القدس

الحقوق العربية في مدينة القدس بانتفاء مزاعم أسانيد السيادة اليهودية

منذ فجر التاريخ كانت مدينة القدس. وكان معها الإيمان والصراع. طمعت فيها كثير من الأمم والشعوب. ومع ذلك تبرز حقيقة أجمع عليها المؤرخون والأثريون، أنها أرض عربية، تقدسها أمة عربية، عاشت فوق قممها، منذ نشأتها الأولى، في نهاية الألف الرابع للميلاد، علي يد القبائل العربية التي وفدت من شبه الجزيرة العربية، والمعروفة بالهجرات الكنعانية. استنادا إلى الحفائر الأثرية في العديد من المواقع الأثرية، التي تم الكشف عنها في مدينة القدس، وغيرها من المدن الفلسطينية، وما أشارت إليه المصادر المصرية، والعراقية القديمة.

 

وعندما أسست بريطانيا صندوق اكتشاف فلسطينPalestine exploration fund  منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، أنيطت به مهمة القيام بأعمال التنقيب الأثرية، والكشف عما حوته تلك البلاد من آثار، تدعم الفهم الأوروبي السائد عن تاريخها. قام الصندوق بسلسلة من الحفائر الأثرية في العديد من المدن الفلسطينية بشكل عام، وبالقدس بشكل خاص، بهدف إثبات شيء واحد، هو صحة تأويل القائمين عليها لما جاء في التوراة. فقد ظلت أسطورة غزو بني “إسرائيل” لمدن فلسطين التاريخية، واستيلائهم عليها، بعد هزيمة ممالك المدن الكنعانية، حقيقة لا تقبل الجدل- استنادا إلى الرواية التوراتية في أسفار يشوع- وكانت مدينة أريحا، من المواقع الأولى التي بدأت فيها أعمال التنقيب الأثري، وهي المدينة التي ذكر”سفر يشوع” (الإصحاح السادس) إن أسوارها سقطت عندما هتف بنو “إسرائيل”، وهم يدورون حولها، واستولوا عليها دون قتال.
وكان هدف الباحثين الحصول على الدليل الأثري، لإثبات صحة ما جاء في سفر يشوع. وأن علم الآثار لا يحفل بالتفسيرات المقترحة، ولا بالمصادر النصية اللاحقة، وإنما يهتم بالدليل والبرهان.

 

ومن نتائج التنقيب الأثري، التي قامت بها عالمة الآثار البريطانية الدكتورة كاثلين كنيون، بين عام 1952، 1958م في مدينة أريحا لم يكن لها أسوار في عصر يشوع، وإن الأسوار الكنعانية لم تتم إعادة بناؤها، بعد أن دمرها أمير طيبة أحمس، بحرب التحرير ضد الهكسوس، حيث كانت مركزا للأمراء الهكسوس في منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد. بل إن المدينة ذاتها كانت مهجورة، لا يسكنها أحد في ذلك الوقت.
وفي هذا الصدد تقول”كنيون” لا شك في حاجتها إلى الآثار للتدليل علي صحة التوراة، ولكن الحاجة تنشأ للمساعدة في إيضاح صحة التوراة، التي لا يمكن بسبب طبيعة مصادرها أن تقرأ كسجل موثوق. وهكذا جاءت نتائج الحفائر الأثرية في كل المواقع الفلسطينية الأخرى، التي تم الكشف عنها حتى الآن، لتؤكد النتيجة نفسها.

 

ومن ضمن المزاعم التي ادعى أولئك الأثريون التوصل اليها أن المسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة المشرفة أقيما على أنقاض هيكل سليمان. كما حدد أولئك الأثريون منطقة تقع جنوب مدينة القدس القديمة داخل الأسوار، وذكروا أنها القسم الأقدم من المدينة، و الذي يجب البحث فيه عن مدينة داود.(سفر صموئيل الثاني 5 ، 8).
وبدأ البحث عن مدينة داود عام 1961م ، وتحت إشراف كنيون التي تحدت كثيرا من المفاهيم التي كانت سائدة. وتشير في معرض الحديث عن حفائرها في القدس “أنه لا أثر لأية أبنية يمكن أن يقال أنها بقية مما سمي مدينة داود”.

 

و بلغة كنيون حرفيا “إن الأدلة الأثرية والأدبية التي توافرت لدينا إلى الآن، وتشير إلي أن داود استولى علي المدينة اليبوسية(الكنعانية) ثم اتخذها عاصمة له، ولكنه لم يضف إليها شيئا”. وتضيف كنيون بلغة حانية، كأنها اعتذارا عن أن نتائج الحفائر لم تلب شيئا من المطلوب، وهو العثور على آثار من عهد داود وسليمان فتقول “وقد يبدو مخيبا للآمال أن لا تكشف الحفائر عن أي أثر لأبنية من مدينة داود”، ثم تؤكد أيضا بأنه لم يبق أي أثر لأي بناء من عهد سليمان. وتضيف “إن مملكة إسرائيل المتحدة لم تعش أكثر من ثلاثة أرباع القرن. وكانت هذه الفترة الوحيدة التي ظهر فيها اليهود بمظهر القوة السياسية، و قد سجلت مآثر هذه الفترة في التوراة تسجيل عزيز منتصر، أثرت على الفكر والمطامح اليهودية تأثيرا عميقا، ومع ذلك فإن الدليل الأثري على وقائع هذه الفترة هزيل إلى أبعد حدود الهزال”.

 

كما قامت الأثرية الهولندية “مارجريت شتاينر” بمتابعة نتائج تنقيبات أبحاث كنيون في شرقي القدس. ونشرت في الدوريات المتخصصة ملخصا لما وصلت إليه من أعمال كان له وقع القنبلة على الأثريين “الإسرائيليين” منهم والغربيين المتعصبين، تقول “إن مدينة داود /اورشليم لم تكن مأهولة في القرن العاشر قبل الميلاد، و إن أقدم آثار عثر عليها تعود إلى نهايات القرن التاسع قبل الميلاد، هذا على أقدم تقدير”، لقد أثارت كتابات مارجريت الكثير من اللغط، إلى حد الهجوم الشخصي. لكن هذا لم يفلح في إجبارها على التراجع، حيث أكدت تمسكها بما وصلت إليه من نتائج، أن ما طرحته ليس رؤيا وإنما حقيقة علمية من غير الممكن التراجع عنها. كما توضح أن كثيرا مما نشر حتى الآن عن تاريخ القدس القديم بحاجة ماسة إلى إعادة نظر كاملة وشاملة.

 

هذا يعني ضرورة اعتبار النصوص الكتابية ذات الصلة نصوصا أدبية أو إعادة النظر في التأويلات السائدة لتلك النصوص، أو كلا الأمرين.
ومع كل هذا نرى اليوم سلطات الاحتلال الصهيوني تبحث عن مكان الهيكل على مرتفعات القدس، ويلحون بخاصة على المرتفع الإسلامي فوق جبل موريا(ساحة الحرم الشريف). ومع ذلك فإن جميع الحفائر الأثرية، بما فيها المدارس اليهودية، لم تعثر له على بقية.
و تذكر دائرة المعارف البريطانية أنه ليس من المؤكد أن الهيكل كان في حرم المسجد الأقصى، خاصة وأن تيطس عندما هدم المدينة سنة(70) ميلادية لم يترك شيئا قائما فيها، وطمس سائر معالمها، فالبحث عنه إذن عبث في عبث، حتى ولو كان مكانه في ساحة الحرم ….. وكان أمر قيصر الصادر لتيطس أن المدينة كلها والهيكل يجب أن يدمروا، خلا الأبراج العليا من السور، والقسم المحيط منه بغربي المدينة، وما عدا ذلك لم يترك منه ومن المدينة ما يشير لمن جاء من بعد إلى المدينة كانت معمورة من قبل إطلاقا. (تم العثور على قطعة نقدية رومانية صكت بمناسبة مرور عام علي تأسيس المدينة الجديدة، كتب عليها اسم المدينة”ايليا كابيتولينا” ورسم عليها المحراث إشارة إلى التقليد الروماني الذي كان يعمل به، والذي يقضي بحراثة المكان الذي سيتم فيه بناء معبد لآلهتهم لتطهيره.

 

وعلى أية حال: سواء أقامت في فلسطين مملكة بني إسرائيل أم لم تقم، وسواء أكانت القدس قائمة ومأهولة في القرن العاشر قبل الميلاد أم لم تكن، فإن هذا كله لا يغير من الحقيقة شيئا… من حقيقة أن الكيان الصهيوني قام على أنقاض حقوق الأمة العربية في فلسطين والقدس، والتي اكتسبها من توطنها في تلك البلاد على مدى أكثر من أربعين قرنا، وجعلتها مركزا للإشعاع الحضاري إلى العالم، بينما لم يقدم الكيان الصهيوني، ومنذ بدايات تواجده في فلسطين، منتصف القرن الماضي، أي إضافة حضارية، وككل ما عرفته المنطقة خلال وجوده هو الموت والدمار والخراب.
أما حائط البراق، والذي يدعي اليهود بأنه جزء من حائط هيرودس (حرد العربي 73-4 ق.م)والذي يسميه اليهود (حائط المبكى) هو جزء من الحائط الغربي الحالي للحرم القدسي. نظرت في موضوعه لجنة دولية عام 1930 م وانتهى تحقيقها بتقرير رفعته إلى عصبة الأمم، والتي جعلته قرارا أوصت بتنفيذه. ونص القرار”للمسلمين وحدهم، تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفا حسب الشرع الإسلامي لجهات البر والخير”.

 

هذا القرار التاريخي صريح في إثبات الحق للمسلمين وحدهم ونفي دعوى اليهود نفيا قاطعا.
و لكن… متى كان اليهود ينصاعون لكلمة الحق؟ فالحق عندهم القوة، و تجاهلوا قرار عصبة الأمم استكبروا عليه، كما عصوا قرارات مجلس الأمن و الأمم المتحدة.
من جهة أخرى : فإن العرب المسلمون لم يتسلموا مدينة القدس من بني إسرائيل، وإنما من الروم البيزنطيين الذين امتد نفوذهم في ذلك الوقت إلى سوريا وفلسطين
وأخيرا: نتيجة انتفاء مزاعم وأسانيد السيادة اليهودية على مدينة القدس، يعني بالضرورة ثبوت السادة والحقوق العربية على المدينة، وفقا للواقع التاريخي.

 

وبالتالي لا يترتب على الاحتلال العسكري نقل السيادة، كما أن إجراءات الضم و التهويد للمدينة المقدسة التي قامت بها سلطات الاحتلال تفتقر إلى شرعية عملية الضم، وتتعارض مع أحكام القانون الدولي العام والمواثيق والمعاهدات والقرارات الدولية. بل هي القوة والقهر والاستيطان.
وإذا كان وزر ما وقع من ظلم على أهل فلسطين والقدس والعرب، واقعا على بريطانيا عندما كانت عظمى. فقد شارك في هذا الدور حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أمعنت في تأييد الصهيونية الظالمة، وإمدادها بكل أسباب الظلم والحياة، وأسرفت في ظلم الفلسطينيين، ظلما لم تعرف البشرية مثله في تاريخها الطويل، وانساقت معها دول أخرى في منهجها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى