مقالات وآراء

الخروج من “جلبوع”…فلسفة العبور

محمد فرج

الكثيرون يريدون العيش في قمة الجبل، غيرَ مدركين أن السعادة تكمن في رحلة الوصول إليها. هذا ما نُسِب إلى غابرييل غارثيا ماركيز قبل مغادرته عالَمَنا. يبدو ذلك سليماً في إطار التعلُّم والمعرفة وكتابة الرواية والحبّ، إلاّ أنه مخالفاً للحقيقة في تجربة الخروج من سِجن!

ففي خُطط على هذه الشاكلة تكون الرحلة مفعمة بالألم والصبر، وتسكن السعادة في قمة الجبل، المحفور هذه المرة.

لا نعلم، حتى اللحظة، كيف بدأت القصة، وكيف اشتعلت الفكرة في رؤوس أصحابها. ربما إنها ابتدأت في حوار بصوت مكبوت ساعةَ الخروج إلى الشمس، إن ظفروا بها، أو في تمتمة العَتَمَة قبل النوم، أو خلال تناول وجبات الطعام مع قرقعة الملاعق، أو في طوابير دورات المياه.

في البحث عن المكان الأنسب لرأس النفق حكايةٌ، وفي حوار الاحتمالات بشأن كيفية التنفيذ روايةٌ. في خُطّة كهذه يكون تأمُّل المكان ممنوعاً، ويكون البحث عن رأس الخيط مقيَّداً.

ما حدث كان فعلاً قصة تُروى، سيَسيل لُعاب المخرجين السينمائيين في المستقبل لترجمتها عملاً، ليس بعيداً عن قصة 300 مقاتل حموا إسبارطة بعد أن تمركزوا في مضيق، أو قصة عبقرية عن اقتحام أسوار طروادة. هذا هو عملياً السبب الحقيقي في تسمية كل ما يجري: “فلسطين الملحمة”. إنها ببساطة تَعصر الواقع لتُخرج ما في جوفه من المستحيلات، من الإمكانات التي لا نعرف عنها، ولا نتوقّع وجودها أساساً.

من السِّجن الصغير المُحْكَم خرجوا. نجاح في مهمة أولى، قادهم إلى متطلباتِ مُهِمَّةٍ أخرى في السجن الكبير؛ في جغرافيا حاضرة في وجدانهم، لكن أبعادها غير مخزَّنة فيها، يجوبون الأرض بحثاً عن مُسْتَقَرّ آمِن فيها؛ حواجز وحدود ونقاط جيش. خيارات كثيرة، منها ما تمت دراسته في الذهن، إذْ لا ورق لغايات كهذه في السجن. ومنها ما يفرض نفسه في الميدان كالعادة. في الشرق معاهدات موقَّعة، وشعب يحتضن ويفتدي. إلى الشمال قليلاً، هوية لم يبدِّلها الاحتلال. وإلى الشمال أكثر، بَرُّ الأمان الأبعد قليلاً. إلى الغرب، يبدو البحر بعيداً. إلى الجنوب، تبدو شِبَاك التنسيق الأمني مدعاةً للقلق.

في الأعمال السينمائية، التي استحضرها الناس لمقاربة القصة، غاياتٌ مغايرة عما جرى في سجن جلبوع. فمن سجن شاوشانك خرج الموظَّف البنكي الأنيق، المثقّف في جيولوجيا الأرض، باستخدام مطرقة خاصة سُرِّبت إلى السجن، فكانت الرسالة ذكاء الفكرة والصبر سنواتٍ على تنفيذ عمل مكرَّر كل ليلة، والتخلص من الحصى كل صباح. وفي “خطة هروب” تتأجَّج المشاهد بالعضلات المفتولة، والبطل الذي لا يموت، وخبرة مستشار سجون يتعرض هو لتجربة السجن، فكانت الرسالة القوة ومعجزات حلّ الألغاز.

في حين كلَّف “خطة هروب” 50 مليون دولار لعرض الفكرة للمشاهدين، لم يكن العرض مجانياً في الخروج من سجن جلبوع، فكان ثمنُه تجربةَ احتلال، ومرارةَ سجون حقيقية، وآلامَ خروج، ولا يقين في احتمالات النجاح لسيناريو لا تصوّره كاميرا. أمّا الرسالة فكانت تجسيد الملحمة واقعاً، واكتشاف قدرات الإنسان الإضافية، عبر مزيد من الإرادة.

رحلة العبور من السجن، هي مرادفة لرحلة مقاومة الحصار والعقوبات، ومحاولات الإذلال. صحيح أنها تعبر الممرّات الضيّقة، وصحيح أنها تُضطر إلى الحفر تحت الأرض، وصحيح أنها تنحّي الترب المتراكم من طريقها، لكنها، في كل محطة، تكتشف أدوات جديدة، وتُراكِمُ خبراتها، وتتأكّد، في كل جولة، من أن هذا الطريق هو الأسرع، وأن المستحيل أسهلُ ممّا كنا نتخيَّل فعلاً!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى