شؤون العدو

الرأس عميق في الرمل

بقلم: نداف هعتسني – معاريف 

ليس لطيفا الاعتراف ولكن يوجد وجه شبه مخيف بين مواقف الامريكين من المذابح المتوالية لديهم وبين موقفنا من العدو الذي يسكن بين ظهرانينا، السلطة الفلسطينية. في اليوم التالي للمذبحة في الكنيسة في تكساس كان شيء ما محبط في الحديث مع الامريكيين عن بيع السلاح السائب لديهم. فقد قتل 27 شخصا من قبل غبي غضب على أهل زوجته، ولهذا فقد دخل الى كنيستهم وفتح النار في كل صوب. وقبل قراره في العروج الى السماء بعصف، اشترى من المحلات ثماني بنادق، هكذا، دون أي مشكلة؛ ما وفر له قوة نار مناسبة كي يقف بشرف في الصف الاول مع الذابح من لاس فيغاس وباقي المعقدين الذين بسبب هذا الهراء أو ذاك اشتروا سلاحا اتوماتيكيا وفتحوا النار.

في اليوم التالي لتكساس، تلوى معظم الامريكيين بالسنتهم قليلا، اخذوا نفسا عميقا وواصلوا الى الامام. حتى من يعارض منهم بيع السلاح شبه الحر في السوبرماركتات لم يفكر حقا أو يعتزم عمل شيء. هكذا هو ائتلاف السلاح، من المنتجين وحتى مؤيديهم في تلة الكابيتول، يواصلون بيع واقع وهمي ومنع كل عمل ناجع. تعيش الولايات المتحدة مع وحش أعمال الذبح التي واضح للجميع انها لن تتوقف رغم ان بوسعها ان تضع لها حدا شبه تام.

من الصعب الا يجد المرء تخفيفا عن الروح بين السخافة الامريكية النازفة هذه وبين السخافة الاسرائيلية الخطيرة حيال الوحش الذي أدخلناه بايدينا الى داخلنا. من السهل انتقاد عدم الاكتراث، التجاهل والتنكر الامريكي بالنسبة للسلاح، ولكننا نفعل ذات الشيء بالضبط مع الكيان الذي يعمل من رام الله، ذاك الذي ينشر كل الوقت الارضية من تحت اقدامنا. فنحن نزوده بالمال، بالحماية وبالشرعية بينما هو يحاول ابادتنا.

مؤخرا فقط توجه رئيس السلطة ابو مازن الى بريطانيا لطلب الاعتذار عن تصريح بلفور، الذي تكتمل له هذه الايام 100 سنة. فسلطة عباس تدير الان هجمة دبلوماسية ضد بريطانيا بسبب ذاك التصريح، رغم أن الانجليز خانوا لاحقا الشعب اليهودي وصك الانتداب وتفانوا للمحاولة العربية لابادة دولة اليهود المتشكلة. فالهجمة على الرسالة التاريخية للورد بلفور تدل على ما يزعج حقا الكيان الذي في داخلنا – ليس “المستوطنات” في يهودا والسامرة، بل حق الشعب اليهودي في بلاد اسرائيل ومجرد وجود دولة له هنا. فتصريح بلفور وادراجه في قرارات عصبة الامم يمنحان بالفعل الاعتراف الدولي بالصلة الحصرية للشعب اليهودي ببلاد اسرائيل. اما هذا المبدأ فشركاء اتفاق اوسلو غير مستعدين لان يقبلوه.

ومثال حديث العهد آخر على تجاهلنا. فبينما يواصل الفلسطينيون النشطاء من غزة حفر الانفاق الهجومية الى داخل اراضينا وسلاح الجو يقصف هنا، سمحنا لكيان رام الله بتوثيق الاتفاق مع غزة والحصول على “سيطرة” في معابر الحدود. وهكذا فاننا نمنح الشرعية وحبل النجاة للحفرة من غزة من خلال السلطة المعادية التي نتبناها في احضاننا كل الوقت. وهكذا، فنحن لا نتجاهل فقط معنى الحفر الغزي بل وايضا الحفر الرمللاوي. فأنفاق الابادة المجازية التي تحفرها سلطات رام الله كل الوقت ضدنا حتى أخطر. أنفاق التحريض، نزع الشرعية وتشجيع الارهاب.

مثل ما يكبت الامريكيون معاني بيع البنادق في فلمرت، نحن ايضا نعرف ولا نريد أن نفهم. نفهم ولا نفعل شيئا. الفارق هو ان المذابح في أمريكا، مهما كانت ممزقة للقلوب، لا تعرض للخطر مجرد وجود الولايات المتحدة. أما الانفاق التي يحفرها ابو مازن وشركاؤه فتسعى الى تصفيتنا والحلول محلنا. وعليه فان تجاهلنا اخطر بكثير من الغباء الامريكي.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى