عالمي

الأوربيون يسترجعون مدافئ الحطب.. “هذا هو ثمن الحرب”

نشرت صحيفة “واشنطن بوست”، في تقرير لها، قصةً عن مواطن ألماني طاعن بالسن في حي كروزبرغ في برلين، التقطت

صورة له وهو يتفقد فرنه القديم الذي تم بناؤه عام 1880، ولكنه لم يستخدمه منذ عقود. الآن، وفي الوقت الذي ينفد غاز التدفئة في ألمانيا، أعيد انتشال الأسلحة القديمة من مخازنها.

قال العجوز في تصريح صحافي إنّ ذلك ذكّره بنشأته في ألمانيا الشرقية، حيث كان المواطنون أكثر استعداداً لانقطاع التيار

الكهربائي من حين إلى آخر، لكن هذه المرة، باتوا على دراية، بحسب قوله، بأنّ العقوبات الحالية “لن تنهي الحرب، ولن تضعف روسيا”، خاتماً: “الأميركيون يراقبون بشكل مريح”.

قاد الأميركيون حملةً عالمية لفرض عقوبات على روسيا، وتبعتهم في ذلك الدول الأوروبية. بعدها، استخدم الرئيس الروسي

فلاديمير بوتين صادرات الغاز الطبيعي وحجب الشحنات سلاحاً، رداً على خطوات العالم الغربي. ألقى “قنبلة” اقتصادية، لتشهد دول ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا، مثلاً، زيادات في أسعار الفائدة وصلت في بعض هذه البلدان إلى 210%.

في بريطانيا، يتخلى السكان الذين يعانون ضائقة مالية عن تربية الحيوانات الأليفة، فيما تحذر المدارس من أنّ ارتفاع تكاليف الطاقة يعني أنهم لم يعودوا قادرين على شراء الكتب المدرسية الجديدة.

وفي بولندا، يدرس المسؤولون توزيع الأقنعة المضادة للضباب الدخاني، في الوقت الذي يفكر البولنديون في إحراق القمامة للتدفئة في فصل الشتاء.

أما في ألمانيا، فينفض سكان برلين الغبار عن أفران حرق الفحم والأخشاب التي وضبوها منذ حقبة الحرب الباردة. وبالتوازي، ترتفع أسعار وقود الملاذ الأخير: الحطب. بات الحطب هو “الذهب الجديد” الذي يسعى الأوروبيون لاقتنائه، مع ارتفاع فاتورة الطاقة بنحو 3 أضعاف السعر السابق.

مخاطر

وقال نوربرت سكروبيك، عامل تنظيف مداخن في برلين، إنّه شهد زيادةً في الطلب مع تجديد سكان برلين المواقد القديمة

وتركيب أخرى جديدة. ويخشى أن يؤدي إقبال السكان المحليين على شراء أجهزة تدفئة متنقلة إلى تسريبات خطرة لأول

أكسيد الكربون إذا تم تركيبها أو استخدامها بشكل غير صحيح، محذراً: “أنا مقتنع بأنّه سيتعين علينا نقل بعض الأشخاص

أفقياً هذا الشتاء”.

وفي السياق نفسه، يملك الاتحاد الأوروبي مساحة غابات كبيرة تصل إلى 160 مليون هكتار، أي 3.9% من الغابات في

العالم، و37% من المساحة الكلية للاتحاد. وتحتل السويد المرتبة الأوروبية الأولى في مساحة غاباتها البالغة 28.2 مليون

هكتار، تليها فنلندا وإسبانيا، ثم فرنسا، فألمانيا وإيطاليا.

حرائق

لكن الحرائق الأخيرة التي ضربت أوروبا قضت على 662.776 هكتاراً من الغابات، وفق البيانات التي حدّثها نظام المعلومات الأوروبي إزاء حرائق الغابات.

تقلصت أعداد الحطب أيضاً. وفي الوقت الذي أحرقت الحرارة أوروبا هذا الصيف، بدأ المشترون المذعورون بتخزين الحطب قبل أسابيع، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار. مثلاً، في قرية آغ الريفية في المجر، على بعد ساعتين جنوب غربي بودابست، تضاعف سعر الحطب الذي يستخدم بشكل حصري تقريباً كوقود شتوي، فيما باتت قيمة شجرة واحدة تكلف الآن ما يقارب نصف متوسط راتب عامل القرية البالغ 249 دولاراً في الشهر.

وإضافة إلى ذلك، كثر نشاط اللصوص الذين يسرقون جذوع الأشجار من الشاحنات.

قبل هذه الحرائق، كان الاتحاد الأوروبي ينتج 330 مليون متر مكعب من الخشب سنوياً، لتستخدم في 3 مجالات، هي البناء العقاري وصناعة الأثاث، وأخيراً التدفئة، مع العلم أن التدفئة بالحطب كانت شائعة في المناطق الريفية المنتجة. وعلى هذا الأساس، يكثر استخدام هذا النمط في فرنسا وألمانيا ورومانيا، إذ يمثل سكان الريف فيها، بحسب منظمة “الفاو”، 23% و26% و47% من مجموع السكان توالياً، في حين يقل استخدامه في بريطانيا التي لا يتجاوز سكان الريف فيها 10%، وفي بلجيكا التي يقل سكان الريف فيها عن 3%.

نزيف اقتصادي

ولوقف النزيف الاقتصادي، تسعى الدول الأوروبية جاهدةً لخفض الاستهلاك وملء الاحتياطيات واستبدال مصادر الغاز الطبيعي الروسي. وفي الوقت نفسه، تعهدت الحكومة الألمانية تقديم مساعدات مالية بقيمة مئات المليارات من اليورو للمستهلكين والشركات، لكن من غير المرجح أن تعوض هذه الخطوات التكاليف المرتفعة تماماً، ما يجعل المحللين يحذرون من زيادة الفقر، والطبقة الوسطى المدمرة، والديون الحكومية المتزايدة، وضرر بيئي أكبر.

من جهته، قال رئيس هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا، كلاوس مولر، في تصريح لصحيفة “واشنطن بوست”: “هذا هو ثمن الحرب”. وقبل شتاء لا يمكن التنبؤ به، يزداد المستهلكون الأوروبيون يأساً. ففي بريطانيا، أظهر استطلاع حديث أنّ واحداً من كل 4 أشخاص تقريباً يخططون لإبقاء الحرارة منخفضة هذا الشتاء، بهدف الحد من استهلاك الوقود، مع العلم أنّ لندن، على عكس بعض الجيران الأوروبيين، لا تعتمد على روسيا في الحصول على الغاز الطبيعي، إذ تشكل مستورداتها من روسيا 4% فقط، لكن سوق الطاقة فيها انقلبت رأساً على عقب بسبب ارتفاع الأسعار الناجم عن النقص في أماكن أخرى. وارتفعت أسعار الغاز المحلية بنسبة 96%، وأسعار الكهرباء بنسبة 54% في العام المنتهي في تموز/يوليو.

تصريحات

وفي خطابه خلال منتدى اقتصادي في مدينة فلاديفوستوك على المحيط الهادئ، قال بوتين: “لن نورد الغاز والنفط والفحم وزيت التدفئة. لن نورد أي شيء”.

كان هذا التصريح بمنزلة الإيعاز لدول أوروبا بالعمل من دون الاعتماد على أي شيء كان يأتي من روسيا. هكذا، باتت إفرازات العالم الجديد. سريعاً، بدأت ألمانيا التي تترنح نحو الركود بسباق الجدول الزمني في ملء احتياطياتها من الغاز، لكن لا شك في أن الشتاء البارد سيسبب مشقة قاسية إذا ما فرضت الحكومة تقنيناً سيلامس المواطنين قبل الصناعة، بحسب تصريح مسؤولين ألمان.

كذلك، فإنّ حزمة المساعدات الثالثة الألمانية في 7 أشهر، التي بلغت 65 مليار يورو لمساعدة الأسر المتعثرة، ستكون ذات فائدة محدودة، إذ لن تخرج شيكات المساعدات حتى كانون الأول/ديسمبر، ما يترك الألمان يدفعون ما يتوجب عليهم من زيادات من الآن إلى حينها.

كل ما تحاول أوروبا القيام به لا يزال حتى الآن بعيداً عن الحلول الجذرية، ويتشابه مع “المهدئات” التي لن تقي فقراء القارة التجويع أو التجميد، مع تصاعد التضخم درجةً تلو أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى