الأخبارشؤون العدو

الدول العربية وامتحان التاريخ

بقلم: شمعون شمير _ هآرتس
بدأ ينكشف أن القرن الواحد والعشرين مليء بالكوارث بالنسبة للعالم العربي. قوى قبلية وعرقية ومحلية، دينية وغيرها تحارب السلطات وتحارب بعضها البعض. الدول تفقد وحدتها بل وتتفكك، الشرخ التاريخي بين السنة والشيعة يعود ليقسم العرب وقوات الاسلام الجهادية تتعزز في اراضي الدول العربية. اضافة الى النقاش التفصيلي لهذه الظواهر، فان السؤال هو ما هي تأثيراتها على التاريخ الواسع ودخول الدول العربية الى الحقبة العصرية.
منذ دخول العالم الغربي الى داخل العالم العربي الاسلامي قبل 200 سنة. قض مضاجع العرب سؤال لماذا هم، حاملي ميراث الحضارة والتقدم، يجدون أنفسهم في مكانة دون. وكيف يمكن أن يصبحوا مثل الدول المتطورة.
ومن اجل تحقيق هذا الهدف كان عليهم مواجهة اربعة تحديات: الاول، انشاء دول سيادية مع اجهزة ومؤسسات ناجعة تعتمد على المواطنين الذين يشاركون فيها. الثاني، تطوير قدرات انتاجية تكنولوجية من اجل المنافسة على المستوى الدولي من ناحية اقتصادية. الثالث، وضع الاسلام في اطار يغذي المجتمع بالقيم مثل الهوية والتضامن وفي نفس الوقت تحييد القوات العنيفة التي تسعى للعودة الى الوراء. الرابع، التخلص من تأثيرات الكولونيالية الغربية والعمل في الساحة الدولية كلاعبين مستقلين.
هذه الامور أصبحت ذات صلة حينما حصلت الدول العربية على الاستقلال في منتصف القرن العشرين تقريبا، حيث بدا في حينه أن تحقيق هذه التحديات الاربعة قد بدأ، وصعدت الى الحكم في عدد من الدول العربية أنظمة انقلابية هي الناصرية والبعثية التي أخذت هذه المهمات على عاتقها. فقد قامت هذه الانظمة بتقوية اجهزة الدولة واقامة المؤسسات الرسمية وتفعيل مؤسسات خدماتية وتعليمية من اجل زيادة حاجة الفرد للدولة. وقد قاموا بتأميم الانتاج وانشأوا المصانع وأرسلوا الكثيرين الى الجامعات على أمل إحداث التقدم العلمي والتكنولوجي في بلادهم. وأطلقوا على ذلك اسم “الاشتراكية العربية”. وتم تبني الاسلام في المجال الرمزي والكلامي. كانت هذه الانظمة علمانية وقامت بقمع الحركات الاسلامية وقضت على المرتكزات العسكرية الاجنبية ورفضت المظلات الاستراتيجية الاجنبية مثل “حلف بغداد”. كان الهدف هو الدخول الى الساحة الدولية كقوة عالمية، كجسم أفروآسيوي، وأطلقوا على هذه الظاهرة “الحياد الايجابي” أو عدم الانحياز.
الواقع العربي في الوقت الحالي مختلف كثيرا. خطأ الباحثين الرئيس هو أنهم آمنوا بـ “صحيح أن المجتمع ضعيف في منطقتنا، لكن الدولة قوية”. وقد اتضح أن الاجهزة القمعية والاستخبارات لا تعكس الحصانة، بل العكس. وحينما جاءت الهزات الكبيرة انطلقت قوى لا تعود للدولة، كان الجميع يعتقدون أنها تلاشت في ظل الدولة العصرية. فسقطت بعض الدول واخرى تصارع على بقائها واستقرارها.
من زاوية النظر الآن يصعب تفسير هذه الظاهرة. يبدو أن الدول العربية كانت كيانات فارغة. واطار الفهم لها كان ضعيفا، ولدت هذه الدول في العصر الحديث وكان ينقصها الاسم – لأن هذه الكيانات لم تكن قائمة في الماضي. تم أخذ كلمة “دولة” من القاموس. ومفهوم دولة أشار في الأصل الى السلالات الصاعدة والهابطة، أي السلطة. واستمرت اجزاء كبيرة من المجتمع تتعاطى مع الدولة على أنها مماثلة للسلطة، وتُجذر الفهم أنه حين يسقط النظام فان الدولة تسقط.
لم يتم التعاطي في الغرب على أنه اذا سقط النظام فان الدولة ستسقط، بل ذلك سيقود الى اقامة نظام ديمقراطي بدلا من النظام القمعي. لكن التجربة الصعبة أظهرت أن اسقاط النظام يُسقط الاطار نفسه وبديل ذلك هو الفوضى. هذه ايضا هي جذور فشل شباب “الربيع العربي”، حيث تبين أنه يمكن اسقاط النظام القمعي لكن ليس هناك بنية مناسبة، من الناحية الاصطلاحية والمؤسساتية، من اجل اقامة نظام ديمقراطي، ولا مناص من الاستنتاج أنه في هذه المرحلة فان معظم الدول العربية قادرة على الاستمرار وبنوع من الاستقرار فقط تحت انظمة قمعية ديكتاتورية. ومهمة انشاء دول حسب النموذج الغربي المتطور ما زالت غير قابلة للتحقق.
اخفاقات مشابهة كانت ايضا في الاقتصاد. صحيح أنه حدثت عمليات تطوير في الدول العربية أدت في العقود الاخيرة الى نمو اقتصادي واضح، وبعضها أصبحت غنية جدا (قطر هي الدولة الاغنى في العالم من حيث مستوى المعيشة للفرد، والكويت تأتي في المكان السابع).
لكن العملة الاجنبية المطلوبة من اجل استيراد الطعام والحاجات الحيوية تم الحصول عليها من المصادر الطبيعية مثل السياحة والعمال الذين يعملون في الخارج، وفي حالة مصر – قناة السويس. في الاسواق العالمية لا توجد تقريبا منتجات من صنع عربي. والمقارنة بين مصر وكوريا الجنوبية تؤكد ذلك. فعلى العكس من مصر، كوريا الجنوبية تقوم بتصدير كل شيء الآن، من التكنولوجيا العالية وحتى السيارات والسفن. واقتصادها أكبر من الاقتصاد المصري بخمسة اضعاف.
النمو السريع للاقتصاد العالمي يعتمد على المعرفة، والدول التي لا تملك المعرفة تبقى في الخلف، وفي معظم الدول العربية فان المعارف المطلوبة من اجل الانتاج ليست بالمستوى المطلوب. تقرير الامم المتحدة حول “التطور الانساني العربي” من عام 2002 أطلق على ذلك اسم “عجز المعرفة”، الامر الذي هو سبب من ثلاثة اسباب للتخلف العربي. المعرفة في الوطن العربي غير كافية لأن المدارس والجامعات لا تكفي وما زال التعليم فيها يعتمد اسلوب التلقين.
العجز في المعرفة ينبع ايضا من عدم الانفتاح على العالم بشكل كبير، نسبة الترجمة في العالم العربي قليلة جدا. فقد وجد تقرير الامم المتحدة من العام 2003 أن رقم الترجمة في العالم العربي للشخص الواحد خلال السنوات الخمسة الاخيرة من نهاية القرن العشرين كان 4.4 مقابل 519 في هنغاريا أو 920 في فرنسا.
حتى لو قامت جهات عربية بالانفتاح على العالم وقامت باستيراد التكنولوجيا – فان الفائدة محدودة. التكنولوجيا العالمية تصبح قديمة بسرعة الى درجة أن من لا يشارك في انتاجها لا يمكنه المنافسة بشكل فعال. يوجد اليوم وزن حاسم للتجدد والابداع، لكن هذه المميزات نادرة في العالم العربي. دول الخليج ايضا التي تبدو شكليا وكأنها دول عصرية ومتطورة ما هي إلا مستهلكة لانتاج العالم المتطور ولا تشارك في الانتاج. وحسب نفس التقرير فان جميع الدول العربية قد سجلت في الولايات المتحدة 370 اختراع فقط بين السنوات 1980 – 2000 في الوقت الذي سجل فيه الاسرائيليون 7.700 اختراع والكوريون الجنوبيون 16.300 اختراع. عدد الباحثين لكل مليون شخص في العالم العربي هو 300 في حين أن المتوسط العالمي هو 900، أي ثلاثة اضعاف. ونتيجة لذلك فان نسبة البطالة في الدول العربية هي الأعلى في العالم حيث تبلغ 30 – 50 بالمئة.
إن وضع الاسلام في اطار معين لم ينجح في العالم العربي، حيث أن القوات الاسلامية لم يتم كبحها، رغم الجهود الكثيرة التي بذلت لذلك. جمال عبد الناصر وضع في السجون الآلاف من اعضاء الاخوان المسلمين. مقارنة خارطة الاسلمة بين نهاية القرن العشرين وبين اليوم تكشف عن زيادة كبيرة. ففي عام 2000 كان الاسلاميون مجرد مجموعات صغيرة وسرية، نشاطها محدود. أما في عام 2015 فهي قوات مقاتلة ومسلحة بأسلحة متطورة ومحصنة في مناطق واسعة في العالم العربي. وهم لا يشكلون خطرا على السلطات المحلية فقط، بل ايضا على القوات الاجنبية التي تؤيدها. في الـ 15 سنة الاخيرة تم تنفيذ عمليات كبيرة لم يكن لها مثيل في الماضي، عمليات 11 ايلول وحتى العمليات الاخيرة في باريس. وفي الـ 5 سنوات الاخيرة بالتحديد زاد عدد القتلى بسبب العمليات الاسلامية في عدد من الدول، واحيانا كان ذلك عشرة اضعاف مقارنة بالسنوات السابقة.
يبدو أن الفشل في مواجهة الأسلمة ينبع من أن مواجهتها كانت بالقوة فقط. لم يتم اعطاء الاهتمام بأن الأسلمة ليست ارهاب فقط بل هي تمثل أولا وقبل كل شيء فكرة، حيث أنه في ظروف الازمة في المنطقة فانها عامل جذب للكثير من المسلمين. وقد فشلت الدول في طرح فكرة مقابلة رغم أن هذه الفكرة كانت جاهزة: في النصف الاول من القرن العشرين ظهرت في اوساط المسلمين تيارات ليبرالية قامت بالفصل بين الدين والدولة وكان فيها كثير من المثقفين. إلا أن الانظمة في الدول العربية رفضت هذا الخيار واتخذت طريقا وسطا حيث تم دمج نواقص كل الخيارات. لم يوجد في الدول العربية زعيم يستطيع أن يُحدث بشجاعة الانقلاب المطلوب لكبح الاسلام وانشاء نظام مستقر يتقدم مع الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى