مقالات وآراء

الحقل الإبراهيمي والبيدر الفلسطيني

عماد الحطبة

خلال العامين الأخيرين، تميزت جميع المواجهات بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني بتفوق الأداء الشعبي الفلسطيني

على جميع التوقعات المتفائلة والمتشائمة.

التشاؤم كان منبعه أحداث العام 2020، الذي بدأه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالإعلان عمّا عرف بـ”صفقة القرن”،

وهي الصفقة التي عبّرت عن التصور الأميركي لحل “الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” على قاعدة “السلام مقابل السلام”.

هذا التصور جاء معاكساً، ليس لطموحات الشعب الفلسطيني فحسب، بل لوعود “عملية السلام العربية” مع “إسرائيل”

أيضاً، التي صوّرها أصحابها على أنها الحلّ الوحيد الممكن للصراع.

وجدت هذه الصفقة قبولاً لدى أطراف عربية هرعت نحو ما يعرف بـ”الاتفاقيات الإبراهيمية” (الإمارات، البحرين، المغرب،

السودان)، في حين وجدت أطراف “عملية السلام” الأصلية والمغدورة (الأردن ومصر وسلطة رام الله) أنَّ الحلّ المطروح

يتمّ على حسابها، ويقوض دورها السياسي.

كانت القوة الأميركية الجارفة، والاندفاعة العربية اللافتة، وسوء الأوضاع الاقتصادية، والإغلاقات نتيجة وباء كورونا، عوامل

ساهمت مجتمعةً في إظهار الأمور وكأن “الاتفاقيات الإبراهيمية” تسير من دون معارضة تذكر.

جاء توقيع اتفاقيات التطبيع في أيلول/سبتمبر 2020 في ساحة البيت الأبيض ليُتوج ما اعتقده البعض انتصاراً للحل

الاقتصادي الذي طرحته الولايات المتحدة وتلقّفته “إسرائيل”، باعتباره المخرج من أزمتها السياسية المزمنة.

لكنَّ حساب الحقل الإبراهيمي لم يتفق مع حساب البيدر الفلسطيني، فجاءت بداية العام 2021 لتحمل معها تصعيداً

غير مسبوق من الجانب الفلسطيني. لم يعتبر الكثيرون أنَّ الرصاصات التي أطلقها الشهيد شادي البنا، ابن مدينة الناصرة،

تجاه الجنود الإسرائيليين في باب الأسباط يوم 6 شباط/فبراير 2021 أكثر من عملية فاشلة نفذها فلسطيني يائس أو

مضطرب عقلياً.

لم يرَ الاحتلال أو حتى أكثر المتفائلين بالنضال الفلسطيني أنَّ تلك الرصاصات كانت تعبيراً عن تغيير جذري في موقف

فلسطينيي الأرض المحتلة 1948 من كيان الاحتلال، ومن النضال الوطني الفلسطيني بشكل عام.

كان علينا الانتظار حتى أيار/مايو من العام نفسه، لنرى سيلاً من أبناء فلسطين المحتلة 1948 يتدفق باتجاه مدينة القدس،

نصرةً لسكان حي الشيخ جراح المهددين بفقدان منازلهم. حاولت سلطات العدو تأزيم الموقف من خلال اقتحام المسجد

الأقصى واللجوء إلى العنف ضد المحتجين، فجاء الرد من غزة، لتكون معركة “سيف القدس” التي ساندها كلّ فلسطيني

وكل عربي حر.

والأهم أنّ الفلسطينيين من أراضي فلسطين 1948 انخرطوا في المواجهات، وظهرت مدينة اللد كنموذج للتغيير العميق

في السلوك الفلسطيني. لقد كان رفع العلم الفلسطيني على الجامع الصغير في المدينة إشارةً إلى أنَّ شبابها لم

ينسوا مجزرة اللد التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، وأنَّ طردهم المستوطنين ليس حدثاً آنياً أو رد فعل، بل وعياً راسخاً

عميقاً في عقولهم بتاريخ الصراع وطبيعته.

هرعت “إسرائيل” تطلب الوساطة المصرية مقابل التراجع عن قرارات المحكمة الصهيونية، فكان وقف إطلاق النار الذي

سجل أول تراجع صهيوني عن قرارات استيطانية تحت ضغط السلاح.

حاولت “إسرائيل” وحلفاؤها التقليل من شأن ما حدث، فتكررت اقتحامات الأقصى، وصودرت بعض البيوت في القدس،

وهدمت بيوت في مدن أخرى. من جانبه، لم يبخل الإعلام “الإبراهيمي” بالتقارير والتحليلات التي تظهر أنَّ المقاومة لم

تنفذ تهديداتها، وتوحي بأنَّ ما حدث في أيار/مايو لم يكن سوى زوبعة في فنجان.

اقتنع “الإبراهيميون” بكذبتهم، وعادت اللقاءات التطبيعية تطفو على السطح، وفي ذروتها لقاء النقب. عاجَلَ الفلسطينيون

“التفاؤل الإبراهيمي” برصاصات في قلب النقب و”تل أبيب”، وتناوب أبناء فلسطين على تنفيذ العمليات، فهذا آتٍ من جنين

، وذاك من بئر السبع، وآخر من أم الفحم.

في الوقت نفسه، تصاعدت المواجهات مع الاحتلال في جنين ونابلس والقدس، وبرز الموقف الثابت للمقاومة في غزة

ليرسم الصورة النهائية للوضع الفلسطيني، ففلسطين بكامل جغرافيتها أصبحت جبهة من جبهات المقاومة ضد الاحتلال.

اعتقد كثيرون أنَّ مثل هذا الاستنتاج المتفائل فيه الكثير من المبالغة، فجاء الرد الحاسم من جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة.

آلاف المشيعين من كل أنحاء فلسطين، وخصوصاً القادمين من الأراضي المحتلة العام 1948 الذين شكلوا غالبية المشيعين،

وصلاة الغائب في معظم المدن الفلسطينية، وأجراس جميع كنائس القدس… مشهد مهيب يذكر بجنازة القائد الفلسطيني

فيصل الحسيني في العام 2001؛ مشهد نستطيع معه إعادة صياغة ما قيل في جنازة الحسيني، والقول: “لقد استطاع

فلسطينيو 1948 تحرير القدس لساعات”.

وفي الوقت الذي كان الفلسطينيون يشيعون جثمان الشهيدة أبو عاقلة، كان ثائر اليازوري يسقط شهيداً في رام الله.

في اليوم التالي، حاول الاحتلال اقتحام مخيم جنين. وبعد معركة استمرت عدة ساعات، تمكَّن المقاومون من قتل أحد

قادة وحدة “يمام” الصهيونية، واعتقل الصهاينة أحد المقاومين المطلوبين. “إنها معركة حقيقية تشبه تلك المعارك التي

خاضها الجيش في لبنان قبل الانسحاب”. كان ذلك تعليق أحد الصحافيين ممن خدموا مع “جيش” الاحتلال في لبنان.

لأوَّل مرة في تاريخها، تبدو “دولة” العدو بلا خيارات، فهي من جهة مضطرة إلى التصعيد داخل فلسطين وخارجها، كي

تمحو صورة الهزيمة التي تلاحقها على مدار العام الماضي، فتوافق على مسيرة الأعلام الإسرائيلية في القدس، وتصعد

عدوانها على سوريا، وتغتال مسؤولاً في حرس الثورة الإيراني.

من جهة أخرى، لا ترغب “إسرائيل” في مواجهة واسعة على الأرض، وخصوصاً في ظل انشغال الإدارة الأميركية بالحرب

في أوروبا، وعدم رغبتها في فتح جبهة جديدة في المنطقة تؤثر في الاتفاق النووي مع إيران، وتدفع الدول العربية الحليفة

التي بدأت تعلن ضيقها من السياسات الأميركية إلى اتخاذ مواقف أكثر حدّة. بين الخيارين، يصبح رد الفعل الفلسطيني

على القرارات الإسرائيلية الحكم على مستقبل الحكومة الإسرائيلية السياسي، وعلى التقدم في مجال “التحالف

الإبراهيمي”.

هل تتدخل صواريخ المقاومة في حال دخل المستوطنون إلى المسجد الأقصى يوم 29 أيار/مايو؟ أعتقد أنَّ تلك الصواريخ

لم تكن مهمة عبر تاريخها بقدر أهميتها في هذا التاريخ.

اقرأ المزيد: الخارجية الإيرانية: هناك تقدّم في المحادثات الأخيرة مع السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى