الأخبار

البعد السياسي في العمليات المحدودة

عيران ليرمان: دكتور، باحث كبير في مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية، وهو يحاضر في المركز الأكاديمي شاليم.

تعريفات وأهداف

المنظومة السياسية الإسرائيلية بمفهومها الواسع، التي يناقشها هذا الفصل، تُعرّف لضرورة النقاش هنا بأنها مجموعة الفعاليات التي يقف على رأسها المستوى السياسي المنتخب – رئيس الحكومة والمجلس الوزاري المصغر، وتلعب فيها هيئة الأمن القومي، وفق القانون وحسب حاجة المنظومة – دوراً حيوياً كإطار شامل، مع التركيز على دور مركز الإدارة القومي في أوقات الأزمات و الطوارئ. وتنضم إلى تلك الفعاليات أيضاً مختلف الجهات التي لا تصنف على أنها تابعة للجيش الإسرائيلي أو إلى الجهات الاستخبارية، إلا أنه يوجد لها دور غاية في الأهمية في المعركة، مع التأكيد على الجوانب السياسية (بقيادة وزارة الخارجية)، والجانب المتعلق بحملات العلاقات العامة (المنظومة الإعلامية)، والجوانب القضائية (بدعم من الجهات المختصة في وزارة العدل)، والجوانب الاقتصادية (وزارتا المالية والاقتصاد اللتان يوجد لسلوكهما أثر مباشر على المناعة القومية)، بالإضافة إلى الجوانب المرتبطة بحماية البنى التحتية لمواجهة التحديات الناشئة أمام المواصلات الجوية والبحرية، ولصمود الجبهة الداخلية والتعامل السريع مع الأحداث التي تخلف الكثير من الإصابات. ولكل هذه الجهات، مع بعضها البعض، وزن حاسم في بلورة المناعة الاجتماعية، وبخاصة إذا كانت جهودها منسقة في ما بينها، وتكون ملموسة بشكل نشط على الأرض.

 

وأهداف ومهام هذه المنظومة في العمليات المحدودة – في تخطيطها وفي إدارتها وفي مواجهة نتائجها – يجب أن يتم اشتقاقها بشكل واضح، وعن وعي، بالحاجة إلى الردع، قبل كل شيء، وحتى إلى إلحاق الهزيمة العسكرية أيضاً إذا اقتضت الحاجة ولوقت طويل، والقضاء على التهديد المتواصل لقوات المقاومة، على النحو الذي وُصفت عليه من قبل البروفيسور فريش. ومصطلح “التنظيمات الإرهابية” صحيح قانونياً، وهام من الناحية الإعلامية، إلا أنه من ناحية تحليلية لا يرقى إلى تعقيدات الوضع الناشئ في كل من غزة ولبنان، ومن شأنه أن يظهر أيضاً على جبهات أخرى – إذ تواجه إسرائيل خلال العقد الأخير نوعاً جديداً من التحديات، والذي يمكن تعريفه، في جزء من جوانبه، وكأنه درجة انتقالية بين حرب القوات النظامية وبين الصراع ضد الإرهاب. إلا أنه في أساسه هو تهديد لا متناظر بالمفهوم الأكثر وضوحاً لهذا المصطلح.

ويتجلى اللا تناظر هذا في الأهداف العليا للمنظومة الإسرائيلية أمام هذين التنظيمين، اللذين ترتكز رؤيتهما على المواقف الأساسية للتطرف الإسلامي الحديث. وبالنسبة لهذه القوى – وهي أطر أدنى من الدولة تسيطر في الواقع على مساحة من الأرض وعلى السكان في غزة وفي لبنان – فإن سعيهما لتدمير المشروع الصهيوني هو ليس فقط مبرر وجودهما (raison d’etre) بل هو السبب الدائم لتأبيد سيطرتهما العنيفة، والقضاء على الخصوم في الداخل، ولحشد الموارد للصراع. وبالنسبة لإسرائيل، في مقابل ذلك، فإن قضية وجودهما وموقعهما في المنظومة الإقليمية هي قضية هامة إلا أنها ثانوية، وفي بعض الأحيان تُشتق من تطور علاقاتهما مع جهات أخرى في المنطقة. وتعكس طبيعة التعامل مع التحدي الذي يشكلانه، في الأحوال العادية وفي حالات الطوارئ، تعكس بشكل دقيق مصلحة أساسية واحدة – وهي أن نعيش حياتنا هنا في هدوء ورخاء، إلى أقصى درجة ممكنة. وربما يصبح اقتلاع الجهات الإسلامية الشمولية من جذورها أمراً حيوياً ما لم تنجح الطرق الأخرى في ضمان هذا الهدف، إلا أنه ليس هدفاً حيوياً بحد ذاته ومن المستحسن الامتناع عنه (جراء الثمن الباهظ والمتواصل المرافق له) إذا كان ذلك ممكناً.

 

كذلك الحال، وعلى الرغم من الأهمية المتزايدة لعلاقات التعاون مع جهات رئيسية في محيطنا الإستراتيجي فإنه ليس هناك لدى إسرائيل رغبة أو حاجة للعمل كذراع تنفيذية لحركة فتح، أو لمصر، لإسقاط حكم حماس في غزة، أو للعودة للعمل في مكان المسيحيين (واليوم السنة أيضاً) في لبنان من أجل تخليصهم من عقاب حزب الله. فليس هذا هو هدف الجيش الإسرائيلي وليس هذا هو مفهوم الاندماج في المنظومة الإقليمية.

 

من هنا تأتي أهمية العمليات المحدودة، التي تهدف، من حيث تعريفها، ليس إلى تصفية، أو حتى “الحسم” بالمفهوم التقليدي، لقوى المقاومة بل تحطيم منطقها وتجسيد عدم جدوى استخدام القوة ضدنا، وتقويض شرعيتها والأسطورة التي بُنِيَت حولها. وكفعل متراكم على المدى الطويل، يجب أن يكون الهدف الإستراتيجي هو ترسيخ الإدراك بأن هذا الأسلوب للنضال العربي ضد إسرائيل، مثل كل ما سبق، مآله الفشل.

 

وبما ينسجم مع هذا التعريف فإن توجيه “ضربة قاصمة” في الجانب العسكري، على كل المستويات – تدمير قوة التنظيمات، وجبي ثمن باهظ من المستوى المقاتل (والذي حجمه ليس بالكبير، رغم خطاب “حب الموت” فإنه حساس للخسائر بين صفوفه) ومن التشكيل القيادي، وتحييد غالبية الوسائل الموجهة ضدنا (وسائل الرمايات ذات المسار المنحني والأنفاق ومنفذي العمليات المنفردين) بالوسائل الدفاعية الواضحة وبوسائط الهجمات الوقائية، وتدمير الثروات الهامة بالنسبة لها – هذه الضربة هي ليست سوى جزء فقط من التأثيرات التي يمكن استخدامها بهدف تحطيم نموذج المقاومة، وفي نهاية المطاف، الدفع باتجاه اقتلاعه من الجذور. وفي مواجهة من هذا النوع يوجد للجيش الإسرائيلي، ولبقية هيئات المنظومة، مهام أساسية هامة تخرج في جوهرها عن إطار المواجهة العسكرية المباشرة، وتندرج تحت الجانب السياسي وجانب حملات العلاقات العامة.

 

 

 

عشية الحرب، وخلالها، وبعدها – بناء الشرعية

إن التهديد الذي تشكله قوى المقاومة على مستقبل إسرائيل يختلف في جوهره عن التهديد الذي شكلته الجيوش العربية النظامية في الماضي. فعلى الرغم من أقوال التبجح، بين الفينة والأخرى، على “شاكلة نصر الله”، فإن الحديث لا يدور عن وجود قدرة، أو حتى حول الوهم بوجود القدرة، على هزيمة الجيش الإسرائيلي في ميدان المعركة ووضع نهاية لوجود إسرائيل كدولة. وحسب تفكيرها (قوى المقاومة) فإن هذا الهدف قابل للتحقيق ولكن عن طريق الاستنزاف والتآكل المتواصل. ومن المفترض أن تتحقق إستراتيجية الاستنزاف هذه عبر طريقين رئيسين: الطريق الأول هو الاستنزاف المعنوي والنفسي للجمهور الإسرائيلي، ولمناعته ولقدرته على الصمود، وذلك عن طريق السفك المتواصل لدمه وضرب حياته الطبيعية. أما الطريق الثاني فهو الاستنزاف السياسي – القيمي والذي يقوم بشكل أساسي على توجيه ضربة لشرعية عمليات الجيش الإسرائيلي، ولسياسة الحكومة، وفي نهاية المطاف توجيه ضربة إلى حق وجود المشروع الصهيوني بالذات – ذلك أن الحديث يدور عن “منحدر زلق”.

 

إن لنشوب أحداث حربية – سواء كانت بوتيرة عالية، كما حدث عام 2006 في مواجهة حزب الله، وفي 2008 – 2009، 2012 و 2014 ضد حماس، أو بحوادث متفرقة – فإنه يوجد لمثل هذه الأحداث، وفق رؤية تلك القوى (التي تمتلك عداء متجذراً)، قيمة مضاعفة: فمن ناحية، في طريق الاستنزاف الأول، توجيه ضربة مؤلمة للسكان وللاقتصاد في إسرائيل. ومن ناحية ثانية ووفق طريق الاستنزاف الثاني، إدانة الردود “غير المتناسبة” للجيش الإسرائيلي، وذلك كأرضية فعالة ومتراكمة لنفي حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها (ولذلك، في نهاية الطريق، نفي وجودها).

 

إن الصعوبة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي، الذي يتحمل العبء العسكري للدفاع عن مواطني الدولة، وكذلك بالنسبة للمنظومة السياسية في معركة العلاقات العامة للحفاظ على الشرعية – تكمن الصعوبة في وجود توتر (بشكل متعمد) بين مكوني الرد:

– إن المجتمع الإسرائيلي في غالبيته العظمى (كما دل على ذلك المزاج القوي جداً في صيف 2014) يتوقع من الجيش الإسرائيلي أن يعمل بكل قوته للقضاء على التهديدات. وعندما يحدث هذا، وطالما أن هناك توجه واضح للقضاء على العدو، فإنه (المجتمع الإسرائيلي) لا يرتدع من الخسائر في الحرب، ومن الصعوبات التي تواجهها الجبهة الداخلية.

– في مقابل ذلك، تتوقع الساحة الدولية (وكذلك أوساط صغيرة إلا أنها ذات تأثير كبير في إسرائيل والتي يوجد لمواقفها تعاطف يتجاوز كثيراً وزنها العددي) تتوقع رداً منضبطاً ومتناسباً (إذا كان ذلك ممكناً أصلاً)، وفي بعض الأحيان تقوم، إلى درجة معينة، بتفسير الخطوات العنيفة التي يقوم بها الطرف المقابل على أنها تعبر معاناة إسرائيل هي المتهمة بها أصلاً.

 

إن الحفاظ على التوازن الصحيح مقابل هذا التحدي والقدرة على تحقيق أهداف إسرائيل على المسارين يتطلب تضافر الجهد بين الجيش الإسرائيلي (وأجهزة الاستخبارات) سوية مع الجهات المناسبة في منظومة الحكم، بدءاً من رئيس الحكومة وحتى الأشخاص العاديين في السلك الدبلوماسي والهيئات الإعلامية. وإلى ذلك يجب أن نضيف، بوصفها رافدة للقوة، المنظمات والأفراد – من اليهود المؤيدين لإسرائيل في الشتات، الملتزمين بدعم إسرائيل في صراعها إلا أنهم بحاجة إلى ذخيرة في معركة الصراع على الوعي.

 

مبدئياً، تم استيعاب هذه الفكرة منذ عدة سنوات، وبرزت بشكل أكبر في أحداث “مد وجزر”، وتحسنت في ظل عِبَر عملية “الرصاص المصهور” ولجنة غولدستون وحادثة السفينة “مرمرة”. ويمكن الإشارة إلى فعالية متطورة في هذا المجال خلال عملية “الجرف الصامد” وفي أعقابها، من خلال تحييد قسم كبير من الضرر الذي كان يمكن أن يحصل بسبب خصائص الحرب: ومن ذلك أنه قد لوحظ، على سبيل المثال، تحسن في الأسلوب وفي المضمون في نتائج لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (بداية برئاسة وليام شاباس وبعد ذلك برئاسة ماك جون ديفيس) والتي أثمرت عن تقرير أقل إساءة من التقرير الذي أعدته سابقتها في عام 2009 – على الرغم من كتاب التعيين المنحاز، وحتى المتجني.

 

ومع ذلك فإنه لا يزال هناك الكثير مما يتوجب فعله حتى يتم ترسيخ هذا المكون في الإستراتيجية القومية في المكان الذي يستحقه – سواء كان هذا على صعيد اتخاذ القرارات (في وعي المستوى السياسي) وسوءا لجهة تطبيقه على الأرض. وفي مواجهة قوى المقاومة، فإن الجهد الممنهج ضد احتمال سحب الشرعية يجب أن يتضمن ما يلي:

– الحفاظ على، وتحسين ما كان قد تم تحقيقه، من تصنيف هذه التنظيمات بوصفها تنظيمات إرهابية، في نظر الدول الرئيسية في الغرب. وفي عالم يتزايد فيه القلق من الإرهاب، وتتم ترجمته إلى أنماط عمل ذات فعالية قضائية، يوجد لهذا التصنيف مدلولات عملية ورمزية. وهذه الأمور هامة على نحو خاص في أوروبا، التي ترى في نفسها وصية على تطبيق مبادئ القانون الدولي. وهناك عدة مفارقات في هذا المجال مثل تحديد الجناح العسكري لحزب الله – هو فقط – كمنظمة إرهابية (فهل هي ذراع بدون رأس؟)، ومع ذلك فإن الإنجازات التي تم تحقيقها خلال السنوات الأخيرة ضد كل من حزب الله وحماس تضع الأرضية السياسية والقانونية لبناء شرعية للعمليات الحربية، في الوقت الذي نكون بجاجة لها، ولتبريرها خلال تنفيذها، وفي إطار “المعركة التي تلي المعركة”. وهنا يوجد أساس للتقدير بأنه خلال السنتين الأخيرتين، أصبح الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحاً، ومفهوماً أكثر، للجهات الأوروبية التي تواجه هي أيضاً الإرهاب الإسلامي المنفلت من عقاله.

– تعاظم الجهد للكشف عما جرى تعريفه من جانب إسرائيل (وبشكل محدد من قبل رئيس الحكومة في المؤتمرات الصحفية وفي لقاءاته مع نظرائه في الخارج، خلال عملية “الجرف الصامد”)، كـ “جريمة حرب مزدوجة” لهذه التنظيمات: إطلاق الصواريخ بشكل متعمد باتجاه المدنيين، والذي يتم عمداً أيضاً من خلال التخفي في أوساط السكان المدنيين. وصحيح أن إسرائيل غير موقعة على معاهدة روما (كما أن لبنان لم يوقع عليها، والفلسطينيون بالذات وقعوا عليها..)، إلا أن هذا يجب ألا ينتقص من قدرتها للإشارة إلى بنود محددة والتي يشكل انتهاكها جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية، والتي يمكن أن يعاقَب عليها بتقديم مرتكبها للمحاكمة في لاهاي: مهاجمة السكان المدنيين بشكل متعمد – الفصل الثاني، البند الثامن، تحت البند (BI). والاختباء بين السكان المدنيين، الفصل الثاني، البند الثامن، تحت البند (BXXIII). وكاستعداد للمواجهة في هذه القضية، يجب الاستمرار في الجهد الذي كان قد بدأ من قبل إلا أنه لم يسفر عن الأثر المتوقع منه للكشف (في ظل القيود الاستخباراتية الواضحة)عما هو معروف لنا حول أساليب استخدام السكان المدنيين كدروع بشرية. والاستفادة من قدرة الردع التي توفرها عملية كشف من هذا النوع.

– الدمج الممنهج لقضية سحب الشرعية، بما في ذلك  التطبيق الأمثل لقوانين الحرب أثناء التخطيط العملياتي، والحرب نفسها (وليس فقط بسبب الاعتبار الإستراتيجي، بل لأسباب أخلاقية) والتحقيق الذي يتم في أعقاب الحدث في ما يتعلق بالأحداث الشاذة. وهنا أيضاً، وبخاصة لجهة ما يتعلق بالشق المرتبط بـ “اليوم التالي”، يشكل النموذج الذي تم تطبيقه عام 2014 خطوة هامة إلى الأمام، ويمكن الإشارة إلى الفائدة المثبتة بتطبيقه. ومن المهم أن نؤكد، في هذا السياق، أنه حتى وإن كان مطلوباً إدخال تعديل معين في بعض الحالات الشاذة، فإنه لن يكون من الصواب بالنسبة لإسرائيل أن تطرح إدعاء جارفاً لجهة عدم التناسب، وعدم قابلية تطبيق قوانين الحرب / القانون الإنساني الدولي (IHL) لمواجهة الإرهاب والمقاومة على مختلف صورهما. فهذا ليس قولاً صائباً، وهو حتى أنه قد يساعد العدو في خلق الانطباع – الكاذب – بأن إسرائيل تتعمد تجاهل القانون القائم. وفي الوقت نفسه، هناك حاجة لإعادة دراسة بعض التعاريف، من أجل الاستخدام الواعي لقوانين الحرب في مواجهة جهات هي ليست بدولة – وبخاصة الحرب ضد المنظمات الإرهابية المنفلتة، مثل داعش، وضد حزب الله وحماس، اللذين يقيمان سلطة شبيهة بسلطة الدولة.

 

ومن المهم التأكيد أنه يوجد لمجمل الصراع على الشرعية، على مختلف تجلياته، ارتباط مباشر مع مهمة الردع، ومع الدرجة التي تكون فيها مناسبة في هذا السياق. ولا يوجد هناك “ردع” مطلق. بل مطلوب أن يكون هناك منطق خاص بكل حالة على حدة من أجل ردع خصم معين، وبخاصة ضد خصم أيديولوجي عنيد “يقدس الموت”، والذي لا يمكن اختصار معادلة الربح والخسارة، من وجهة نظره، بحجم الدمار الذي قد يلحق به خلال الحرب. وحتى أن هذا قد يُنظر إليه كثمن يجدر دفعه إذا ما استطاع في ميزان النتيجة الشاملة (العسكرية والسياسية والاقتصادية والقيمية والأخلاقية) جبي ثمن باهظ، ربما لا يمكن تحمله، من المجتمع الإسرائيلي. والفرصة لتوجيه ضربة جدية لمحاولات سحب الشرعية عن “العدو الصهيوني” تخلق إذاً محفزاً للتدهور. وفي مقابل ذلك فإن القدرة المثبتة لإسرائيل في العمل بشكل ناجح لتحييد عمليات سحب الشرعية والحفاظ على موقعها في العالم (ومناعتها في الداخل) تقضم من الأمل في النجاح، في منظور كل من حماس وحزب الله (كل لأسبابه) ومن احتمال أن تتدهور عمليات الاستفزاز إلى مواجهة.

 

في زمن الحرب – الصمود وتحطيم الأساطير

إن قضية الشرعية هي ليست المكون الوحيد المرتبط بشقي الوعي والسياسية، الذي يرافق المعركة. وبالنسبة لقوى “المقاومة الإسلامية”، على مختلف تفرعاتها، فإن صمودها (لفترات زمنية طويلة – خمسة أسابيع في عام 2006، وسبعة أسابيع في عام 2014) أمام القوة الفائقة للجيش الإسرائيلي، بدون أن تنكسر أو أن تُظهر علامات الإنهيار الواضح، هي بحد ذاتها ما يوصف بأنه “النصر الإلهي”، على النحو الذي عبر عنه نصر الله. وعندما يضعون هذا الأمر في مواجهة الذاكرة، التي لا زالت محفورة إلى الآن، لهزيمة الجيوش العربية عام 1967 والتي لم تُمحَ بعد القتال الشرس جداً في عام 1973، تستطيع قوى المقاومة، بعد ذلك، أن تبني أسطورة بطولية تقدم تبريراً أيديولوجياً أو حتى مباركة إلهية لها ولنهجها، وهو ما يخدم المصلحة الفكرية للمعسكر الذي تنتمي إليه (الأخوان المسلمون بالنسبة لحماس، والمعسكر الإيراني بالنسبة لحزب الله).

 

وإلى جانب السؤال التاريخي الساطع – هل وُجدت، عبر أسطورة المقاومة، صيغة مظفرة لتقويض إسرائيل، فإنه يوجد لهذه الأسطورة تداعيات تكتيكية على المستوى الميداني (تأثيرات معنوية، والقدرة على الصمود لفترة زمنية طويلة، وضعف عوامل الردع)، وتداعيات سياسية مباشرة (تعزيز قوة حزب الله مقابل خصومه في لبنان، وتعزيز قوة حماس مقابل فتح). وبسبب ذلك أيضاً فإنه من المهم لإسرائيل أن تجد في الخطة القتالية، وفي ملف الوعي والإعلام الذي يحاك حول عمليات الجيش الإسرائيلي في الميدان، طرق العمل التي يكون لها تأثير هدام، بل ومذل، ما أمكن ذلك، في مواجهة “أسطورة المقاومة”.

 

هناك نموذج واضح ومركزي وهو السعي إلى أن يكون بين أيدي قواتنا أكبر عدد ممكن من الأسرى في نهاية المعركة، مقاتلون من منظمات المقاومة، ليس رجالاً تم جمعهم بالصدفة. وهذا هو هدف يصعب تحقيقه، وهو يتطلب الدمج بين رؤية عملياتية جديدة وبين جهد إعلامي وسياسي، إلا أنه يجب وضعه كهدف محدود في العمليات المحدودة، التي تُدمج فيها عملياً نظرية الخلايا في الميدان. وهذا الأمر مفيد من أجل المساومة، إذا ما اضطررنا لذلك. إلا أنه مهم، بشكل أساسي، من أجل خلق “صورة الانتصار” الأولية، التي تجسد كيف أن حركات المقاومة لم تعد تتفوق، من الناحية الأخلاقية على الجيوش والحكومات في النظام السياسي العلماني الذي كان سائداً في أجيال سابقة. ومثل هذا الأمر لن يكون سهلاً: ففي كل مراحل الحرب عام 2006 تم إلقاء القبض على عدد محدود من مقاتلي حزب الله وهم أحياء. وفي غزة، فإن البعد الثالث – الأنفاق والتحرك تحت سطح الأرض – من شأنه أن يجعل من الصعب إغلاق مناطق محدودة والإمساك بكل من يوجد فيها. ولهذا السبب بالذات، فإن تركيز الجهد من أجل تحقيق هذا الهدف يتطلب أمراً واضحاً للمستوى العسكري واستعداداً لدى كل الجهات العاملة لإبراز هذا الجانب، عندما يحين الأوان. والضربة الأشد التي يمكن توجيهها لمنظمات المقاومة هي ليست في المجال المادي (مع أن المستوى القيادي فيها يظهر حماساً أقل بالنسبة لاحتمال الاستشهاد من الذي يتوقعونه من المستويات الميدانية..)، بل إنها تكمن في التجسيد الرمزي والبصري لنقاط ضعفهم، والذي يساهم في دحض أسطورة البطولة.

 

وهناك عامل آخر، ينتمي أيضاً إلى المعركة على الوعي، ويتعلق بالصورة الذاتية لأسطورة المقاومة ألا وهو إدعاء “خيوط العنكبوت” حول ضعف، وبشكل أساسي الضعف الروحي، للمجتمع الإسرائيلي. صحيح أن حسن نصر الله قد اضطر للاعتراف بأنه لم يُجِد قراءة الخارطة (ولو أنه لم يفعل ذلك لكان متهماً بالتسبب بشكل متعمد بخراب لبنان!)، وقد سُمع مؤخراً صوت مشابه من داخل الذراع العسكرية لحركة حماس. إلا أنه على الرغم من ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً في نظرة العالم الإسلامي لزوال إسرائيل وذلك بتأثير الضغط المتواصل وللعب دور فكري مركزي، بما في ذلك تحديد تواريخ محددة (للوهلة الأولى) كتبرير للاستمرار في مطالبهم للتضحية. وعليه فإنه سيكون لإثبات المناعة الاجتماعية والقومية في إسرائيل، سيكون له دور أيضاً في المعارك القادمة، على النحو الذي حدث له مع خبو موجات الإرهاب إلى الآن (والتي شهدت مداً وجزراً خلال الفترة 2015 – 2016).

 

وتشير العبر من حرب لبنان الثانية، على سبيل النفي، إلى درجة الخطورة التي يمكن أن تكون للحالة التي يكون فيها قسم ملحوظ من السكان – كان الحديث يدور حينها عن سكان الشمال – يشعر بأنه قد تم التخلي عنه وتركه وحيداً في مواجهة إطلاق الصواريخ المتواصل، والخسائر في الأرواح وبالممتلكات، وتعطيل المنظومة الاقتصادية وإنهيار الخدمات الاجتماعية على المستوى المحلي/ البلدي. لذلك فإنه من المهم أن تساهم كل جهات الحكم بهدف تقديم كل ما هو مطلوب للسكان في الجبهة الداخلية الذين يجدون أنفسهم تحت النار (وفي الجولات المستقبلية، وبخاصة مع حزب الله، قد ينطبق هذا التعريف على قسم كبير من مواطني الدولة). وستلعب الجوانب الاقتصادية والاجتماعية دوراً لا يقل عن فعالية الدفاع بنوعيه، النشط والسلبي. وبدون أن تكون هناك حاجة لطرح السؤال التنظيمي – هل كان من الصواب حل الوزارة الخاصة ونقل صلاحياتها لوزارة الأمن (الدفاع) – فإنه من الواضح أن مكونات الرد في هذه الحالة اتسعت لتشمل سلسة طويلة من الوزارات الحكومية والجهات المدنية. والمستوى السياسي الأعلى – أي رئيس الحكومة – سيكون هو من سيضطر، بشكل شخصي، لتنسيق وقيادة عملية توفير الرد. وسيكون لإيصال نشاطاته إلى الجمهور وتواجده على الأرض (مثل تشرشل في أيام قصف لندن / The Blitz)، سيكون لها تأثيراً مباشراً على المناعة القومية.

 

على المدى الطويل – تحطيم منطق المقاومة

وكما جرى التأكيد من قبل فإن النظرة التاريخية بعيدة المدى تلعب دوراً مركزياً في رؤية “قوى المقاومة” للعالم – ولذلك فإنه يجب على رؤية إسرائيل للرد الإستراتيجي، على المستوى القومي، أن تخدم الهدف الأعلى لكسر أسطورة المقاومة. وهذا الأمر يتم، سواء خلال الحرب (عن طريق أخذ أسرى من جانبهم وإظهار المناعة من جانبنا)، كما سبق القول، وسواء في إطار “المعركة بين الحروب” وفي فترات الهدوء النسبي. وتوجد هنا أهمية مركبة للبعد الزمني. واستمرار وجود قوى المقاومة لفترة سنوات وعقود يمكن أن يُقدًّم من قبلهم كدليل على قوتها وشجاعتها، في مواجهة قوة إسرائيل الكبيرة. وفي مقابل ذلك، كلما مر الزمن ولم تتم ترجمة حكمهم على الأرض إلى فعل “جهادي” ضد إسرائيل (وبكلمات أخرى، الارتداع الموضعي ورفع شعار “سيأتي يوم ونقتل اليهود، ولكن في هذه اللحظة ليس من المناسب فعل..” – سيأتي يوم ويفعل فعله)، فإنه من المتوقع أن تُثار شكوك حول شرعية نهجها.

 

إن لإسرائيل مصلحة عميقة في تقوية هذه الشكوك إلى درجة تقويض منطق المقاومة من أساسه. وسيكون لذلك أثر تاريخي بعيد المدى، ولو لأن هذا الأمر يشكل أحد آخر العوامل الذي بقي كعائق أمام الاعتراف بالحاجة إلى التوصل إلى تسوية تاريخية مع الحركة الصهيونية (هناك عائق آخر ينبع من الأمل، وبالذات في قيادة السلطة الفلسطينية، لحل سياسي مفروض من الخارج، إلا أن هذا ليس المكان للبحث فيه). وعلاوة على ذلك فإن لإسرائيل أيضاً دوراً هاماً في ميزان القوى الإقليمي، كعامل يستطيع إثبات فشل النموذج الإسلامي، على المدى الطويل، ولذلك أيضاً صوابية الطريق الذي اختاره أعضاء “معسكر الاستقرار” – مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن، وحلفائه. وربما يكون هذا السبب الأعمق الذي يقف اليوم وراء علاقات إسرائيل مع الدول في المنطقة، والتي ترى في صعود “الإسلاموية” تهديداً، بل وحتى تهديداً وجودياً.

 

وفي الوقت نفسه تتطلب الإستراتيجية الواعية لتحقيق هذا الهدف، والكثير من الأهداف غيره، تتطلب النفس الطويل والرأي السديد والحذر حول ما يمكن أن يعرض بشكل علني في هذه القضية (وهو طلب ليس بالسهل في مواجهة الرسائل والتسريبات  التي تتطلب الأيضاًحات). ويستحسن أن تكون تصريحات المستويين السياسي والعسكري قليلة، فذلك أفضل. ومن شأن السعي للتحدي الكلامي والعلني لإظهار بأن قوى المقاومة قد خانت هدفها وتوجهت إلى طريق التعايش مع الأمر الواقع، من شأن ذلك بالذات أن يدفع بعض العناصر من بين صفوفها للتصعيد والقيام ببعض الاستفزازات من أجل الإثبات بأن الوضع ليس على هذا الحال. ومثل هذه الأقوال تسمع بشكل خاص، في تنظيمات مثل حماس، والتي يوجد فيها مشكلة في سيطرة الجناح السياسي على الجناح العسكري. وترى الأخيرة (حماس) نفسها، بشكل عام معنية إلى درجة كبيرة بتحمل المسؤولية على سلامة ورخاء السكان في قطاع غزة. ولا يوجد لإسرائيل مصلحة في جر هذه العناصر للاستفزاز أو لدفع حماس كتنظيم إلى ضائقة من النمط الذي حصل عام 2014، بما في ذلك قضية الرواتب لعناصرها. وللمفارقة، يبدو أن إسرائيل تفضل تفهّم هذه النقطة أكثر من النظام المصري الحالي الذي يحاول التسريع في إخضاع، وحتى تصفية حماس بوصفها ذراعاً للأخوان المسلمين.

 

كذلك الحال فإنه من الأفضل ألا ندخل في منافسة متغطرسة مع نصر الله. فالواقع الذي دخل فيه الحزب هو واقع صعب أصلاً: الحرب العنيفة في سوريا والتي لن تصل إلى نهايتها حتى وإن تمت هزيمة داعش هناك. ومشاكل الشرعية في لبنان، والخوف مما يمكن أن يحدث في الواقع في مواجهة شاملة مع إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، مصلحة إيران في الحفاظ على قوة الحزب لليوم الموعود (في سياق احتمال تجدد التهديد العسكري الإسرائيلي على البرنامج النووي الإيراني). وهذه العوامل الكابحة تؤدي إلى تآكل في الهوية الجهادية لحزب الله وفي موقعه بين أوساط الجمهور وفي نظر الكثيرين في العالم العربي، حيث وصلت الأمور إلى درجة الإعلان عن التنظيم تنظيماً إرهابياً من جانب المملكة العربية السعودية. وهي خطوة لم تكن تخطر بالبال في “السنوات الذهبية” للحزب بوصفه حامل لواء الصراع ضد إسرائيل.

 

إن كل هذه الأمور واضحة للجميع حتى بدون أن تقوم إسرائيل بالتلويح بذلك في وجههم (وسلسة الخطابات المبرمجة لنصر الله تشكل دليلاً فقط على أنه يجب عليه الرد على أسئلة غاية في الأهمية، وبخاصة لجهة ما يتعلق بدور الحزب في الحرب الوحشية في سوريا). وتُحْسِن القيادة الإسرائيلية صنعاً من خلال حفاظها (غالبية الوقت!) على الصمت حيال ما يجري في إطار المعركة بين المعارك، ولا تفرض على حزب الله أو على الأسد الرد بطريقة تظهر أنهما لا يزالان ملتزمين بالصراع النشط ضد إسرائيل. وفي المنظور الواسع، فإنه طالما لم نصل إلى نشوب الصراع العسكري (والذي ستتغير عنده قواعد اللعبة) فإنه يجب تفضيل الاستمرار في الاستنزاف المتواصل لنهج الجهاد على الإذلال قصير المدى.

 

وفي هذا السياق تظهر قضية الضربة الوقائية، أي الاستغلال المحتمل للضائقة التي تعاني منها التنظيمات بهدف القيام بعملية عسكرية واسعة (محدودة بشكل أقل) لتدمير البنى التحتية الواسعة التي أقيمت بهدف التهديد على مواطني إسرائيل وعلى المنشآت الحيوية. والنقد الذي تم توجيه بعد المواجهة عام 2006 لـ “مقولة الصدأ” لمخزون الصواريخ والأسلحة النوعية الخاصة بحزب الله هي بمثابة ملاحظة تحذيرية هامة اليوم أيضاً. ومع ذلك، لا مناص من القول إن إسرائيل عام 2006 هي ليست إسرائيل عام 1982 أو إسرائيل (دافيد) بن غوريون عام 1956 – فالقيام بتوجيه ضربة قاسية أو بحرب وقائية، خاصة أنها من النوع الذي من المتوقع أن يترافق بضربة مؤلمة للجبهة الداخلية، لن تكون الخيار الذي تُقدِم عليه أية حكومة بمبادرة منها، بل بعد أن تستنفذ كل الخيارات الأخرى. فالأدوات في مستودعات حزب الله ليست “صدئة”، وعددها في حالة تزايد مع مرور الزمن. ومع ذلك فإنه يجب الدمج بين ثلاثة مكونات ومحاور عمل رئيسية: أولاً تحسين الرد التكنولوجي الذي يهدف إلى القضاء على أي احتمال لتحقيق أي إنجاز من جانب منظمات المقاومة. وثانياً، الرد بيد من حديد على كل كسر للتوازن – وليس فقط برد عديم الفائدة للتبجح به. وثالثاً، طول النفس القومي والتصرف الحذر والحكيم. وتلك الأمور الثلاثة هي التي ستحدد، مع مرور الزمن، أثر الردع. والاستخدام الممنهج لهذه الأدوات يمكن أن يؤدي إلى التآكل المتراكم لإدعاءات الجهاد لهذه التنظيمات، وكذلك تآكل القوة الشاملة للنظرية الأيديولوجية الكامنة في أساسها.

 

الـتكامل كمضاعف للقوة

في كل ما سبق ذكره يوجد وسيكون هناك، بطبيعة الحال، دور مركزي للجيش الإسرائيلي ولمنظومة الأمن والجهات الاستخبارية كعناصر هامة أساسية في قراءة صورة الوضع على الجانب الآخر من الحدود (أو خط الفصل) وفي التخطيط للرد النشط (الردع، والحرب بين الحروب، والعمليات الحربية، وإدارة اليوم التالي) وفي تنفيذه في الواقع. ولا يوجد هناك بديل لهذه المسؤولية الشاملة، التي تدفع المنظومة العسكرية للعمل أيضاً في مجالات لا تنتمي بشكل واضح إلى مجال اختصاصها مثل “الحرب على الوعي”، ومثل إدارة تشكيلات الطوارئ.

 

ومع ذلك فإنه من أجل تطبيق كامل لمجموعة الأهداف التي وُضعت أعلاه، واستخدام كل الأدوات المطلوبة من خلال توازن صحيح بين الأهداف والأساليب العسكرية وبين الجوانب السياسية والاقتصادية، من أجل ذلك، هناك حاجة إلى إدارة متكاملة على أعلى مستوى – رئيس الحكومة، إلى جانب مجلس وزاري (مصغر؟) والذي تم تفويضه بقرار حكومي لإدارة المعركة بكل جوانبها، وفي خلفية ذلك عمل طاقم منظم بواسطة قيادة الأمن القومي، بما يشمل:

– إدارة غرفة الحرب التي يوجد فيها تمثيل لكل الجهات المعنية.

– إجراء مداولات لتقييم الوضع الإستراتيجي – والتي تدمج جهات التخطيط والتفكير من مختلف جهات المنظومة، والتي تدرس بصورة متواصلة قضايا الهدف الإستراتيجي في مقابل الأدوات التي اختيرت لتحقيقها.

– الإعداد الدقيق لمداولات المجلس الوزاري المصغر (والإعداد المسبق للمشاركين فيها) ولمشاورات الوزراء المقلصة وذلك في تطلع لتركيز النقاش في القضايا الحاسمة والمحددة بشكل جيد ـ وفي مجموعة من البدائل المناسبة.

 

وبسبب مركزية الجانب المتعلق بسحب الشرعية فإنه يجب منح موقع كبير لممثل وزارة الخارجية في بلورة رؤية شاملة وبخاصة لجهة “انضاج” حالات الإنهاء ، وبشكل خاص لأولئك المتخصصين في دقائق الأمور في مجلس الأمن، مع وضع تحديد مسبق لما هو مطلوب منهم في مراحل التخطيط والتنفيذ. ويجب أن تكون مهمتهم ليس فقط البحث عن نهاية الحرب، بل أيضاً أن يخلقوا حول الوضع النهائي مجموعة متنوعة من التأثيرات السياسية المستقاة من الأهداف العليا التي وُضعت أعلاه: الحفاظ على الشرعية وإظهار موقع إسرائيل القوي (“لن تنجحوا في عزلنا”)، والكشف عن جرائم الحرب التي يقوم بها الخصم وذلك عن طريق التوزيع الأمثل للمواد التوثيقية المرئية. واستغلال الجهد الإعلامي والاستخدام الناجح لعناصر مضاعفة القوة في أوساط يهود الشتات. وهناك أهمية خاصة معروفة في هذا المجال لدور الممثليات الإسرائيلية في التحضير المسبق لميدان المعركة الإعلامية والقانونية، وذلك عن طريق النشر الواسع للمعلومات حول إستراتيجيات الدروع البشرية في أوساط مبلوري الرأي العام – في وسائل الإعلام وعلى الساحتين العامة والسياسية وبذلك فإنهم لا يتفاجأون مما قد يشاهدوه لاحقاً في حال حدوث مواجهة واسعة النطاق.

 

وقضية إدارة العلاقة أمام المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري والاستخباري الأعلى في الدول الرئيسية في الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، هي قضية حساسة وتتطلب إدارة مركزية وحريصة جداً، وذلك حتى لا تُمرَّر رسائل متناقضة في مسارات مختلفة – بوادر الاحتكاك مع إدارة أوباما خلال السنوات الأخيرة لا تقلِّل من أهمية تنسيق التوقعات، وفي حالة إمكان ذلك، التنسيق السياسي العملي في إدارة عمليات الإنهاء مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الأفضل أيضاً أن يتم ذلك مع ألمانيا وبريطانيا، وكذلك مع جارات إسرائيل التي تشاركها رؤيتها ضد المقاومة. وتُظهر المحاولة لبلورة قرار في مجلس الأمن بعد نهاية المعارك في عملية “الجرف الصامد” هذه النقطة بشكل جيد – حتى وإن تم إفشالها في نهاية المطاف من قبل أبو مازن.

 

موجز وأفكار: الجانب الدولي والإقليمي

إن معظم ما قيل هنا ليس بالجديد. وقد حدثت أربع معارك، خلال عشر سنوات، على شكل عمليات محدودة (لم يكن مخطط لها دائماً بشكل مسبق) من أجل ترميم الردع، وقد تركت هذه المعارك جملة من العبر التي تم تعلمها واستيعابها، بخاصة في الجيش الإسرائيلي، وكذلك في أوساط جهات أخرى في المنظومة كلها. والنموذج الواضح على ذلك هو التغيير الذي حدث في مكانة هيئة الأمن القومي في ضوء نتائج لجنة فينوغراد حول إخفاقات التكامل التي ظهرت خلال حرب لبنان الثانية. والرسالة الرئيسية هي أن بلورة السياسية في كل جوانبها، بدءاً من التخطيط العملياتي وانتهاء بالملف الدبلوماسي وفي إعداد الجبهة الداخلية، يجب أن تكون محكومة بالمهمة بشكل مثابر وممنهج، حيث يتم تحديدها ليس فقط بتجريد قوى المقاومة من تحقيق هدفها بل أيضاً بتحطيم الأسطورة التي بنتها لنفسها، وتقويض نظرياتهم الأساسية بالنسبة للمستقبل.

 

على الرغم من التجربة الموضوعية لإسرائيل بوصفها تعيش لوحدها في عالم معادٍ فإن الصورة السياسية في كل واحدة من المعارك كانت إلى الآن معقدة أكثر من التي قبلها وعكست أيضاً احتمال فهم دوافع إسرائيل ودعم أهدافها (وحتى أن بيان الإتحاد الأوربي في تموز / يوليو 2014، الذي شمل عناصر قاسية ومسيئة في قضايا التسوية الدائمة، إلا أنه تضمن رسائل شديدة لإدانة حماس، وطلب تجريدها من سلاحها، وتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن مواطنيها). وتتجلى هذه الأمور بشكل أكبر على النحو الذي ظهر في تبادل الأقوال في شهر آب / أغسطس، وذلك في الغطاء الذي تمنحه مصر للضغط الممارس على حماس، وفي السياق الإقليمي الأوسع المشتق من المواجهة مع إيران، هناك أساس للافتراض بأن السعودية وشركاءها، الذين وصفوا حزب الله بأنه منظمة إرهابية، لن ينظروا إلى الأمر بانزعاج (هكذا كان الحال أيضاً في عام 2006) إذا ما قامت إسرائيل بتوجيه ضربة قاصمة إليه.

 

وعليه، يجب ترجمة مكونات التخطيط والتنفيذ، التي وُصفت أعلاه، وفق توجه سياسي شامل، وفعلها بطرق تأخذ بالحسبان احتمال التأييد لها: هي ستوفر معلومات وعروض قانونية وأخلاقية لإرضاء هؤلاء الذين يريدون تقديم العون، وتعمق العزلة الدولية والإقليمية لقوى المقاومة – مع التأكيد على دق إسفين عميق إلى أقصى درجة ممكنة بينها وبين القيادة في الدول الصديقة لإسرائيل. وكل هذه الأمور – إذا ما تمت إدارتها بالشكل الصحيح – ستُظهر لها، سواء بشكل موضعي (في الحرب)، وسواء على المدى الطويل، بأنها ليست هي من سترسم المستقبل. ودرجة كبيرة من الشمولية، وتنسيق الخطوات، والحفاظ على الانضباط في كل ما يتعلق بالرسائل الرئيسية (وتقديم جرعات حذرة منها بشكل علني) ستمكّن من الاستمرار في التوجه، الذي بدأ بالاتضاح من حادث إلى آخر، في تحييد إستراتيجية العدو، والاستفادة الناجحة من كل نقاط التفوق الإسرائيلية (وهذه الأقوال تُقال على الرغم من الانتقادات الموجهة إلى المستويين السياسي والعسكري في أعقاب عملية “الجرف الصامد”، حيث أن بعض هذه الانتقادات مشروع، إلا أن بعضها أيضاً نابع من قراءة خاطئة للواقع السياسي الإستراتيجي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى