مقالات وآراء

التهديد الإسرائيلي العسكري لإيران.. الخيارات والمسارات

ليلى نقولا

انشغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية بالتهديدات التي أطلقها وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس لطهران، مؤكداً أنه أبلغ نظيره الأميركي لويد أوستن ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خلال لقائه معهما في واشنطن، أنه أصدر تعليمات لـ”الجيش” الإسرائيلي بالاستعداد لهجوم على إيران.

وكان نائب وزير الأمن الإسرائيلي، ألون شوستر، قد قال في تصريح إعلامي في وقت سابق: “لقد استخدمنا القوة ضد أعدائنا في الماضي، ونحن مقتنعون بأنه في الحالات القصوى، هناك حاجة إلى العمل على استخدام الوسائل العسكرية”. وتابع: “نأمل أن تتم تعبئة العالم كله لهذه المهمة. لذلك، خصّصنا مبلغاً كبيراً لزيادة استعدادنا”.

ولم يتأخر الرد الإيرانيّ، فلقد ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن مسؤولاً عسكرياً إيرانياً كبيراً توعّد “المعتدين” بدفع “ثمنٍ غالٍ”، وأكد علي فدوي، نائب قائد حرس الثورة الإيراني، أن “إسرائيل” لا تجرؤ على تنفيذ تهديداتها، وأنهم على أتمّ الجاهزية لتسويتها بالأرض إذا شنّت أي عدوان على بلاده.

واقعياً، تعكس التصريحات والتسريبات الإسرائيلية فشلاً أكيداً في المحادثات التي جرت مع الأميركيين الأسبوع المنصرم، وعدم قدرتهم على إقناع الأميركيين بالعدول عن السير بالمفاوضات النووية مع إيران تمهيداً للوصول إلى اتفاق. فما هي الخيارات أمام “إسرائيل” وهي تشاهد تقدماً في المفاوضات النووية بين إيران والدول الكبرى، ما تعتبره تهديداً لأمنها القومي؟

الخيار الأول: ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية

الخبراء العسكريون يؤكدون عدم قدرة “إسرائيل” على شنّ هجمات عسكرية على إيران، إن لم تحصل على ضوء أخضر أميركي، ومساعدة عسكرية خارجية لنجاح الضربة.

عملياً، إن ضرب المفاعلات النووية الإيرانية كما تهدّد “إسرائيل” إعلامياً، ليس أمراً سهلاً، فليس لدى إيران منشأة نووية واحدة لضربها بضربة جوية عسكرية خاطفة وينتهي الأمر، بل لقد قام الإيرانيون بتوزيع منشآتهم على مساحة البلاد، ما يجعل من ضربة عسكرية واحدة غير ذات جدوى، وستكون إيران جاهزة للردّ بضربات مقابلة، من دون أن يتضرّر برنامجها النووي ويتوقف، كما تريد “إسرائيل”.

وكانت صحيفة “فورين بوليسي” الأميركية قد اعتبرت في تقرير في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أن أيّ ضربة إسرائيلية لإيران “ستجعل أراضيها بالكامل وسكانها وبنيتها التحتية الوطنية معرّضة لضربة انتقامية حتمية من إيران، بما في ذلك ما يصل إلى 150 ألف قذيفة فتّاكة في أيدي حزب الله”.

كما أن استعداد إيران سابقاً لسيناريو هجومي على منشآتها النووية وتدمير برنامجها النووي، عبر تحصين منشآتها النووية، وإقامتها تحت أعماق الأرض، يجعلها غير قابلة للاختراق عبر الهجمات الجوية، وخاصة أن الولايات المتحدة رفضت تزويد “إسرائيل” بالذخائر الخارقة للتحصينات اللازمة لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

إذاً، يبدو الخيار العسكري التقليدي والتهديدات الإسرائيلية بحرب على إيران، غير قابلة للتحقق فعلياً، من دون التسبّب في إشعال حرب إقليمية شاملة، لا يريدها الأميركيون، وغير محسومة النتائج. وما التصريحات الأميركية التي أشارت إلى أن “بايدن طلب من مستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، مراجعة خطة البنتاغون لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية”، سوى محاولة لتهدئة الغضب الإسرائيلي، ولتوجيه رسالة تهديد إلى إيران لتليين مواقفها وتخفيض مستوى شروطها في المفاوضات النووية الجارية.

الخيار الثاني: توجيه ضربة سيبرانية للمفاعلات النووية الإيرانية

أمام الاستعصاء العسكري التقليدي، قد تفكّر “إسرائيل” في استخدام الفضاء الإلكتروني، لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الإيرانية.

ويُعَدّ الفضاء الإلكتروني أو السيبراني الوسط الذي توجد فيه شبكات الكمبيوتر، ويعمل في ظروف مادية غير تقليدية، وحيث يختلف توزيع القوة فيه عن توزيع القوة التقليدي المعروف، والذي يتمحور حول القدرات العسكرية المباشرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي وحاملات الطائرات وغير ذلك.

ويعتبر جوزيف ناي أن القوة السيبرانية هي مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الكمبيوتر والمعلومات، والشبكات الإلكترونية والبنية التحتية المعلوماتية، والتي تعتمد على المهارات البشرية المدرّبة، ويرى أن القوة الإلكترونية فرضت تحديات على الأطراف الدوليين، وخاصة الدول الكبرى التي كانت تحتكر مصادر القوة، مثل الولايات المتحدة الأميركية.

عملياً، لقد تحوّلت وسائل القوة التقليدية، وتحوّل ترتيب القوة بين الدول، بالقدرة على استخدام وتطوير القوة السيبرانية، بحيث بات الفاعلون الذين يمتلكون القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لأغراض عسكرية قادرين على خلق مزايا عسكرية لصالحهم، حتى ولو كانت قدرتهم العسكرية التقليدية غير قادرة على المنافسة في مواجهة عسكرية تقليدية.

ولقد قامت “إسرائيل” في وقت سابق باستخدام الفضاء الإلكتروني لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الإيرانية، كما أثبت الإسرائيليون امتلاكهم القوة الإلكترونية والمعرفة التكنولوجية والقدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني والمعلومات لتحقيق أهداف عسكرية كان من الصعب تحقيقها بواسطة القوة التقليدية.

وبالرغم من ذلك، يبقى أن استخدام هذا الأمر منوط أيضاً بموافقة الولايات المتحدة الأميركية، حيث يعتبر الأميركيون أن الكلفة المتوقعة لتخريب المنشآت النووية الإيرانية أكبر من الفائدة المرجوّة منها؛ فبينما تعتبر “إسرائيل” أنها قادرة على تعطيل البرنامج النووي الإيراني ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية في الأمد المنظور، ترى الإدارة الأميركية الحالية أن التجارب السابقة في تخريب المنشآت النووية الإيرانية، عبر هجوم سيبراني، أفادت الإيرانيين الذين قاموا بإعادة بناء منشآت تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى من الكفاءة والتطور.

وعليه، تبدو الخيارات العسكرية الإسرائيلية محدودة جداً، وهي تعويض عن فشل “إسرائيل” في استخدام الضغوط الدبلوماسية والسياسية على الولايات المتحدة الأميركية وعلى الأوروبيين لمنع التقدم في المفاوضات النووية. فهل تتسارع الجهود الدبلوماسية وتشهد السنة المقبلة توقيع اتفاق جديد بين إيران والدول الست؟ يبدو الأمر مُتاحاً أكثر من ذي قبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى