مقالات وآراء

الإمام .. من الثورة إلى الجمهورية الإسلامية

د. محمد البحيصي – رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

الجمهورية الإسلامية حالة متفرّدة ونموذج ومثال يستحق التوقف عنده طويلاً لتعود ممتلئاً ثقة بقدرة هذه الظاهرة  العميقة الجذور على الاستمرار والانتشار رغم كل معوقات وعراقيل وصعوبة الطريق..

فالجمهورية الإسلامية تجمع بين نموذجي الدولة والثورة في مزيج متجانس رائق سائغٍ للشاربين، مع أن لكل منهما أي الدولة والثورة أعرافه وحدوده، وقانونه، وأصوله ..

والثورة هي الأساس والأصل، والدولة هي الفرع، وللدولة حدودها ودبلوماسيتها، وسياستها وأصدقاؤها وأعداؤها ..

وللثورة متطلباتها ودورها أو رسالتها ..

وليس بالضرورة أن تتطابق دائماً دبلوماسية الدولة، والثورة، وأحكامهما وحدودهما ، وليس من الضروري دائماً أن يتوافق حق الثورة ، وحق الدولة والنظام ، مع ضرورة الاحتفاظ بالدرجة المطلوبة والحد المطلوب من الانسجام والتناغم والتكامل في الوظائف لتحقيق رسالة الثورة والدولة معاً ..

إن رسالة الثورة تتطلب المبادرة السياسية، واقتحام الحدود والحواجز، والعوائق ، وأن تغتنم أيةُّ فرصة لتؤدي رسالتها إلى المسلمين جميعاً..

ولا بدّ أن تصطدم خلال هذه المسيرة الشّاقة بالعقبات والمتاعب ولا يمكن أن يخلو طريق الثورة من هذه العقبات والعوائق..

ولا بدّ أن تكون الثورة شجاعة وجريئة في قراراتها وخطواتها، وأن لا تسمح لنفسها بالتردد والتوقف..

وكان من مهمة الثورة المبادرة وعدم الاكتفاء بدور الدفاع ، لأن الأدوار الدفاعية عادة ما تكون ضعيفة ومحكومة لردود الفعل ولا تحقق تقدّماً وانتشاراً ..

  • والمبادرة تعني الاقتحام والإخلال بالاستقرار السياسي في المنطقة ( بالمفهوم الإيجابي) وليس بالمفهوم السلبي التخريبي ..

الاقتحام والإخلال  هنا يعني نشر الوعي الثوري والحركي ، والعمل على إيقاظ الرقود الذي تعاني منه الأمّة ، وبعث الصحوة ، وفضح السياسات الاستكبارية والخيانية لحكام بلاد المنطقة ، وقطع أيدي عملاء وسماسرة الاستكبار ..

وهذا هو المعنى الذي أراده مصطلح (تصدير الثورة)

إنّ الوعي هو الجسر الذي تتحرك عليه الثورة الإسلامية إلى العالم الإسلامي ، وإنّ الوعي  بالتجربة الثورية في إيران ، بكل ظروفها وشروطها وآلياتها كفيل بأن تتوسّع هذه التجربة ، لتحقق إنجازات مهمّة على صعيد شعوب الأمة المستضعفة المضطهدة ..

(وهذا للأسف ما لم يحصل، ولم تستفد منه الشعوب في المنطقة وخاصة الحركات الإسلامية التي سجّلت جملة من التجارب الفاشلة)

إنّ الذي جرى في إيران لا يتطلب غير :

وعي عميق ، وعزيمة وإرادة لا تلين ، وتضحية ، وحركة في اتجاه الهدف ،وإيمان وثقة بالله سبحانه وتعالى ، وصدق وعده في نصرة المؤمنين ، وثقة في قدرات الجماهير الواعية المضحيّة المؤمنة بحتمية التغيير .

وهذه العناصر التي تحققت بها ثورة الشعب الإيراني  كانت كفيلة بإسقاط أكبر معاقل أمريكا والصهيونية في المنطقة ..

إنّ رسالة الثورة في العالم الإسلامي هي :

كسر حاجز الخوف … إذ ليست الأسلحة التي يمتلكها الطغاة هي التي تكبّل وتقيّد الناس عن الحركة والتمرّد والثورة ..

وإنما  الخوف ، والجبن، والوهن ، وإيثار السلامة والراحة والفرار من الموت الكريم و الشجاع ، والركون إلى الموت المذل والحياة المهينة ..

ورسالة الثورة هي كسر حاجز الخوف ، وتحطيم أغلال الركون إلى السلامة الزائفة ، وزرع الشجاعة والإقدام والتضحية في النفوس وتفجير الطاقات الكامنة ..

 

خط الثورة

  • من خصائص هذا الخط أنه نتاج تجارب الشعب الذي عانى العسف والاضطهاد والمعاناة والآلام والعذابات ..

وليس خطاً سياسياً وجهادياً نظريّاً ..

إنّ تضحيات المجاهدين هي التي منحت هذا الخط الغطاء الثقافي والحركي وليست مجموعة نظريات ودراسات وأبحاث .

ومن هنا جاء عمق هذا الخط وتجذّره في وجدان الأمة وعمق ضميرها ، ولم يكن مجرّد فكرة باردة أو طارئة فُرضت على الناس من خلال الإعلام، بل كان نابعاً من تجربة الأمة وقناعتها ومعاناتها، وتكونت مفرداته من خلال حركة الأمة …

  • كما أنّ من خصائص هذا الخط تاريخيته التي تمتد إلى رسالة الأنبياء والمصلحين المجاهدين، وهو بهذا خط أصيل ذو أصول ثابتة، مما يعمّق صلة الناس العقلية والعاطفية بهذا الخط .
  • ومن خصائصه حالة التصدّي والمبادرة والاقتحام لمراكز نفوذ قوى الاستكبار، وهذا ما لوحظ في حضور الدعم لقوى المقاومة الفلسطينية وحزب الله في لبنان ..
  • ومن خصائصه الارتباط الوثيق بالله سبحانه قائماً على أساس العبودية لله والإخلاص له، والاستعانة به، والاتكال عليه، والثقة به في كل الأحوال ، ومن هنا تأتي السّمة الأخلاقية التربوية في الثورة، حيث تمتاز الثورة بالأخلاقية ، وإعداد جيل مُربّى تربية أخلاقية شديدة قائمة على التقوى وتهذيب النفس والالتزام بحدود الله ، والأخلاق هي ملاك دعوة الأنبياء عليهم السلام .

{ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } ، { وإنّك لعلى خلق عظيم } .

  • ومن خصائص الثورة الإسلامية التبنّي المستمر لقضايا المستضعفين العادلة في العالم الإسلامي ، والدفاع عنهم، والثقة في قدرة هذه الشعوب لتقرّر مصيرها بنفسها بعيداً عن تسلّط قوى الاستكبار.

إنّ الإمام الخميني (قدس سره) أعاد من خلال خطابه الثوري طرح الإسلام باعتباره صيغة تنظيمية حضارية، وهذا ما أعاد إلى المسلمين الثقة بأنفسهم  ، والشعور بالقدرة على مواجهة القوى المتغلبة في العالم وعلى بناء صيغتهم الخاصة بهم .

ولو أنّ الحركات الإسلامية عامّة تفاعلت بجد وحق مع الخطاب الواعي الثوري للإمام لاستطاعت أن تتحرر من ترددّها، وأن تتقدّم في حركتها وتتعمق في فهمها ووعيها، ولصارت أكثر فاعلية وتأثيراً في السياسات الدولية الإقليمية والعالمية ، وأخذت واقعاً أساسياً في السياسات الدولية ولأضافت إلى موقف المسلمين البعد الأيديولوجي والحضاري والثقافي والسياسي بدل قصوره على التصدّي السياسي في أحسن الحالات .

 

مشروع الإمام الخميني (ره ) .. مميِّزاته وإنجازاته

 

استطاع المشروع الإسلامي الذي قاده الإمام الخميني إقامة نظام دستوري جديد، وأرسى قواعد مؤسسات ثورية جديدة لم تكن معروفة في عالمنا الإسلامي ، وهذا يعود إلى :

  • 1- التلاحم بين الشعب والقيادة .
  • 2- إلغاء التصدّعات والحواجز في البنية النفسية التي تقف حائلاً بين النظام والجماهير، كما هو الحال في أغلب بلداننا العربية والإسلامية .
  • 3- القدرة على المواجهة والصمود في وجه التآمر الدولي .

 

  • نجحت الثورة وفي وقت قياسي في تأسيس الجمهورية الإسلامية وأسلمة مؤسسات الدولة ، وصياغة أسلوب للتطبيق الإسلامي في إنشاء المؤسسات وإدارتها ، وفي تأصيل خط ( اللا شرقية واللا غربية) في سياساتها الخارجية .
  • إعطاء الفكر السياسي الإسلامي، وكذلك الفقه الإسلامي ثروة نظرية وعملية كان يفتقدها في العصر الحديث ، بحيث غدا للإسلام حضور قوي في السياسات الدولية .
  • تعدّى المشروع الإسلامي عند الإمام الإطار الديني، ليخاطب الإنسانية في العالم بمختلف أديانها ومذاهبها ومشاربها ، حيث كانت رؤيته للعالم تقوم على تقسيمه على قاعدة الاستكبار والاستضعاف ، فريق مستكبر وفريق مستضعف، ودعا إلى اصطفاف المستضعفين في وجه المستكبرين .
  • وقف المشروع الإسلامي في إيران موقفاً إيجابياً فاعلاً من العلم والتقدّم العلمي، وهذا موقف منفتح على إنجازات العلم  وإمكاناته،  ولقد كان من الثابت في عقول كثير من المسلمين بفعل الغزو الثقافي  أنّ الإسلام يقف موقفاً سلبيّاً من التقدّم العلمي، ولقد كانت هذه أكذوبة في محاولة تشويه  الإسلام في نفوس أبنائه .

واستطاعت الجمهورية الإسلامية ومن خلال تطبيقها المبدأ الإسلامي الإيجابي من العلم والمعرفة أن تغيّر هذا المفهوم ، لأنّ العلم طاقة محايدة لا يمكن أن توصف بأنها إسلامية او مسيحية دينية أو علمائية ، وأن طريقة استخدام المعرفة العلمية تحددها طبيعة النظام الذي يستخدمها من الناحية الأخلاقية .

 

الإمام والشعب ونظام الحكم

 

النظام الحاكم وكيل من قبل الشعب لحفظ النظام العام وإدارة شؤون البلد ، ومن هنا كان من الطبيعي أن يرجع الوكيل إلى من يوكّله في المحطّات التي تقتضي معرفة رأي الموكِّل ..

ولقد التزم الإمام بهذا المبدأ قبل انتصار الثورة ، والتزم بتطبيقه بعد الانتصار ، وكل ذلك عن قناعة دينية راسخة، وما الشورى في الإسلام إلّا التعبير العملي عن إرادة الناس، وهي حق من حقوقهم وهذا هو معنى قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر .. } ، وقوله : { وأمرهم شورى بينهم }

وأي أمر أعظم من طبيعة النظام الذي يُراد له أن يحفظ البلاد والعباد ، وحين يُؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمشورة الناس فلا يُعقل أن يأتي كائن من كان ليستنكف ويستعلي على هذا المبدأ ، ويستغني عن آراء الجماهير ..

ولقد تبنّى الإمام الاستفتاء على شكل نظام الحكم بعد الانتصار، علماً بأنه يستطيع الاستناد إلى التظاهرات المليونية التي عبّرت بوضوح عن اختيارها خط الإمام والجمهورية الإسلامية، ويعتبر ذلك الأمر محسوماً الأمر الذي يكشف مدى إصرار الإمام على بناء أسس الدولة على الوضوح التام ، وأن لا يدع فرصة للمتشككّين، وهذا هو النهج الذي سلكه.

وزيادة على هذا فإنّ الثقة المتبادلة بين الإمام والشعب كانت كفيلة بأن تأتي نتائج الاستفتاء الحر والنزيه مطابقة لرغبة الإمام وإرادته ..

وهو الذي قال في ردّه على المطالبين بإعادة الانتخابات :

” هؤلاء لا يعرفون الشعب ولو تكررت الانتخابات مائة مرّة لجاءت النتيجة نفسها ”

وفي مناسبات عدّة يشير الإمام (ره )إلى أن تحديد

شكل الحكومة بالاستفتاء الشعبي.

ففي مقابلة مع التلفزيون الأمريكي سُئل الإمام عن طبيعة الدولة التي يقترحها فأجاب :

” حول كيفية الدولة والنظام .. اقتراحنا هو الجمهورية الإسلامية ، ولأنّ الشعب مسلم ويعتبرنا في خدمته فإنّي أحدس بالموافقة على اقتراحنا .. نحن سنشكل جمهورية إسلامية عن طريق استفتاء الشعب ” .

وفي خطبةٍ له قال : ” الحكومة الإسلامية التي نريد هي جمهورية إسلامية تستند إلى آراء الشعب”.

وقال : ” رغم اعتقادي بأنّه لم يعد ثمة حاجة للاستفتاء على الجمهورية الإسلامية ، لأنّ الناس عبّروا عن رأيهم مراراً ، ولكن من أجل قطع الأعذار وإحصاء الآراء المؤيّدة سنجري الاستفتاء ليعلم العالم كلّه حقيقة الرأي الحر للشعب لمن ؟ ولأي نظام ” .

ولو أردنا تتبع النصوص في هذا المجال لطال بنا المقام ..

وهكذا أكّد الإمام على أنّ ” الميزان هو رأي الشعب ”

  • ومن الأمور التي حرص الإمام على الالتزام بها البعد القانوني ممثلاً بالدستور بعد إقراره ، ومعلوم أنّ مدى صدقية البعد القانوني في أية شخصية قيادية هو مدى التزامها بالقانون وخاصة حين تكون هذه الشخصية قادرة على تغييره أو تجاوزه عندما يتعارض مع قناعتها .

وثمّة شاهد في هذا السياق ، وفي مورد جزئي يوضّح لنا  أن الإمام الذي حرص على القانون في المسائل الجذرية المركزية كيف يحرص عليه في أدق التفاصيل ، فقد وجّه جندي في الجيش استفتاءً شرعياً إلى الإمام حول وجوب الالتزام بتعميم صادر عن قيادة الجيش حول التقيّد بحلق اللحية ، وحلق اللحية بحسب فتوى الإمام وسائر المراجع أمرٌ غير جائر ، إلا أن الإجابة على الاستفتاء بعد الجواز تشجع  هذا الجندي وغيره على عدم احترام القوانين والنُظم والتقيّد بها، كما أنّ الإجابة بالجواز منافية للحكم الشرعي ، لذلك نجد أن الإمام يجيب بما يلي :

” ولا يجوز مخالفة مقررّات الجيش ” .

وبذلك أثبت الإمام احترام القانون ، ومن جهة أخرى أوعز إلى قيادة الجيش بتغيير هذا التعميم الذي هو من مخلفات العهد السابق .

وفي هذا الصدد بقول الإمام : ”  الإسلام دين القانون ، حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  لم يكن باستطاعته أن يخالف ، يقول الله تعالى : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } إنه حكم القانون  ولا حكم لغير القانون الإلهي ، لا الفقيه ولا غير الفقيه، الجميع تحت القانون ، إنهم مجرون للقانون ، ومنفذّون ، الفقيه وغير الفقيه مجرون للقانون ، الفقيه ناظر على هؤلاء الذين يجرون القانون  حتى لا يخالفوا القانون ، لا أنه يريد هو أن يحكم ، يريد أن يمنع تغوّل الحكّام الذين يُفترض بهم ـن يطبّقوا القانون إلى طواغيت ” .

وفي مكانٍ آخر يقول : ” الالتزام بالنظام واجب إلهي، يجب أن تُبنى كل الأمور على النظام والانتظام، يجب أن يكون لكل شيء في الدولة نظامه الخاص” .

والملاحظ أن حرص الإمام على النظام والقانون كان من أجل التأسيس عليه باعتباره مدخلاً وقاعدة لبناء المؤسسات .

وهذا ما حدث حيث عمل الإمام في هذا المجال على خطّين :

  • الأول : بناء المؤسسات الرئيسية التي لا بدّ منها لأية دولة .
  • الثاني : بناء المؤسسات الفرعية التي حالت دون اختناق منهجية الثورة في انفاق النتاج الثقافي الإداري للعهد السابق .

وهكذا وبعد هذا الاستعراض السريع يكون الإمام (رضوان الله عليه) قد أنجز ما عليه ، محاطاً برعاية الله وتوفيقه وبثقة شعبه وأمته فيه، تاركاً للأجيال حفظ هذه الأمانة وتعاهدها وحمايتها وتعميق ونشر الوعي بها .

 

والحمد لله رب العالمين ..

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى