كلمتنا

الانتخابات المسمومة..

د. محمد البحيصي ..رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

بالرغم من كل الملاحظات الجوهرية التي تُسجّل على أيّة عملية انتخاب يقوم بها أي شعب تحت الاحتلال كحالة الشعب الفلسطيني، وأقلّها أنّ الرّد الطبيعي والفطري على الاحتلال يكون بالمقاومة والثورة على المحتل بكل عناوينه وطرائقه، ولا تكون أبداً بالتعايش والمساكنة التي توفّر للاحتلال وهو هنا من النوع الإحلالي  والنقيض الوجودي، توفّر له احتلالاً آمناً غير مكلف، وذلك هو الأمر الذي يحتاجه لإكمال الإطباق والمصادرة للأرض تمهيداً للتهجير أو العزل..

وعليه فإنّ وصفة الانتخابات ليست هي الوصفة الصحيحة لعلاج الحالة الفلسطينية، والذين أرادوها وأرادوا فرضها على الشعب الفلسطيني يستندون إلى تشخيص خاطئ لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني..

ولا أدري لماذا وقع الجسم الفصائلي الفلسطيني بمعظمه في هذه المصيدة التي نُصبت له؟!

وهنا ومجاراة  لما تمّ التفاهم عليه مؤخّراً في القاهرة حيث لعبت أكثر الفصائل دور الشاهد على الورقة التي أعدّها المصريون بالتنسيق مع حركتي فتح وحماس وبترتيب مع الإقليم المتهاوي في سحيق التحالفات مع العدو، ومن وراء ذلك رعاية أمريكية وإسرائيلية، بحيث يُقال للفلسطيني بأنّه ليس أمامك من خيار سوى هذه الطبخة وإلّا فإنّ قضيتك ستدخل في ثلاجة الموتى في انتظار إهالة التراب عليها، بعد أن ظهر أنّ الذاكرة الرسمية العربية قد لفظتها وتقوم بإكمال روايات التزييف التي أشاعها الصهاينة بكل مسمّياتهم في الغرب والشرق..

والدليل على أنّ الدعوة لإجراء الانتخابات لم يكن بإرادة وقرار فلسطيني هو أنّ الملفات التي مثّلت نقاط الخلاف والتناحر بين الفصيلين المتنفذّين تم ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات، وهذا قلب للهرم على رأسه، وتضميد للجرح دون تنظيفه وتطهيره، إضافة إلى أنّ الأولوية الوطنية كانت تقتضي أن يُبدأ بإصلاح منظمة التحرير وإن شئت الدقّة إحياء منظمة التحرير التي هي الأب لكل الشرعيات أو هكذا يُفترض، ومع هذا تم الاتفاق على أن يُبدأ بانتخابات المجلس التشريعي وهي الآلية التي قادت إلى انفجار 2007 وما أعقبه من انقسام وصراع دفعت القضية ثمنه غالياً..

ومن حق شعبنا أن يتساءل: كيف يمكن إجراء انتخابات في أجواء الانقسام وغياب الرؤية الواحدة أو الرؤية المتفق عليها، وفي ظل الاستقطاب الذي شهدته مرحلة التسجيل، واللغة الثأرية العدوانية التي يتحرّك بها الفرقاء، فهل في مثل هكذا أجواء يمكن إجراء انتخابات صحيحة يتمتّع فيها الناخب بحرية الاختيار وفق المعايير الوطنية وليس المعايير الفئوية؟

ثمّ لنا أن نتساءل: أين “إسرائيل” من كل ما جرى ويجري ويُعدّ له.. وما الذي تريده من الانتخابات وهي التي نجحت إلى الآن في إبقاء الانقسام باعتباره مصلحة قومية تخدم أمن الكيان..؟

وهل صحيح أنّ “إسرائيل” مع وحدة الكيانية الفلسطينية، ووحدة الشرعية الفلسطينية؟

وإذا كان هذا صحيحاً فأيّة كيانية وأيّة شرعية تلك التي تسعى إليها “إسرائيل”؟

وإذا كان أعضاء المجلس التشريعي المنتخب والمحكوم لأوسلو سيكونون حكماً أعضاء في المجلس الوطني فعن أيّة منظمة تحرير نتحدّث؟

 

وأتساءل ويتساءل الكثيرون: إذا كانت الانتخابات التشريعية مسقوفة بأوسلو، وهذه هي الحقيقة فماذا ستصنع حماس إن كانت هي الرابحة في هذه الانتخابات أو لنقل إن سُمح لها أن تربح، وهنا لابدّ من الإشارة إلى تحكّم الكيان الصهيوني في العملية الانتخابية على الأقل في الضفّة، ومع حصار غزة.. هل ستمزّق حماس اتفاق أوسلو أم أنّها سترفع شعار (الواقعية السياسية)، وفي الحالتين هل أنّ الجسم الفلسطيني والحمساوي يحتمل هذا الافتراض أو ذلك..؟

وماذا لو كسبت (فتح) الانتخابات.. وما هو الجديد في سلوكها في الضّفة وهي التي منذ ربع قرن وأكثر تمارس السلطة حيث لا سلطة؟ وماذا عن سلاح المقاومة والمقاومين، وهل هي بصدد بناء جيش وطني تحت الاحتلال، وما مصير مشروع المقاومة الذي سيبدو خاسراً أمام مشروع التسوية فيما لو فازت فتح وشركائها.

وهل نحن حينئذ سنكون أمام صراع دموي جديد يهدم ما تبقّى من البيت الفلسطيني..؟

أسئلة كثيرة، لا أحد يجيب أو يمتلك الإجابة عليها، وهذا ما يجعلني أحكم على هذه الانتخابات بأنّها انتخابات مسمومة أُعدّت لتكون العشاء الأخير للفلسطيني وقضيته..

{{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}}

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى