مقالات وآراء

الاحتلال يسلب الأرض وفرص التطور العلمي والأكاديمي

تحسين الحلبي

لا يتعرض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة منذ عام 1948 ثم عام 1967، لكل أشكال الاحتلال الملموسة والوحشية بعد سلب أراضيهم وترابهم الوطني طوال 73 عاماً في داخل الكيان الإسرائيلي و54 عاماً في أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، فقط بل هم يتعرضون طوال هذه الفترة إلى منعهم من تلبية تطلعهم إلى تحقيق التقدم التعليمي والعلمي والبحثي بشكل ممنهج ومستمر منذ بداية النكبة.
وتزداد فداحة هذه الجريمة الإسرائيلية حين نجد أن سبعة ملايين فلسطيني يحتل أراضيهم ووطنهم ستة ملايين ونصف من المستوطنين ويتحقق لهم نسبة أعلى درجة من التعليم المجاني والمدعوم بمختلف مراحله وجامعاته ومؤسساته الأكاديمية وفي مجال الابتكارات لكي يفرضوا تفوقهم واستغلالهم لأصحاب الأرض بعد سلب كل فرص تقدمهم العلمي.
في الثامن من شهر تشرين الأول الجاري، كشف ديفيد كاتينبورغ، في المجلة الإليكترونية «موند فايس» بالاستناد إلى وثيقتين إسرائيليتين تعودان لعام 1960 أن مفوض قوات الشرطة الإسرائيلية يوسف ناحمياس، أصدر تعليمات موثقة أبلغ بها مباشرة جميع قادة الشرطة الحاضرين في شباط 1960 أوامر باتباع سياسة تقوم على «إبقاء الفلسطينيين في أدنى درجة تعليمية لكي تحقق الحكومة أهدافها وباستخدام كل الوسائل لهذه الغاية».
كاتينبورغ نشر وثيقة سمحت الرقابة أيضاً بتداولها بعد مرور أكثر من ستين سنة عليها، يصدر فيها رئيس جهاز الأمن السري «الشاباك» عاموس مانور، المختص بملاحقة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1949 حتى عام 1963، أوامر جاء فيها: «كلما جعلنا الفلسطينيين أقل تعليما كلما خفضنا من درجة قلقنا على مستقبلنا»، ودعا جميع ضباط الشاباك إلى «تعطيل وابطاء أي تقدم تعليمي أو ثقافي بين الفلسطينيين»، وقال لهم «إن الكادحين الفلاحين ليس هم الذين يقودون الثورات بل إن المثقفين المتعلمين هم الذين يحرضون عليها ويقودونها»، وطلب من رجاله أن «يستخدموا كل الوسائل غير القانونية لأنها الخيار الوحيد لتحقيق هذا الهدف»، وتدل الأرقام والإحصاءات أن نسبة المتقدمين علمياً وأكاديمياً في الكيان الإسرائيلي لا تقارن بحجمها الكبير وفرص توافرها للمستوطنين، بالنسبة السائدة لدى الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقوانين الاحتلال حاصرت كل فرص الفلسطينيين لتحقيق التقدم التعليمي والجامعي طوال كل تلك الفترة الطويلة وأصبحت هذه الفرص في أدنى حدودها بالمقارنة مع ما يتوافر من فرص لدول العالم الثالث وهذه السياسة المنهجية للاستعمار الاستيطاني جرى فرضها من قبل الاستعمار البريطاني لجنوب إفريقيا وزيمبابوي، لكي يبقى أصحاب الأرض الأفارقة هناك عبيدا يتم استغلالهم في أدنى أشكال الإنتاج لمصلحة المستعمر الأبيض.
وبرغم وجود الجامعات في عدد من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة حيث يعيش خمسة ملايين من الفلسطينيين، إلا أن قوانين وسياسة الاحتلال تفرض نقصا هائلا في كل وسائل التعليم والتطوير البحثي والعلمي الأكاديمي في هذه الجامعات وتمنع ممارسة المؤسسات الأكاديمية لحرية تبادل الخبرات مع الجامعات العربية والعالمية، وهذا ما يعد جريمة حرب موصوفة وملموسة لميثاق جنيف وحقوق الإنسان التي تقضي بحرية الوصول إلى كل مراتب ودرجات التعليم للإنسان في البند رقم 26.
نلاحظ أن المستوطنين في أراضي الضفة الغربية نفسها يجدون في نتائج هذه الجريمة فرصة لاستغلال الفلسطينيين وتشغيلهم في أعمال بناء المستوطنات ونقل مواد البناء وحتى الخريجون من جامعات الضفة الغربية قد لا تجد نسبة منهم فرصاً لتطوير تقدمهم الأكاديمي إلا في الخارج ثم لا يجدون لأنفسهم عملاً بعد ذلك في الضفة الغربية نفسها فيبقون في الخارج ويحرم الوطن المحتل من تقدمهم العلمي ولهذه الأسباب أيضاً يستمر الحصار على قطاع غزة الذي يعيش فيه مليونان، فالحصار الإسرائيلي يمنع عنهم حرية إدخال وسائل البحث والتقدم الأكاديمي العلمي والتقني.
وإذا كان الاحتلال قد ولد مقاومة لا نظير لها عند الفلسطينيين للدفاع عن ثقافتهم في المقاومة وعن هويتهم الوطنية والقومية وتمسكهم بالأرض وبوسائلهم المسلحة التي ابتكروها دونما حاجة لمعاهد تكنولوجية وصناعية فإن استمرار الاحتلال والحصار قد حال دون توافر فرص منح أبنائهم حق الانخراط الحر في تحقيق تقدمهم التعليمي والجامعي الجديرين به كشعب يضم اللاجئون منه في خارج الأراضي المحتلة نسبة كبيرة من أصحاب الدرجات الأكاديمية الجامعية والاختراعات التكنولوجية دون أن يحق لوطنهم وشعبهم في داخل الأراضي المحتلة الاستفادة منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى