروسية,والأصالة .. كل شيء صار في الماضي ! هؤلاء أهل اليونان، وروما، والهند، والصين، وروسيا، .. إلخ تحللوا من ارتباط الماضي وتفاصيله,وأعلامه وأحداثه، وأخباره، ومعطياته، وعلومه .. لأنه صار لهم ارتباطات جديدة بالحاضر، وصار لهم أعلامهم، وأخبارهم، وأحداثهم، ومعطياتهم، وعلومهم  الراهنة، العرب ليسوا هكذا لأن مفهوم(الماضوية) فتك بهم فجعلهم يمشون يومهم وهم في التفات دائم إلى الوراء، إلى الماضي الذي صار مقدساً. أنا وأنتم نعرف أن في ماضينا ماهو جدير بالقداسة حقاً، لكننا نعرف أيضاً أن فيه ما هو غير جدير حتى بنظرة عجلى!

  المكاشفة، والوعي، والثقة بالنفس، والعمل هي الجهات الأربعة التي تشكل المؤيدات الحقيقية لشبابنا وهم يبنون الحياة. إن المراجعة التاريخية للحال العربية أعني الواقع العربي، وأمام نظر الشباب وبأيديهم .. ستقول لنا ومن دون ظنٍ إن  آثار الذين احتلوا البلاد العربية، منذ ألف سنة، ماتزال بادية، وهي آثار بحاجة إلى إزالة ومحو شديدين، وإن المراجعة التاريخية للجغرافية العربية ستؤكد لامحالة بأن المحتلين والطامعين .. قسموا البلاد العربية, ففتكوا بأنبل قضية، وأعز مبدأ، وأصدق انتماء .. أعني وحدة الأرض العربية ! فصارت التجزئة مع تقادم الأزمنة، وضعف الانتماء القومي، وتدابر المصالح وتنازعها .. وطناً ووطنيةً، وصارت الحدود أمكنة محروسة ليل نهار بالحراب والشياطين، والمعطيات الإلكترونية!

وإن المراجعة الاجتماعية .. ستقدم لنا،  مفاجأة كبيرة، هي شيوع ثقافة شائهة لها علاقة بثقافة المدينة الواحدة، والحي الواحد، والعشيرة، والطائفة، والمذهب  .. وكل هذا ارتماء عبثي في دائرة التفاصيل التي شققت كل ماهو جوهري حتى صار بعثرة وبدداً . والمراجعة الاجتماعية لشخصية الفرد تؤكد بأن السعي إلى الاستحواذ، والظفر بكل شيء باعتباره غُنماً .. جعل الأفراد رجالاً من الإسفنج  .. وظيفتهم في الحياة هي وظيفة الاسفنج نفسه، فهم وكيفما تحركوا وكيفما حلّوا .. يمتصون كل رطب مرغوب به، ثم يمضون به إلى جيوبهم وخزنهم .. فيعصرونه فيها، ومن ثم يعودون لامتصاصٍ جديدٍ، وعصرٍ جديدٍ .. وهكذا دواليك طوال حياتهم .

والمراجعة الثقافية ستؤكد بأن الخلاص الفردي، أي النجاة الشخصية، صار من أهم السبل التي يمشي بها الأفراد، فالمهم والأولي بالنسبة إليهم، هو أن يكون  الرأس سالماً حتى لوقطعت رؤوس الآخرين، والمهم هو أن تكون أنت وليذهب غيرك إلى الجحيم.. كل هذه الثقافة التي يمشي بها السلوك .. هي بين أيدي شبابنا فكراً وممارسة ! فهم يعرفونها ويعيشونها  وهنا الخوف الأكبر، لأن عدم المراجعة، وعدم تسخيف هذه الغايات القاصرة والدونية، وكشف غاياتها الربوية التافهة سيؤدي،  وقد أدى، إلى سلوك الكثير من شبابنا هذه السبل، وتبني هذه الثقافة التي ضخمت الذات، والمصالح، والمطامع .. أمام الانتماء، والوطنية، ومفهوم الدولة .. تلك الثقافة  الشائهة التي اختصرت الحياة بجملة واحدة هي : الحياة غُنم ! من دون أن نسأل كيف، ولماذا ؟ وعلى حساب مَنْ ؟!

والمراجعة لأحوال الريف / القرى، وأحوال المدن الصغيرة والكبيرة معاً .. عبر قراءة للثقافة السائدة فيها، ومعرفة  أحوال المعيشة، والعادات، و التقاليد، والأعراف، والإيجابيات، والسلبيات .. هي من الأمور الضرورية والجوهرية .. لأن قرى وأريافاً ومدناً .. نسيت في مراحل زمنية متعددة لأسباب وضيعة لها علاقة بالهوى، والنوازع، والنظرات الضيقة، وغياب مفهوم الوطنية، والانتماء .. وقد بات من الضروري إعادة الاعتبار لها مكاناً ومكانة وتاريخاً وبشراً لأن الوطن يتسع للجميع.

والمراجعة الأهم هي مراجعة أحوال المدرسة بمقاماتها الثلاثة : الابتدائية، والإعدادية، والثانوية .. ومعرفة مايقدم من مناهج للطلبة الذين سيكونون في لحظة تاريخية قادمة هم حماة الوطن وحراسه، وهم حملة رسالاته وأدبياته وثقافته وهم من سيسألون عن نهضته وتطوره، إذ لابد من معرفة ماذا يقدم لهؤلاء الطلبة بدقة متناهية، ومعرفة مسار هؤلاء الطلبة في الحياة؟ أي معرفة الذين يتخرجون في المدرسة، وإلى أين يتخرجون؟ ومعرفة الذين حازوا الشهادات، وهل أصبحوا من أهل العمل والعطاء أم لا ؟! ومن بعد فإن معرفة واقع الشباب وخصوصاً أولئك الذي يتسربون من المدرسة لسبب أو آخر، ووضع برامج لتطوير قدراتهم لكي يكونوا جزءاً من الشباب العاملين على بناء المجتمع، وإلا فإن هؤلاء سيكونون مشكلة اجتماعية كبيرة جداً يصعب حين تتنامى أعدادهم السنوية، التعامل معها ومعهم من دون خطة مدروسة تكون كفيلة باستيعابهم .

والمراجعة الأهم أيضاً هي مراجعة أحوال الجامعة من حيث واقعها، ومناهجها، وكوادرها، ومراكز بحوثها، ودرجاتها العلمية، ومواقعها بين الجامعات العربية والعالمية، ومن بعد الجهر بالسؤال : أين هم طلبتنا الشباب من ثقافة الكم وثقافة النوع ! وهل كنا قادرين حقاً  على استيعاب طلبتنا حاملي الشهادات الثانوية في جامعاتنا ومعاهدنا، ثم هل بمقدورنا توفير فرص العمل المناسبة لهم داخل المجتمع؟!

والمراجعة المهمة الأخرى هي المراجعة  التي تدخل إلى قلب الحياة، أي إلى داخل أحوال الجهاز الإداري في المؤسسات والدوائر الحكومية، من أجل الوقوف على آليات العمل، وعلاقة العاملين بمفهوم ( الوظيفة)، والعاملون هنا في الغالب الأعم .. هم من الشباب ! ثم لابد لنا من أن نسأل ماهي فرص العمل المتاحة للشباب الذين لم يحصلوا على الشهادات العلمية، وماهي أحوالهم في مواقع العمل المهني، وأشغال الصناعة والزراعة والسياحة، وأخيراً لابد من طرح السؤال الكبير! .. أين هم شبابنا من واقع الهجرات، والأحلام، والرغبات، وما الذي  يفكرون به علناً، وما الذي يفكرون استتاراً، وماهي مشكلاتهم القديمة الجديدة معاً، وماهو ميراثهم الذي حملوه قسراً، وماهو تراثهم الذي تخيروه طوعاً ؟!

إن إثارة مثل هذه الأسئلة يعني بلاشك أن الشباب هم في صلب الاهتمام والرعاية, وعندما يكون الشباب في صلب الاهتمام والرعاية يكون المجتمع قد وعى مكمن قوته وقدراته !

ثالثاً : أما طموح الشباب فهو الفكر المشدود إلى كل المرتجى والمأمول والمحلوم والمفكّر به، والمسكوت عنه .. إنه السعي للنجاح، في وطن يتبنى ثقافة النجاح ! نجاح الفرد ونجاح المجتمع معاً

رابعاً: أما الأفة القاتلة للشباب، و المدمرة للواقع والطموح معاً فهي الزهرة المسمومة ! أعني مال النفط العربي الذي صار لعنة، ونقمة، وشراً، وأشراكاً، وأفخاخاً، وسموما ً، وطاعوناً، وانتقاماً، ومفسدة، وحروباً، ودسائس، وشراءً للضمائر والذمم، وانحطاطاً للأخلاق والقيم، وسفاهةً، وغروراً، وجهلاً .. يمشي على قدمين جهاراً نهاراً .

أقول هذا لأن مامن شيء، لا الحروب، ولا الكوارث، ولا الاحتلالات، ولا الجائحات، ولا الأوبئة، ولا التخلف، ولا الصحراء، ولا الموقع الجغرافي، ولا الرعي، ولا الماشية، ولا الصحراء، فعلت مثلما فعله مال النفط العربي بالبلاد العربية أولاً .. كمكان، وتاريخ، وعقائد، وقيم، وآداب، وفنون، وزراعة، وصناعة، وعلوم، ومثلما فعله مال النفط العربي ثانياً بالشخصية العربية التي فقدت، مع تقادم الأيام، وتحت وقع  غواية الدنانير، (وهي شخصية شبابية في الغالب الأعم ) كل أحلامها النبيلة، وأخرجت  من رأسها كل ماتعرفه عن الثورات، والطبقات، والحرية، والتعبير، والأمجاد، والديمقراطية، والنبل .. لقد أخرجت من رأسها لينين، وماركس، وغيفارا، وعز الدين القسام، ويوسف العظمة، وعوليس، وجان دارك، ودوستويفسكي، وغوركي، وناظم حكمت، وبابلو نيرودا، وبيكاسو، وجول جمال، وسعد زغلول، وهدى شعرواي، ولوركا، وجمال عبد الناصر، وأنطون سعادة، وشكري القوتلي، ونزار قباني، وعبد الرحيم محمود، وفلسطين، والوحدة العربية، والتضامن العربي، والدفاع العربي المشترك، ونسيت: أخي جاوز الظالمون المدى, وأمجاد ياعرب أمجاد، وموطني موطني، وبلاد العرب أوطاني، ووطني حبيبي وطني الأكبر، والله أكبر فوق كيد المعتدي .. مثلما نسيت فنون السينما والمسرح والفنون التشكيلية بسبب جماهيريتها.

لقد عملت ثقافة مال النفط العربي على أمرين اثنين واضحين جداً، الأمر الأول: كان موجهاً للشباب طلاب العمل والوظائف، فقد طلبت منهم هذه [الثقافة] أن يكونوا ليسوا مطيعين وودعاء  ومسالمين فقط، وإنما طلبت منهم أن يكونوا بلا عقول، بلا سمع، بلا بصر، بلا ألسنة  هذا إذا ما أرادوا العيش في بلاد النفط لكي يظفروا بنعمه، والأمر الثاني: كان موجهاً إلى التجمعات التي يشكلها الشباب في أمكنة عملهم،  فقد طلب من هذه التجمعات أن تكون كتلاً جماعية معنية بتنفيذ أوامر العمل، والعمل فحسب، أي أن تكون كتلاً محيدة اجتماعياً وثقافياً ! وإلا فالعقاب الفردي موجود والعقاب الجماعي موجود أيضاً، وأقله الترحيل وعدم دفع الأجور والتعويضات!

لهذا أقول : مامن شيء أذل، وأوهن، وأدمى، وأوجع، وآذى، وأفسد، وخيّب، وبدد، وضيّع، ولوّ ث، وجرّ، ونحّى، وعزل، ورخّص، وباع، واستعبد، وأمات، وخرّب .. الحياة العربية .. أفراداً ومجتمعات .. مثلما فعلته هذه الزهرة المسمومة  ! أعني مال النفط العربي  لأنه أعاد إنتاج مفهوم الاسترقاق والاستعباد بطرق وتعليمات وأنظمة جديدة، إنها العبودية الخاصة بالنفط العربي !

ولتوضيح ذلك أقول : انظروا إلى مال النفط العربي، ومنذ خمسين سنة وأزيد، وما الذي فعله بشريحة الشباب الذين امتلكوا الشهادات العلمية والخبرات المذهلة وقد انخرطوا في مجالات العمل المختلفة .. انظروا إلى المهندسين، والأطباء، والمدرسين، والمعلمين، وأساتذة الجامعات، والفنانين، والكتّاب، والشعراء، والصحفيين، وخبراء التقنيات الحديثة، وخبراء المهن والحرف، واسألوا ما الذي فعلته بهم حقبة النفط العربي؟!  لقد أذلتهم وأهانتهم ودفنت أحلامهم، وأوقفت طموحاتهم عند غاية واحدة وحيدة هي جمع المال ولا شيء غير ذلك .

منذ خمسين سنة وأزيد، وهؤلاء الشباب، حملة العلم والشهادات والخبرات .. ينظرون إلى مال النفط، ويرجون ثم يرجون لو أن الحظ يبتسم لهم فيقف إلى جانبهم، فيصيروا من أهل الظفر بنعمه، وذلك من دون أي حساب للكرامة، وبعيداً عن كل حساب لأي شكل مهين في التعامل، ذلك لأنهم رأوا أن ساسة كباراً، كانوا في أعلى المناصب الحكومية في بلاد الشام، والعراق، ومصر، والمغرب العربي، والسودان .. ذهبوا إلى بلاد النفط العربية، وباتوا مجرد أسماء تابعة لقصور الملوك والأمراء، وأن اقتصاديين كباراً ورجال أعمال، ذهبوا إلى هناك أيضاً، فصاروا مجرد أرقام ! وأن أساتذة جامعات حازوا أعلى الشهادات العالمية وأهمها، باتوا ملحقين بالديوان الملكي الفلاني أو بالديوان الأميري الفلاني، وإن سألهم المرء ماذا يفعلون ؟ يقولون بسعادة : لاشيء سوى أنهم يشربون القهوة ويأكلون التمر ! لقد غُمرت علومهم وشهاداتهم وخبراتهم .. غمراً بالمال .. حتى ابتلت وحيّدت !

وأساتذة جامعات شباب يعملون في جامعات بلاد النفط، باتوا يمنحون شهادات الماجستير والدكتوراه حسب الولاءات العشائرية والقبلية والمناطقية وحسب ماتطلبه مراكز القوة والنفوذ، وحسب ما تقول به مدونة الأنساب ! وإن أطباء شباباً لامعين فتنوا أهل الغرب وأدهشوهم بقدراتهم وبنباهتهم واشتقاقاتهم الجديدة .. باتوا يعالجون الجرب، و ( حيات الهوا) و ( لدغات الأفاعي والعقارب)، وأن مهندسين شباباً كانت أحلامهم مشدودة إلى غايات نبيلة، كأن يحولوا الصحراء العربية إلى جنات، وجسور، وطرق، ومدن، ومنشآت، ومعامل، لكنهم، وحين ذهبوا إلى هناك، صاروا مجرد موظفين يعرفون عن القهوة، والهال، وحبة البركة، والسحر الأسود .. أكثر مما يعرفونه عن علوم الهندسة . ومدرسون ومعلمون شباب لايجرؤون على الحديث مع طلابهم، كما لايجرؤون، بالطبع، على توجيههم أو تأنيبهم  لأن ثقافتهم صارت تعمل وفق إيقاع ( المال المال، ولاشيء غير المال !)، وأن شعراء شباباً أصحاب دواوين، وتجارب .. ذهبوا إلى بلاد النفط، فكفوا عن كتابة الشعر لأنفسهم .. لأنهم صاروا يكتبون الشعر الفصيح والنبطي للأمراء، وقادة الشرطة، والحرس الوطني، وقادة الهجانة، وشيوخ القبائل والعشائر، والوزراء، لقد كفوا عن كتابة الشعر للقدس، وكفرقاسم، ومحمد الدرة.. لكي يكتبوا الشعر عن سباق النوق! ولقد لحق بالشعراء نفر غير قليل من كتاب الرواية .. لأنها حال جديدة أو قل رغبة جديدة من رغبات ( ملوك المال) فباتوا يكتبون الروايات عن المضارب، والصيد، والقنص، ولواعج العشق بين النوق، والغياب المرّ.. للنوق طبعاً.. فيضع أصحاب المال أسماءهم عليها، وأن فنانين تشكيليين لهم قاماتهم العالية، ومواهبهم الآسرة .. صاروا (عمال جبصين),  ورسامين على السقوف والحيطان، والأدهى أن بعضا منهم ظنوا وهماً أنهم باتوا مثل مايكل أنجلو الإيطالي حين كان يرسم على سقوف الكنائس في روما، أو ينحت التماثيل ليزين بها شوارع فلورنسا، وأن فنانين وموسيقيين ومخرجين محترفين من الشباب  في مجالات المسرح والسينما والتلفزيون .. يعرفون شكسبير، وشارلي شابلن، وأنطوني كوين، وأبسن، وموزارت، وتشايكوفسكي .. تدافعوا وتزاحموا على أبواب ( ملوك المال) بتوصيات من سماسرة المسلسلات والمحطات الفضائية .. فلم تكن الحظوة لأحد منهم  إلا لمن  كان يشبه الأمير الفلاني، أو ابن الملك الفلاني، أو لمن حلت جمالاً وزينة وشكلاً في عين صاحب المال ومالكه . وأن أهل لغة وترجمة وتعددية ألسن مهولةمن الشباب  ذهبوا إلى بلاد النفط .. فصاروا ببغاوات ليس إلا، وأن أهل الرياضة الشباب هم أيضاً لحقوا بالجميع هناك .. فقيّدوا بعقود وشروط كما لو أنها سجون حديدية ! وجميلات إلى حد التعب والشهقة معاً ذهبن إلى هناك فصرن في السر بغايا في البيوت الخاصة! وصرن في العلن مدلكات ومزجّجات ومزيّنات  لكائنات تشبه أشجار السدر .. تسمى لديهم بالنساء !

والحق، وكي لانعمم ! وكي لانقول إن تاريخ الحقبة النفطية العربية واحد، أشير إلى أن الكثير الكثير من الشباب الذين ذهبوا إلى بلاد النفط العربية، وفي بداية الخمسينيات والستينيات والسبعينيات أيضاً .. قاموا ببناء دول الخليج العربي إدارياً .. من الديوان الملكي أو الأميري إلى أصغر دائرة إدارية، وأنهم قاموا بالعمران والبناء وشق الطرق  مثلما قاموا بتأسيس المدارس والجامعات ووضع برامجها .. وتعليم أبناء الخليج علوم المعرفة كلها ..

لكن بات من الأمور المهينة فعلاً، والمهينة جداً، أن تسمع شبابنا يقولون وهم على مقاعد الدراسة ( مقاعد الجامعة خصوصاً) بأنهم سيأخذون الشهادة ويذهبون إلى دول النفط لكي يكوّنوا أنفسهم ! أي لكي يكوّنوا مستقبلهم ! وكأن هذه البلدان العظيمة بلاد الشام، ومصر، والعراق، والمغرب العربي، والسودان، ماعادت قادرة على تمكين أبنائها من أن يكوّنوا أنفسهم فيها، ومن أن يكوّنوا مستقبلهم، أيضاً! إن هذه من أكبر الهزائم السنوية التي تُمنى بها هذه البلدان العظيمة، لأن خسارة الشباب تعني خسارة العمل، وخسارة العمل تعني خسارة الحياة!

والسؤال المؤلم .. لماذا  يحدث هذا لشبابنا، منذ العقود الخمسة الأخيرة من عمر دولة الاستقلال  العربية وحتى هذه الساعة ؟! وكل هؤلاء الشباب قادمون من بلاد الحضارة، بلاد الشام، بلاد فينيق وكنعان، بلاد الأبجدية والموسيقا العظيمة، بلاد الغوطتين، بلاد الأمويين، ومن بلاد الرافدين ، بلاد سومر وأكاد، بلاد جلجامش وعشتار وتموز، بلاد العباسيين، ومن بلاد مصر بلاد الحضارة الفرعونية، بلاد أرفع رأسك يا أخي العربي، بلاد النيل العظيم، بلاد الأهرامات الخالدة، بلاد الأنبياء و التآخي، ومن بلاد المدنية، بلاد المغرب العربي، بلاد الموحدين والمرابطين، بلاد القيروان، وفاس، وابن خلدون .. والجواب : وهو مؤلم أيضاً وبكلمة واحدة : المال! إن ثقافة الاستحواذ على المال هي السبب الجوهري لكل هذا الخراب الذي فتك بشباب الأمة، فخدَّرهم وقتل أحلامهم!  ولم يكن هذا السبب سوى النصف الأول الذي يكمله النصفُ الثاني القاتل أيضاً والمتمثل بمعظم السياسات الخاطئة لهذه البلدان العربية العظمية التي أغفلت الاهتمام بمعظم أجيال الشباب منذ الطفولة .. وحتى وقت التزاحم على أبواب ( ملوك المال) .

إن ( ثقافة المال )، وثقافة (التحييد والإقصاء) هما من فتك بشبابنا،  أهل الطاقات والعلوم والإبداع، وهما من دمر النسيج الاجتماعي، ومنظومة القيم، وهما من غيّرالأولويات، فصار المال في المراتب الأولى .. وصار الوطن والانتماء والقومية .. في المراتب الأخيرة!

والحل ؟! الحل يتمثل في أن نسترد شبابنا .. أطباء .. ومهندسين، ورجال اقتصاد، وفنانين، وكتاباً، وصحفيين، وشعراء، وحرفيين، وخبراء تقنيات واتصالات … من خلال توفير أمرين اثنين : أولهما : فرص العمل المناسبة لشبابنا وبرواتب تليق بكفاءاتهم تقارب ما يدفع لهم في بلاد النفط أو مثلما كان يدفع لهم ! والثاني: تقديرهم واحترامهم بوصفهم أبناء لأبوة سامية هي أبوة الوطن!

إنني أسأل لو توافر المال، وتوافرت فرص العمل، وساد القانون في هذه البلاد العربية العظيمة التي أنتجت العمران، والكتب، والإبداع، والاشتقاقات، والعلوم .. هذه البلدان التي ناددت الإغريق، والرومان، والفرس، وأهل السند والهند والصين .. فبدت، وظاهرت، وتفوقت في أزمنة مختلفة ! .. أسأل لو توافرت هذه الأشياء الثلاثة فقط : المال، وفرص العمل، وسيادة القانون فيها… تُرى هل سيفكر شبابنا، أياً كانت توجهاتهم .. وأياً كانت اختصاصاتهم، وأياً كانت خبراتهم.. بدول النفط  ومالها؟! وهل سيتحمل الواحد  منهم مشهديات الإهانة والمذلة اليومية هناك ؟ إنني أقول مثلكم، وبكل البساطة، لا ! لأنه لو توافر المال،  وتوافرت فرص العمل، وساد القانون .. فاستظل الشباب بظلال هذه الأمور الثلاثة .. لما كنا على هذه الحال التي نحن عليها اليوم، وأعني باليوم منذ خمسين سنة وحتى هذه الساعة! تُرى أما كان شبابنا بقادرين على أن يبنوا بلادهم، ويطوروها، ويتقدموا علمياً وإبداعياً في جميع حقول العلم والمعرفة لو توافرت لهم هذه المظلة الثلاثية الرائعة، أعني : الأموال،وفرص العمل، وسيادة القانون ! بلى، كانوا قادرين، وقادرين جداً . لكن معظم السياسات التي عصفت بكل شيء، كانت سياسات خاطئة ليس بالمعنى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي فقط .. وإنما كانت خاطئة بالمعنى الأخلاقي أيضاً! لأنها هي، وقبل غيرها، عرفت ووعت أن طاقات الشباب تهدر هدراً في بلاد النفط، وأن حالات الاستعباد والاسترقاق تطال شبابنا، وأن الروح الوطنية والقومية  تُلغى هناك وتموت في كل دقيقة غياب عن الوطن الأم، وأن الأذيات تطال أرواح شبابنا ذكوراً وإناثاً .. إلى حد إصابتهم بالشلل الفكري والموات الروحي، وأن خبراتهم تدنت، وأن علومهم نُسيت أو ضُّيعت، وفي النتيجة الخسران! لأن الوطن خسرهم وهم الذين يشكلون طاقته، وعقله المفكر،ويده البانية،ومرآته الحضارية أيضاً.

إنني أسأل لو أننا خططنا بحق لتطوير الزراعة، والصناعة، و التجارة، و السياسة، وقطاعات التعليم، والهندسة، والطبابة، والثقافة، والإعلام، والتربية، والمؤسسات، والمنشآت الخاصة والعامة المعنية بالحرف والمهن عامة .. وجعلناها جميعاً مجالات للمفاخرة والمباهاة .. وقد عمّرها شبابنا بالعلم والعمل والانتماء الوطني .. أكنا وصلنا إلى ماوصلنا إليه في هذه الأيام الراهنة؟!

بلى مؤكدة وواضحة،

لو أننا نهجنا التفكير الذي نهجته بلدان كثيرة، وهي بلدان غير نفطية، في الخطط،والعمل، والرعاية، والمساءلة، لكسبنا أشياء كثيرة جداً، ومنها أننا كنا كسبنا شبابنا، وحميناهم من لفح رياح المذلة الكاوية، وعذابات الغربة وأمراضها القاتلة .. وكسبنا أيضاً عمران بلادنا، ولكنا أيضاً، وهذا أمر حيوي جداً، أوقفنا حمى المال وويلاته وشروره، ومن أخطرها .. شراء النفوس، والضمائر، والذمم، والسياسات، والمنظمات، والقرارات، والدول، وتخريب منظومات القيم النبيلة، وسحق الوطنية والقومية والانتماء، وإعادة انتاج ثقافة (السيد) المغرور المتغطرس، وثقافة (العبد) الذي غيّبت وعيه لوثة المال!

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى