مقالات وآراء

الإدارة الأمريكية الجديدة و المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية

ظافر الخطيب _ خاص طريق القدس
تكتسب الانتخابات الامريكية و نتائجها اهمية كبيرة انطلاقاً من الدور المركزي الذي تلعبه امريكا كقوة عظمى في رسم معالم السياسة العالمية ،ودورها في الملفات الساخنة، لذلك تتكثف التحليلات حولها ، ولا شك ان الانتخابات الاخيرة وفوز ترومان احدث صدمة لدى الكثير من الدوائر السياسية والاقتصادية والاعلامية، وذلك يعود الى المواقف التي اطلقها الرئيس الامريكي المنتخب أثناء حملته الانتخابية والتي تفترق بكثير من خطوطها الاساسية عن السياسة التقليدية التي حرص على اتباعها السيستم الامريكي، إن كان على الصعيد الداخلي او على صعيد الملفات الخارجية، ومن الطبيعي أن ينشغل الفلسطينيون بشكل خاص و العرب بشكل عام في محاولة استشراف المرحلة المقبلة ومدى تأثيرها ايجابا وسلبا بالملف الفسطيني و بالوضع في المنطقة العربية .
على جري العادة عند المرشحين للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الامريكية،فإن العنوان الأسرائيلي ودعم “اسرائيل” في محاولة لجذب دعم وتأييد اللوبي الصهيوني والصوت اليهودي هو عنوان رئيسي في الحملات الانتخابية، لا بل أنه بات يعتبر عنواناً امريكيا داخليا مثله مثل القضايا الداخلية، والقاسم المشترك بين ترومان وكلينتون كان في التعبير عن التأييد المطلق لدولة الكيان الصهيوني ، وذهب ترومان حدا كبيراً في اطلاق الوعود والتي كان ابرزها لا اخرها ” انه في حال انتخب رئيسا فإنها سيسارع الى نقل مقر السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس ، لذلك هلل الاسرائيليون لفوزه في الاتخابات، لا بل ان نتنياهو يعتبر ذلك انتصاراً له ، خاصة وأنه كان يميل الى المرشح الجمهوري ، بعد فترة من العلاقات الغير ودية التي سادت خلال فترة رئاسة اوباما.
ان اي تحليل للسياسة الخارجية الامريكية خلال الفترة القادمة يجب ان يستند الى عدة اعتبارات اساسية :
• السيستم والدولة العميقة: على الرغم من الاهمية التي تعطى لدور الرئيس فإن هناك دولة عميقة بمؤسسات متجذرة ومراكز قوى وتأثير ونفوذ واستراتيجيات طويلة الامد تتأسس على نظام المصالح العابرة للحدود والقارات و على اهمية الأمن القومي و المدى الحيوي للمصالح الامريكية، يضاف الى ذلك الارث الكبير الذي انتج اعراف وثوابت لا يمكن القفز عنها بسهولة من الرئيس الامريكي .
• ترومان والخروج عن النظام: لا شك ان احدى المفاجآت التي احدثها انتخاب ترومان عدا عن المواصفات الشخصية حول اتهامه بالفساد الاخلاقي والمالي و عنصريته ،كانت تتمثل في كونه جاء من خارج النظام، اكثر من ذلك، فإن ابرز العناوين التي طرحها والتي جذبت قطاع واسع من الناخبين تمثلت بالعنوان الذي طرحه (تطهير السيستم من الفساد)، وعليه يبرز التساؤل، هل يحافظ ترومان على شعاره أم أنه يتعقلن ؟ إذ ان التمسك بهذا العنوان الإستراتيجي يعني الدخول في مواجهة السيستم ، والتقدير الغالب ان هذا الشعار كان شعاراً لا يعدو عن كونه شعاراً انتخابيا.
• فريق ترومان: ينشغل الرئيس الامريكي الان في اختيار الفريق الذي سيدير بواسطته و من خلاله مجمل السياسات الداخلية والخارجية، ومن الملاحظ ان معظم المرشحين لملء المناصب في ادارة ترومان، أكان على مستوى المستشارين او على مستوى المناصب الحكومية ، يشتركون بشعبويتهم و انتماءهم للتيار المحافظ.

من خلال ما تقدم يتضح ان الاهتمام بالدرجة الاولى سيكون على السياسة المحلية، غير ان ذلك لا يعني أن الإهتمام بالملفات الخارجية سيتراجع، تصريحات ترومان وفريقه تبين أن الاولويات لن تختلف اختلافاً جذريا عن اولويات ادارة اوباما من حيث الترتيب ، الصين والشرق الادنى ، روسيا، محاربة الارهاب ، التجارة العالمية، ايران والملف النووي ، الناتو، هي الملفات التي ستشغل السياسة الخارجية الامريكية، والإختلاف سيكون من حيث الكيفية التي سيتعامل بها ترومان وفريقه مع هذه الملفات، وهي مسالة غير واضحة ، وإن كان ما يترشح مثير للقلق لدى الكثير من الدوائر العالمية، وهو ما يفرض احتمال الدخول في منطقة من عدم الإستقرار العالمي في المرحلة القادمة، ويبدو من خلال اولويات السياسة الخارجية الامريكية ان القضية الفلسطينية لن تحظى باهتمام رئيسي واستثنائي .
من خلال ما تقدم يمكن استخلاص التالي:
• استمرار الرعاية الامريكية لأسرائيل والتغطية على خططها الميدانية والدفع اكثر باتجاه تكريس الاعتراف بيهودية الدولة.
• اهمال القضية الفلسطينية وهو ما يعني اعطاء الحكومة الصهيونية مساحة من الوقت تستطيع من خلالها المضي في سياساتها في تقزيم القضية الفلسطينية .
• انطلاقاً من العقيدة التي تحكم الفريق الجديد في الولايات المتحدة الامريكية والتي تعادي الاسلام فإن تعويم ملفات الحركات الاسلامية الرئيسية في المقاومة كحزب الله، حماس ، الجهاد وباقي قوى المقاومة، كجزء من محاربة الارهاب ، يطرح فرضية التغطية على حملات عسكرية للكيان الصهيوني خلال الاربع سنوات القادمة من إدارة ترومان.
وعليه فإن هناك جملة مخاطر تبرز كاحتمالات واقعية ، وهي مخاطر تهدد الوضع الفلسطيني خاصة بالمزيد من الضغوطات بما فترض معه اهمية السعي الى الخروج من منطقة الانقسام وتنسيق استراتيجية موحدة قادرة على تعبئة الشعب الفلسطيني في مواجهة المخاطر المحدقة.
لقد واجه الشعب الفلسطيني كل عمليات الشطب والالغاء من خلال مقاومته المتجددة دائما بأساليب مختلفة، ولإن كانت الفرصة متاحة للقيادات الفلسطينية من اجل استيعاب المعطيات الراهنة ومخاطرها المحتملة، والتعامل بشكل جدي ومسؤول يستطيع استنهاض الهمم من اجل اعادة الإعتبار للقضية الفلسطينية، فإن واقع الحال يقول أن الشعب الفلسطيني بإبداعه النضالي لن يقف موقفا انتظاريا مترقباً لما ستؤول اليه السياسة الخارجية لإدارة ترومان، بل سيستمر بعمليته النضالية في التمسك بالحقوق الفلسطينية، وعليه فإن هذه الفرصة المعطاة قد تتحول عند قوى الشعب الفلسطيني الى اداة تغيير تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى