شؤون العدو

الأنظمة الملكية في الخليج

بقلم: أودي ديكل

مقدمة: الثورة التي لم تنضج بعد

التقلبات الاقليمية كانت هي العنصر الاكثر تاثيرا في الشرق الاوسط في السنوات الاخيرة، حيث سقط خلالها عدد من الانظمة وعدد اخر واقعا في دائرة الخطر او من شأنه ان يقع فيها. ولكن لم يسقط أي نظام من الانظمة الملكية في الخليج، باستثناء البحرين التي شهدت وما زالت تعاني خطر عدم استقرار النظام.

ربما يقول قائل ان الوقت ما زال مبكرا للحكم على”الربيع العربي” الذي لم تتوقف احداثه بعد، ولكن المحللين لا يستطيعون السماح لانفسهم بالانتظار حتى وضوح الصورة تماما. اضافة لذلك فان الانظمة الملكية تعرضت في الماضي لتهديدات ونجت منها. لذلك بالامكان اخذ العبر من تجاربها ومعرفة اسباب استقرارها. اخيرا فان الفترة الزمنية التي انقضت منذ بداية الاحداث يوفر لنا دلائل ليست بالقليلة فيما يتعلق بالوسائل التي اتبعتها الانظمة الحاكمة الخليجية في مواجهة الهزات الاقليمية وهذه بدورها تشير الى قدرة تلك الانظمة على الصمود مستقبلا امام الهزات.

الدول الخليجية لم تشهد احتجاجات قوية ،ففي قطر حيث معدل دخل الفرد فيها هو الاعلى في العالم، لم يجد المواطنون سببا للاحتجاج. النظام في اتحاد الامارات سحق بقوة ما تبقى من المجتمع المدني.وخصوصا تلك المجموعات التي تنتمي الى الاسلام السياسي قبل ان تبدأ باي احتجاج. عمان، التي من شانها ان تجد نفسها ازاء ازمة توريث مع موت السلطان قابوس بن سعيد، شهدت اضطرابا قصيرا ومحدودا وردت عليه بالقمع وباجراء اصلاحات محددة.في السعودية تتركز الاحتجاجات في المنطقة الشرقية، ذات الاغلبية الشيعية، وتتفرغ عبر وسائل التواصل الاجتماعية. اما الاحتجاجات المتواصلة في الكويت فانها تعبر عن ارث طويل من النشاط المدني والاحتجاج السياسي الذان سبقا الهزات الاقليمية. فقط قطر ما زالت تواجه عدم الاستقرار الذي تغذيه التوترات الطائفية.

هنالك منظرون كبار توقعوا انهيار تلك الانظمة الملكية وذلك قبل حوالي نصف قرن، نظرا لان تلك الانظمة عفى عليها الزمن، ولن تنجح في الصمود امام رياح التقدم والتغيير. اكبر المنتقدين كان “صموئيا هنتنجتون”. وحسب “عقدة الملك” فمن اجل المحافظة على عرشه يضطر الملك لاستخدام القمع والتنازل عن عمليات التحديث التي تعرض عرشه للخطر. وقد ادعى في نهاية ستينات القرن الماضي ان تلك الانظمة عصية على الادارة وان مصيرها الزوال.

كما كتب “دانيل برنر” في اواخر الخمسينيات ان معظم المجتمعات في الشرق الاوسط ستمر بعدة مراحل: التمدن،محو الامية ، الانكشاف لوسائل الاتصال الجماهيرية واخيرا الرغبة في المشاركة في الحياة السياسية. وسيقف على رأس التغيير الطبقة الوسطى .

في سنوات السبعينيات رأى “فيرد هوليداي” ان الحركات القومية والمناوئة للامبريالية ستتعزز وستقود الى تغير في الانظمة. وقد استند في استنتاجاته على دراسة واسعة في اقليم ظفار في عُمان.حيث قام بتحليل لسكان غير متطورين وتوقع حدوث نجاح لتمرد مسلح مدعوم من الامبريالية. وهذا سيقود الى تغييرات سياسية واسعة في الانظمة الملكية الخليجية.

في سنة 1979 ارسل سفير الولايات المتحدة في السعودية “جيمس اكنس” برقية للبيت الابيض كتب فيها “اصبح السعوديون يتحدثون جهارا عن نهاية العائلة الحاكمة وهكذا فقد باتت الثورة المسلحة امرا يصعب منعه”.

رغم ان كل التوقعات تبددت الا انه مازال هنالك باحثون يعتقدون ان فرص تلك الانظمة للبقاء ضئيلة. في السنوات الاخيرة ولدى اندلاع الاضطرابات الاقليمية، حذر باحثون مختصون في شؤون الخليج وعلى راسهم كريستوفر دافيدسون بان ايام الانظمة الملكية في الخليج باتت معدودة وستسقط اغلبها خلال سنتين الى خمس سنوات. هذه التوقعات لم تتحقق رغم ان اسباب سقوطها لم تختف. لهذا فان سر صمود تلك الانظمة ما زال بحاجة الى بحث.

منذ اندلاع الاضطرابات ركز الباحثون على موضوع الاختلافات بين الانظمة الجمهورية التي شهدت ثورات والانظمة الملكية التي بقيت مستقرة وان المناعة التي اظهرتها هذه الانظمة ستوفر لها الاستقرار مستقبلا.

لفهم الامر يجب التعمق في الاسباب الكامنة المؤدية للتغيرات السياسية في هذه الانظمة ومعرفة الضغوطات المختلفة في كل واحدة منها. التغيرات السياسية تحدث في اعقاب تغيرات في المعايير الاجتماعية، وفي توجهات الجمهور وفي المؤسسات غير الحكومية في  ذلك البلد. مثل هذه التغيرات تسري في اوصال دول الخليج وخاصة عقب التغيرات في مستوى التعليم وسهولة الوصول الى المعلومات.

ورغم الاختلافات بين تلك الانظمة الا ان هنالك الكثير مما هو مشترك، وهنالك اعتماد متبادل بينها، لدرجة تمكّن من القول ان قوتها هي بمستوى قوة الحلقة الاضعف فيها. واذا حدثت في احداها فسيكون لها تاثيرات ستهدد اقواها. العائلات الحاكمة تخاف من هذه الانعكاسات وتدرك جيدا ما يهدد استقرارها، ورغم ذلك تم معالجة عدد من هذه التهديدات بطرق غير فعالة او تم تجاهلها تماما. احد اهداف هذا المقال هو تشخيص هذه التهديدات ومعرفة درجة خطورتها.

الاختلافات الاهم بين هذه الانظمة تتمثل في الموارد المتاحة لكل منها ومدى الدعم الخارجي الذي تحظى به والتركيب الديموغرافي- الطائفي فيها وموقعها الجيواستراتيجي.

ان عدم سقوط تلك الانظمة لا يعني انها محصنة تماما ضد ما يحدث في العالم العربي من اضطرابات، والادعاء الاساسي المطروح هنا هو ان ما يمنح الاستقرار للنظام الملكي ليس شكله بل ممارساته: استخدام فعال لعائدات النفط، قمع فعال للاحتجاجات، احتواء قادة الاحتجاجات داخل المؤسسة والاستناد الى دعم خارجي.ولكن هبوط اسعار النفط منذ 2014 قلل من قدرة هذه الانظمة على استخدام المال في شراء الهدوء.

بعد استعراض الاضطرابات في الخليج والمميزات الخاصة للانظمة الملكية هناك ياتي فصل يتم فيه فحص وتحليل عوامل عدم الاستقرار الاساسية في هذه الانظمة.والفصل التالي يتم فيه ايراد تحليلات وتفسيرات للاستقرار في الانظمة الخليجية. حيث يتم استعراض الضغوطات الداخلية التي تتعرض لها العائلات المالكة وتحليل مدى قدرتها على الصمود امامها. من اجل تقدير الاستقرار يتم تحليل التهديدات الاساسية :وعلى راسها التهديد النابع من انخفاض اسعار النفط والتهديد السلفي الجهادي والتهديد الشيعي والتهديد المتمثل في زيادة الاحتجاجات في وسائل التواصل الاجتماعية وكذلك تحديات توريث السلطة. الى جانب التفسير الاقتصادي الريعي يتم تحليل تفسير المشروعية والدعم الخارجي والتفسير الطائفي واخيرا التفسير الثقافي. وفي النهاية يتم موازنة هذه التهديدات وتحديد قدرة الانظمة على الصمود لدى اندلاع احتجاجات جديدة.

الاضطرابات في الخليج

منذ نشوء الجمهوريات في العالم العربي، فقد شكك الكثيرون في قدرة الانظمة الملكية وخاصة الخليجية على الصمود. وقد ازدادت الشكوك مع اندلاع الاضطرابات الاقليمية. ولكن تبين على عكس التوقعات ان هذه الانظمة تتمتع باستقرار وقدرة على الصمود اعلى من مثيلاتها الجمهورية. الانظمة الملكية الخليجية ورغم انها لا تخلو من مشاكل هيكلية كبيرة الا انها استطاعت مواءمة نفسها مع التغييرات التي وقعت في المنطقة.

لقادة المظاهرات التي حركت عملية التغيير وانتهت بسقوط الانظمة الجمهورية، يوجد قاسم مشترك: كلهم شباب من مثقفي المدن. في العقود الماضية كانت هذه الفئة هي التي عملت في اطار التنظيمات المناوئة جدا للملوك. ان امثلة ايران (1979) ومصر (1952) والعراق (1958) تعلمنا  ان الامم يمكن ان تدير ظهرها لملوكها.ان امتداد الاضطرابات للبحرين في بداية 1911 والى درجة اقل لعمان تشير الى امكانية ان عدم الرضى المتراكم سيتسرب ايضا الى الدول الاغنى في الخليج، حيث يوجد بها مجموعة كبيرة من الشباب تعاني من نسبة عالية من البطالة ونقس المساواة في فرص التشغيل ومن انظمة حاكمة استبدادية غير منفتحة للاصلاحات السياسية. وهذه هي الشروط التي كانت تقف خلف الثورات في العالم العربي. ولكن الانظمة الخليجية تختلف عن الانظمة الجمهورية التي شهدت الثورات، كما تختلف كل دولة عن جاراتها.

الاحتجاج في الخليج يتبدى بطرق مختلفة – حسب حالة كل دولة – بدءاً بمظاهرات عنيفة في الدول الفقيرة (البحرين وعمان) وانتهاءً بمعارضة اكثر ذكاءً بواسطة الانترنت في الدول الاغنى (اتحاد الامارات والعربية السعودية).ولكن في كل الاحوال اضطرت تلك الانظمة للرد بوسائل قمعية اقوى من سابقاتها ومست بشرعية العائلات الحاكمة.

تعاني البحرين من مشاكل اقتصادية تؤثر على قدرتها على توفير احتياجات مواطنيها. المعارضة فيها تمثل الاغلبية الشيعية وتخاف الاقلية السنية من ان الديمقرطة ستؤدي الى طغيان الاغلبية.كانت البحرين هي الدولة الملكية الوحيدة التي شهدت مظاهرات حاشدة على خلفية الاضطرابات في العالم العربي، وقد استخدم النطام العنف لقمع المظاهرات ولكن ذلك العنف كان اقل مما تم استخدامه من قبل الجمهوريات التي سقطت. كما ان المتظاهرين فيها لم يطالبوا في البداية بتغيير النظام كما طالبت الجماهير في الجمهوريات.

المظاهرات الجماهيرية في تونس ومصر كان ملهمة لتسعير الاضطرابات ضد عائلة خليفة الحاكمة في البحرين.  وقد ادت المظاهرات الجماهرية التي شارك فيها في البداية الشيعة والسنة معا الى اعلان حالة الطواريء في الدولة ابتداءٌ من اذار 2011 واستمرت الى حزيران من تلك السنة. وقد فشلت كل محاولة للحوار السياسي هناك وبالاساس لانه تم اسكات الاصوات المعتدلة من قبل المتطرفين في كلا الجانبين.

صحيح انه تم ازالة خطر التهديد الاني عن سلطة عائلة خليفة مؤقتا بسبب التدخل العسكري السعودي والاماراتي ولكن رفض الاصلاحات وسجن معارضي النظام يبعد النخبة الحاكمة في هذه الجزيرة عن الشعب ومطالبه.

ويبدو ان الحملة الاعلامية المتواصلة للنظام والقائلة ان  المعارضة تخدم المؤامرات الايرانية ضد العالم العربي لم تنجح في تحقيق التهدئة.والشاهد على ذلك المظاهرات التي جرت في فبراير 2016 في الذكرى الخامسة لثورة “ميدان الجوهرة”.- تلك المظاهرات التي رافقها  العديد من الصدامات بين المدنيين وقوات النظام. وهذا يشير الى ان العائلة الحاكمة تجد صعوبة في تثبيت شرعيتها الامر الذي يدعو للافتراض ان عائلة خليفة ستكون اول العائلات التي سيتم اسقاطها من قبل الجماهير.

في عُمان جرت مظاهرات في عدة مدن ولكن السلطات قمعتها. وقد ادعت وسائل الاعلام المحلية ان دوافع المظاهرات هي اقتصادية في حين ان المتظاهرين رفعوا شعارات توسيع صلاحيات مجلس الشورى والقضاء على الرشوة. وردا على ذلك قام السلطان قابوس بتنحية عدد من الوزراء وضباط كبار في الاجهزة الامنية ، وقام باعطاء صلاحيات واسعة لمجلس الشورى. وزادت الحكومة الموازنة العامة واوجدت العديد من فرص العمل.

منذئذٍ لم تحدث مظاهرات ولكن التوتر والترقب ما زال قائما. ولم يتم تنفيذ وعود الحكومة بمحاربة البطالة ويجري نقاش واسع حول اجراء تغييرات على توزيع الثروة في الدولة، تلك الثروة مصدرها المنح السعودية والاماراتية. هنالك توتر متزايد في اوساط الشباب جراء اعتقال عدد من الشباب النشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي لنشرهم تعليقات مهينة للحاكم المسن قابوس كما ان العديد من المواطنين قلقون من الفراغ الذي سيحدثه موت الحاكم. ومن بين الاسباب لذلك هو الخوف من ان موت السلطان سينهي الاصلاحات الحيوية لتطوير الدولة.

الكويت هي دولة قليلة السكان غنية بالموارد.الثقافة السياسية فيها تمكن بل تشجع انتقاد السلطة، وعائلة الصباح ترى نفسها “الاولى بين متساوين”. وتدعي انه ليس لها مكانة مميزة في الدولة. تضم المعارضة فيها شبابا يبحثون عن تمثيل، حركات اسلامية، وزعماء قبائل . ويدعي اعضاء البرلمان انهم لا يشاركون في اتخاذ القرارات ، ويحتفظ الامير لنفسه يحق حل البرلمان متى شاء.

الامارات المتحدة، ردت على الاعتصامات التي رفعت فيها مطالب لأجراء اصلاحات  في النظام باعتقال عشرات النشطاء والمعارضين، وبحظر نشاط منظمات غير حكومية والسيطرة على منظمات مدنية محلية مختلفة.

العربية السعودية تحظر ايضا الاحتجاجات العلنية وتسجن من يؤيد الانتقال الى نظام ملكي دستوري. يعتبر القران هو دستور العربية السعودية وكل دستور اخر يعتبر كفراً. وخلافا للسعودية فان العديد من سلطنات الخليج تبنت بدرجة او باخرى دستورا لها. تنشط في شرق السعودية مجموعات معارضة شيعية تحظى بدعم فئات غير شيعية ايضا. وقد اندلعت هناك مظاهرات بالتزامن مع الاضطرابات في البحرين.

يوجد في السعودية عدد كبير من السكان مقارنة بجاراتها  (حوالي 30 مليون ،جزء كبير منهم من  العمال الاجانب)، وهنالك اختلافات واسعة بين مناطقها المختلفة، وبها العديد من المجموعات المعارضة ولكنها متفرقة جدا.ومع ذلك فان احتمالية اندلاع اعمال عنف سياسية فيها اكثر من اي دولة اخرمن جاراتها.

لقد ادى انخفاض اسعار النفط الى تقليل اهمية النفط السعودي وبالتالي من استعداد الغرب عموما والولايات المتحدة خاصة ان تهب لمساعدتها اذا وقعت في ضائقة.

قطر، في كل ما يتعلق بالسياسة الداخلية والضغوط الاقتصادية فان قطر والامارات هي اكثر دول الخليج استقرارا.ولكن عدم الثقة الداخلي يشجعها على التدخل في الصراعات الاقليمية. تتمتع قطر بتروة كبيرة بفضل المخزون الهائل لديها من الغاز الطبيعي، هذه الثروة يحظى بها عدد قليل من سكانها (300 الف ) اما باقي سكانها البالغ عددهم 2 مليون فهم من العمال الاجانب.

لقد استطاعت دولة قطر من التملص من الانتفاضة المدنية رغم سماع اصوات تعبر عن عدم رضاها من فقدان الهوية القطرية ازاء النسبة المنخفضة للسكان الاصليين من مجمل السكان. وقد ردت قطر بقوة كبيرة على الاحتجاجات الواهنة، فمثلا قامت باعتقال الشاعر محمد العجمي فقط لانه نشر قصيدة مدح فيها “الربيع العربي” وتونس التي دشنته. وقد حكم عليه بالسجن المؤيد سنة 2012 لاهانته حاكم قطر حمد بن خليفة ال ثاني.وقد تم العفو عنه من قبل السلطان الحالي تميم بن حمد.

في واقع يتمتع فيه السكان بمستوى حياة مرتفع جدا ودخل متزايد فان الاحتمالات ضئيلة لقيام احتجاجات واسعة ومع ذلك فلا يتردد المثقفون في التعبيرعن ارائهم كما تواصل الحركات الشبابية العمل بروح التوجهات الاقليمية بما في ذلك مجموعات على الانترنت تناقش من ضمن حواراتها شرعية النخبة الحاكمة.

حتى الان تملصت دول الخليج من الاضطرابات التي اجتاحت الشرق الاوسط ، وحتى في البحرين لم تؤثر الاضطرابات على العائلة المالكة. وبالعكس تحول جزء من دول الخليج بعد الازمة الى دول عظمى في الاقليم ذات تاثير دولي وقادت الرد على ازمات اقليمية مختلفة. ان تدخل هذه الدول هي دليل على موقف جديد فعال في محاولة منها تقليل تاثبرات الربيع العربي وتوجيهها حسب احتياجاتها.

في الوقت الراهن يبدو انه لن يحدث تغييرات متفق عليها في الأنظمة في دول الخليج حيث ان العائلات الحاكمة تخاف ان يؤدى تغيير كهذا الى إضعافها. ورغم ذلك هنالك عملية تغيير فيها وان كانت بطيئة جدا.ويجب الاخذ بالاعتبار ان عمليات التغيير بطبيعتها ليست خطية ومتواصلة.كما ان التغييرات غالبا ما تكون في المؤسسات غير الرسمية اسرع منها في المؤسسات الرسمية.

الامر المركزي لدى دول الخليج هو تجديد لعقدها الاجتماعي ومواءمته مع الواقع الاقتصادي.والمشكلة التي تواجه متخذي القرارات في دول الخليج هي انه تم خرق التوازن بين الموارد المخصصة للمحافظة على الاستقرار السياسي وبين القدرة الاقتصادية الفعلية.وعلى هذه الدول الاعتراف بان السياسات المتبعة حاليا في توزيع الثروة والنماذج الحالية للتنمية الاقتصادية بما فيها الاستهلاك العالي للطاقة اصبحت غير ملائمة وتعرض للخطر النموذج السياسي الذي استطاع الصمود طوال العقود الاربعة الأخيرة.

خصوصية الممالك الخليجية

تختلف الدول الملكية العربية الخليجية عن باقي الانظمة الملكية في العالم، حيث تحولت الانظمة الملكية في معظم الدول في العالم الى ملكية دستورية، تعمل فيها جنبا الى جنب اجراءات وبنى ديمقراطية الى جانب الاجراءات التقليدية للملكية. فعليا تحولت الى انظمة ديمقراطية تماما تحتفظ للملكية بوظيفة رمزية ومراسمية للحفاظ على التراث والتقاليد. الملوك في بلجيكا وبريطانيا واسبانيا لا يمسكون بمقاليد الحكم وليس لهم سلطة على الحكومة ولا يتخذون قرارات حاسمة ويكتفون بالقيام بوظائف مراسمية تعطي الدولة شكلا اكثر بريقا .ولا يقومون بتصريف الشؤون اليومية للدولة.

الملكيات الدستورية تعبر عن التاريخ ،الثقافة والأعراف الخاصة للدول التي نمت فيها. هذه الممالك لا تناقض روح الحداثة حيث انها لاتقف في وجه الاجراءات الديمقراطية  ولا تقف ضد ارادة الشعب كما يعبر عنها في الانتخابات الحرة.وبالمقابل فان الانظمة الملكية الخليجية هي استبدادية: هي تحكم فعليا، تدير الحكومة وتشرف على كل ما يجري في الدولة. الحكم يمكن ان يكون لسلطان واحد كما في عمان او يمكن ان يكون لعدة اشخاص من افراد العائلة الواحدة كما في السعودية وقطر.

هنالك صراعات قوى بين سلطة الملك وبين مراكز قوى اخرى داخل المملكة مثل البرلمان، ولكن لم يكن من شأن هذه الصراعات تعريض تلك الانظمة الاستبدادية للخطر، كما هو الحال في الكويت. ولكن حالة البرلمان الكويتي كانت قائمة قبل ان تُغرق موجة الاحتجاجات المنطقة.

احد الصفات الاخرى التي تميز ممالك الخليج هو كونها تفتقد الى إرث طويل مثل مثيلاتها في الغرب، وعلى عكس ما يدِّعي حكامها، بان لديهم “شرعية خاصة للحكم” مغرقة في القدم، فان هذه الممالك قائمة على هياكل حكم حديثة ، فقد وصل اغلب ملوكها للحكم في القرن التاسع عشر بعد ان عقدوا اتفاقيات حماية مع الامبراطورية البريطانية وهكذا حصلوا على اعتراف دولي.

اقترن تطور غالبية دول الخليج باكتشاف النفط، فقد حظي الشيوخ الذين تسلوا السلطة بدعم دولي ومحلي لانهم وفروا للمواطنين الامن والمساعدة الاقنصادية.  وبشكل عام الملكية هي مفهوم غريب عن الاسلام وعن التراث المحلي. واقترنت الملكية بالبذخ والفساد لهذا واجهت معارضة. العربية السعودية وهي اكبر هذه الممالك تأسست بشكلها الحديث سنة 1932عندما انهى ابن سعود احتلال المنطقة التي كانت ستقوم عليها المملكة، والممالك الاخرى تاسست بعد انسحاب بريطانيا منها في سنوات الستينيات وأوائل السبعينيات.

العديد من الاكاديميين الخليجيين ينتقدون الاتجاه الغربي الذي يركز على النفط ويتجاهل الجوانب الاخرى في المجتمعات الخليجية ، ولفهم السياسة الداخلية يجب  فحص تصرفات الحكام مع عائلاتهم ومع مراكز القوى المختلفة ومع القادة الدينيين. ان تقديم الدعم للمواطن هو جزء من منظومة العلاقات المعقدة فيها. وهو اداة مركزية للحصول على الشرعية. وبشكل عام يستخدم النظام القمع الى جانب اعطاء وعودات بالاصلاح على المدى البعيد. اسلوب اخر متبع من قبل الانظمة الحاكمة في الخليج هو التمييز بين السكان على خلفية الانتماء السياسي والعائلي .

بعض العائلات المالكة باتت تدرك اهمية إجراء اصلاحات تدريجية في النظام السياسي فمثلا  المرحوم الملك عبداللة ملك السعودية منح المرأة حق الانتخاب والترشح واصدر قراراً بان يشارك 30 امرأة في مجلس الشورى الذي يضم 150 شخصا.

لم تشهد انتخابات 2015 تغيرات جذرية بالنسبة لمكانة المرأة نظرا لنسبة المشاركة المنخفضة لها في الانتخابات بسبب القيود التي وضعت امامها ومنها انه لم يسمح للمرشحة ان تطرح برنامجها الإنتخابي سوى امام النساء، اما امام الرجال فيقوم بذلك رجل من عائلتها.

ورغم ان حكام الخليج يتمتعون بسلطات واسعة الا ان هنالك عوامل تقيدهم وأحد هذه العوامل هو انه يجب عليهم تقاسم السلطة مع جهات اخرى من عائلاتهم، ويستثنى من ذلك عُمان، الذي لا يتقاسم  حاكمها السلطة مع احد ، وليس واضحا كيف سيصمد النظام الحالي بعد موت قابوس.

                                    عوامل عدم الاستقرار في ممالك الخليج

     الاعتماد على النفط

ان النفط والغاز الطبيعي هما مصدرا الدخل الاساسيان في غالبية دول الخليج، ونظراً لارتفاع اسعارهما في العقد الاخير فقد جمعت كمية كبيرة من العملة الصعبة مكّنها من ضخ كميات كبيرة من المال لمواطنيها في بداية الاضطرابات الاقليمية. ولكن هذه الفوائض تقلصت بعد الانخفاض الحاد في اسعار النفط ابتداءً من يونيو 2014. فمثلا انخفضت عوائد السعودية من 724 مليار دولار في نهاية 2014 ل 576 مليار في ابريل 2016. ومع ذلك ما زال هنالك احتياطي كبير لديها ولكن هذا الاستنزاف الى جانب عدم اليقين بمستقبل اسعار النفط والإستمرار القلاقل يقتضي سياسة تخفيض في النفقات،سياسة كهذه محفوفة بالمخاطر.

اليوم هنالك عجز في الموازنة السعودية يتم تغطيته بسحب من الاحتياطي المالي ومن بيع عقارات او مراكمة ديون. ويدرك السعوديون انه ليس بامكانهم مواصلة هذه السياسة لزمن طويل لهذا عليهم اجراء تغيير الطريقة التي يديرون بها اقتصادهم.

ان انخفاض اسعار النفط من 115 دولار للبرميل في يونيو 2014 الى 40 دولار في اكتوبر 2016 جاء نتيجة عدم موافقة اوبك على تخفيض انتاجها ،وكان يقف على راس الرافضين للتخفيض السعودية التي ارادت من ذلك خفض السعر الى درجة يؤدي الى انهيار الشركات العاملة في امريكا الشمالية على استخراج نفط بتكنولوجيا التكسيرfracking” ”  المُكلفة من الصخور الزيتية.وكانت تهدف من ذلك اخراج هذه الشركات من المنافسة وبعد ذلك تعود لترفع الاسعار.

وتجدر الاشارة ان الاسعار المرتفعة جدا للنفط تغري بالانتقال الى مصادر طاقة بديلة، اكثر صداقة للبيئة وارخص. وقد قال سداد الحسيني  نائب رئيس شركة ارامكو في اب 2015 انه حتى لو قامت دول الخليج بتخفيض انتاجها من النفط فان طوفان النفط القادم من الولايات المتحدة وكندا ودول اخرى كان سيواصل تدفقه ويوصل الاسعار الى ما هي عليه الان”.

ومن التفسيرات الاخرى لعدم تخفيض الانتاج هو ان السعودية لا تثق بأن الدول الاعضاء في اوبك ستلتزم بالتخفيضات لو اقرت. وكذلك محاولة منها الاضرار بايران. في اعقاب انخفاض عائدات النفط ابتدأت دول مثل عمان والبحرين والامارات بتقليص تدريجي لدعم سعر الوقود.الامر الذي ادى الى ارتفاع اسعار النفط في الامارات وعمان بحوالي 30%.

كانت الكويت هي الدولة النفطية الاولى التي دعت الى تقليص الدعم. ولكن محاولة الكويت لتخفيض سعر الديزل في بداية 2015 اثار غضبا جماهيريا اجبر الحكومة على التراجع والغاء هذه الخطوة خوفا من زعزعة الاستقرار السياسي. هذه الحادثة ومثيلاتها التي جرت في دول مثل الاردن وايران، اظهر للانظمة الحاكمة في الخليج الخطر الذي يكتنف القيام بخطوة كهذه. لهذا يبدو ان هذه الدول ستفضل مستقبلا تقليص مصاريف التطوير المستقبلية قبل المس بالنفقات المخصصة للدعم. من المفهوم انه كلما كانت الدولة اقل ثراءً تزداد صعوبة مواصلة الدعم ، وبهذا يزيد خطر استقرار انظمتها والمقصود هنا بالدرجة الاولى البحرين وعمان. السبب هو انهم اعنادوا على مستوى معيشة مرتفع نسبيا ويصعب عليهم احتمال تخفيض كبير عليه. ولكن لمستوى المعيشة المرتفع هذا يوجد ثمن وهو المسّ بنجاعة القطاع الخاص، نقص معدل الانتاجية، ارتفاع البطالة، جهاز بيروقراطي لا يشجع المبادرة الفردية وقد صنفت البحرين،عمان،السعودية والكويت ما بين المرتبة 62،101 من قبل البنك الدولي، في تصنيفه للدول حسب سهولة فتح مشروع جديد.

المشاريع الهامة التي نفذت في هذه الدول على مر السنين كانت في اغلبها حكومية وليست خاصة. يضاف الى ذلك ان القطاع الخاص غي مستعد للصمود في المنافسة على قوة العمل الماهرة امام القطاع العام، حيث ان موظفي القطاع العام يتمتعون برواتب عالية وامتيازات كبيرة جدا. هذه الشروط هي جزء من الاتفاق غير المكتوب بين العائلات المالكة ورعاياها، واي مسٍّ بها سيعرض الاستقرار السياسي للخطر. وردا على الاضطرابات رفعت دول الخليج رواتب موظفي القطاع العام وأوجدت عشرات الاف الوظائف الجديدة ، فمثلا رفعت قطر في سبتمبر 2011 رواتب القطاع العام ب60%، ورواتب قوات الأمن بـ 120%، وأعلنت السعودية عن ايجاد 60 الف وظيفة في جهاز الأمن. وهذه الخطوات كانت تستهدف منع احتجاجات واسعة على خلفية اجتماعية-اقتصادية.

مما تقدم يتضح انه مع انخفاض اسعار النفط ضاق هامش المناورة لدى هذه الدول، واذا استمر الوضع على حاله فليس هنالك مناص من إجراء تخفيضات في الدعم الحكومي ، والسؤال هو اين ستتم هذه التخفيضات ، وهذا تحدده امور سياسية اكثر منها اقتصادية.

ان تخفيض الدعم من شأنه ان يلاقي ترحيباً من المؤسسات الاقتصادية الدولية التي دعت منذ اعوام الى التوقف عن تقديم هذا الدعم ولكن هذه الخطوة ستواجه باحتجاجات سياسية كبيرة من المواطنين.

لقد تعاملت دول الخليج مع هبوط  حاد في اسعار النفط ولكنها لم تضطر مطلقا  للتعامل مع التكلفة المقترنة بالحفاظ على دور الدولة في سوق العمل وتوفير المال لأغنياء الدولة. من المشكوك فيه ان تستطيع السعودية مواصلة التشغيل المباشر لهذا العدد من السكان، ومواصلة تحريك عجلة الاقتصاد عن طريق تنفيذ مشاريع ضخمة للبنية التحتية ، ومنح المخصصات والدعم الحكومي. فمثلا دول الخليج تنفق 160 مليار دولار لدعم الطاقة (11% من ناتجها الاجمالي) ، ليصبح سعر لتر البنزين في السعودية 24 سنتا اي 90 اغورة ، الامر الذي يقود الى ارتفاع متوقع للاستهلاك المحلي من 3 مليون برميل يوميا الان الى 8 مليون برميل قبل 2030، واذا لم تحدث تغييرات نوعية في سياسة الدعم سيتحول عدد من دول الخليج من مصدرة للنفط الى مستوردة.

من اجل ان يكون هنالك توازن في الموازنات في عدد من دول الخليج، يقتضي الامر ان يصبح سعر برميل النفط 80-90 دولار، ولأن الامر ليس كذلك حاليا فقد خفَّضت السعودية موازنتها السنوية لسنة 2016 ب14% عن العام السابق، كما قامت باصدار سندات بيعت لمؤسسات عامة مثل البنوك التجارية المحلية، كما اصدرت توجيهات للمؤسسات الحكومية بتخفيض انفاقاتها على المشاريع الجديدة وان تعيد لوزارة المالية الموازنات التي لم تنفق.

كما قامت السعودية في مارس 2013  بالبدء بعملية طرد للعمال الاجانب فيها، والذين يشكلون 90% من القوى العاملة في القطاع الخاص حيث طردت مئات الالاف منهم، وفرضت قيودا على تشغيل الاجانب ، وقدمت حوافز لاصحاب الاعمال لتشغبل عمال محليين.

هذه الخطوات القاسية ضد العمالة الاجنبية يجب الا تخفي حقيقة ان اقتصادات دول الخليج  لا يمكنها الازدهار بدون هذه العمالة. فمثلا، الشباب السعودي بغالبيتهم يأتون الى سوق العمل دون ان تكون لديهم المهارات المناسبة للانخراط في القطاع الخاص، والاجور التي يطلبونها اعلى بكثير من اجور العمال الاجانب. كما انهم لا يقبلون العمل اليدوي كالعمال الاجانب.

وفي حين يشكل العمال الاجانب 80% في السعودية وحوالي ثلث السكان ،فانهم في الدول الخليجية الاصغر يشكلون نسبة أعلى ففي الامارات مثلا يشكل السكان المحليون 11% فقط  ويشكلون 4% من القوى العاملة، وفي قطر يشكل السكان المحليون نسبة 5% من القوى العاملة.

وضعت السعودية خطة بعيدة المدى سميت”رؤيا السعودية 2030″ وذلك لمواجهة مرحلة ما بعد النفط .وقد وضعها فريق خبراء برئاسة “محمد بن سلمان”  رئيس مجلس الاقتصاد والتطوير، وقد نشر بعض اجزائها سنة 2016 وتستهدف تقليل اعتماد السعودية على النفط وذلك بتنويع مصادر الدخل وزيادة النجاعة.ولكن الدافع الاساسي لوضع الخطة كان  الصعوبة التي واجهتها السعودية مع انخفاض اسعار النفط. والتي أدت الى عجز كبير في الميزانية وانخفاض الفائض من العملة الصعبة. وتنتج السعودية 10 مليون برميل يوميا ولديها احتياطي يقدر ب 268 مليار برميل والذي يمثل 1/6 الاحتياطي العالمي. وهذا يعني ان بامكانها الاستمرار في الانتاج لمدة 70 عاما.

تشكل العائدات النفطية اليوم الغالبية العظمى من عائدات المملكة. وبعد الهبوط في عائدات النفط وزيادة النفقات حدث عجز كبير في الميزانية. حيث وصلت مصروفات الحكومة الى 260 مليار دولارفي حين ان الموازنة كانت 229.3 مليار دولار، وبلغت عائدات النفط 162 مليار فقط.وهذا يعني ان العجز وصل الى 98 مليار دولار.(15% من الموازنة). والعجز المخطط لسنة 2016 هو 87 مليار.

الهدف المرحلي  لبن سلمان لسنة 2020 هو خلق مصادر جديدة للميزانية وبالاساس من النجاعة والضرائب، كما ان الخطة تستهدف زيدة التشغيل  في الاقتصاد السعودي بهدف زيادة النمو وتقليل البطالة التي تقدر بـ 11.4% (رغم ان الاحصائيات الرسمية تشير الى  5.6% فقط ، علما ان الاحصاء يشمل فقط الرجال، ولو اخذت البطالة بين النساء في القياس لوصلت البطالة الى حوالي 25%.

هدف بن سلمان هو خلق 6 ملايين فرصة عمل حقيقية حتى عام 2030. هذه الاماكن ستكون في حقول التنجيم، السياحة، الصحة والمالية. الخطة لا تتضمن بناء صناعة حيث لا يوجد اليوم للسعودية اية بنية تحتية للانتاج غير قائمة على النفط ومشتقاته.

ورغم ان الخطة تستهدف تحرير السعودية من اعتمادها على النفط الا انه يبدو ان تطوير قطاع النفط والغاز سيستمر من اجل استمرار استغلاله للمدى البعيد ونظرا لرغبتها في الحصول على اكبر عائد من النفط والغاز فليس من المتوقع حدوث تغيير في سياسة السعودية في سوق النفط العالمي ولكن يوجد للمملكة مصلحة جلية في ثبات الاسعارعند مستوى أعلى ولكنها لن تبادر الى تقليص او تحديد ما تستخرجه من النفط لأنها لا تثق بالدول الاخرى المصدرة للنفط.

اذا استمرت السياسة الحالية للسعودية من المتوقع تقليص عائداتها النفطية، ومع ذلك لا يؤيد السعوديون زيادة كبيرة في اسعار النفط لأن ذلك سيؤدي الى تسريع تطوير بدائل للنفط وحفر ابار جديدة، تعتبر اليوم باهظة، وغير مجدية، وهذا سيزيد العرض ويؤدي الى انخفاض مجدد في الاسعار.

الخطة السعودية تتضمن خطوات اقتصادية حيوية لبقاء المملكة، صحيح انه لا يمكن الان الحكم على  امكانية تطبيق الخطة ولكن هنالك شكوك على الاقل بخصوص تحيق هدف  تقليص الاعتماد على النفط حتى سنة 2020. من المعقول الافتراض ان الخطة لن تحقق هدف تقليص الاعتماد على النفط حتى 2020. ويمكن الافتراض انه اذا ارتفعت اسعار النفط مجددا  فستزداد الضغوط الجماهيرية للتخلي عن اجراءات النجاعة والتوفير، واذا بقيت الاسعار المنخفضة سيكون من الصعب على الحكومة تمويل المشاريع اللازمة لتطوير القطاعات غبر النفطية.

التحدي االرئيس الذي  يواجه تنفيذ الخطة يرتبط بالحاجة الى فتح الاقتصاد المحافظ والمغلق للمملكة ومواءمته مع الاقتصاد الحديث. وهي مهمة ليست سهلة في بلد لا يوجد به ثقافة المبادرة ويرى المواطنون ان من حقهم على الدولة توفير كل احتياجاتهم لكونهم مواطنين مخلصين للعائلة المالكة. واي مساس بهذا الحق سيمس بواجب الولاء. ويهدد الاستقرار الداخلي.

هذه الخطة هي بمثابة تحدٍ شخصي لبن سلمان ، واذا لم ينجح سيؤثر ذلك ليس فقط على مستقبله السياسي بل وعلى مستقبل الاقتصاد السعودي والاستقرار الداخلي.

رغم حدوث تقدم في بعض دول الخليج في موضوع تنويع مصادر الدخل الا ان اعتمادها على النفط ما زال كاملا تقريبا، واستقرارها السياسي مرتبط مباشرة بمستوى المعيشة المرتفع لمواطنيها. ان  مسألة تنويع مصادر الدخل لا تؤثر فقط على استقرار هذه الدول بعد انتهاء عهد النفط بل وعلى الدول التي تتلقى الدعم من دول الخليج مثل مصر والاردن والمغرب.

     التحدي الجهادي السلفي

السعوديون قلقون من اشتداد قوة المعارضة الداخلية المتطرفة بعد رجوع الشباب السعودي الذي حارب في صفوف داعش، لقد شهدت السعودية في السنوات 2003-2004 عمليات كبيرة نفذها رجال القاعدة الذين عادوا اليها بعد محاربتهم في افغانستان، وقد استطاعت السعودية ايقاف نشاطاتهم واعتقال عدد منهم وهرب جزء من قادتهم الى اليمن ليشكلوا مع فرع اليمن “القاعدة في شبه الجزيرة العربية ” ويرى الغرب انه من اخطر فروع القاعدة.

ان التحدي السلفي الجهادي الماثل امام دول الخليج هو بالاساس ايديولوجي ديني.ان تنظيم الدولة الاسلامية الذي يهدف الى اقامة خلافة اسلامية “حقيقية” بدلا من النظم القائمة،يرى في الانظمة الملكية في الخليج ككفار انحرفوا عن طريق الاسلام، لهذا يستهدف اسقاطها.والسعودية ليست مستثناة – بالرغم من انتمائها للتيار الوهابي الذي يعتبر ردة فعل تطهرية على الاسلام السنّي- حيث يدعو ابو بكر البغدادي لاسقاطها بالرغم من تاكيدها على انها حامية الحرمين .

في حزيران 2014 اعلن البغدادي عن اقامة الخلافة الاسلامية وانها البيت الحقيقي للاسلام التي يجب على كل مسلم الهجرة اليها. وردا على هذا التحدي للعربية السعودية وملوكها أعلن مفتي السعودية ان افكار التنظيم هي انحراف  عن الاسلام وهي التهديد الأول له.

المرة الاولى التي هدد فيها البغدادي بالمس بالعربية السعودية كان في نوفمبر 2014 حيث دعى  في شريط مسجل الى ضرب الشيعة والاجانب والعائلة المالكة في السعودية.واعلن عن توسيع حدود الدولة الاسلامية الى العربية السعودية (اقليم نجد)، وقد امتنع البغدادي دوما عن ذكر السعودية صراحة حتى لا يعتبر ذلك اعترافا بشرعية  حكم ال سعود  .

وفي تلك الفترة دعى التنظيم في المجلة التي يصدرها “دابق” الى رفع راية الخلافة فوق مكة والمدينة.. رغم انف الكفار والمنافقين”، ودعى فيها السعوديين الى البقاء في المملكة والجهاد فيها من اجل اقامة الخلافة وعدم الخروج الى ساحات جهاد بعيدة.

يزدهر تنظيم الدولة الاسلامية في المناطق التي يوجد في خطوط التماس بين السنة والشيعة فيها نزاعات دامية. لم يكن اختيار التنظيم للشيعة عبثا ،لأن العديد منهم مواطنون في دول الخليج (انظر الجدول رقم 1).حيث رأى فيهم “حلقة ضعيفة”. وفي نوفمبر 2014 قام التنظيم خلال احتفالات عاشوراء بعدد من التفجيرات في شرق السعودية حيث يتركز المواطنون الشيعة.وقد تواصلت التفجيرات بعد ذلك، وكان اضخمها  تفجير انتحاري بالقرب من المسجد النبوي  في المدينة واخر في جدة بالقرب من القنصلية الامريكية .

وفي مايو 2015 حدث اكثر الحوادث دموية حيث قام اثنان بتفجير نفسيهما في مسجدين شيعيين وقتل جراء ذلك 25  مدنياً وجرح العشرات.وفي ذكرى تاسيس الخلافة فجر انتحاري سعودي نفسه في مسجد شيعي وقتل في الحادث 26 مصلياً .

كما حدثت محاولات للتسلل  لرجال تنظيم الدولة من العراق الى السعودية، وقد صاحب بعض هذه المحاولات اشتباك ادى الى مقتل “عميد” سعودي.كما كان هنالك حوادث اطلاق قذائف من العراق للسعودية على يد مقاتلين من تنظيم الدولة.

ويستهدف التنظيم دق اسفين بين الشيعة والسنة، حيث توقع ان يستتبع التفجيرات ردات فعل من الشيعة يتم الرد عليها من قبل النظام وهكذا تتواصل الاحداث. ويضعف النظام، كما ان البغدادي يستهدف ايضا تجنيد نشطاء ، حيث ان انجازات التنظيم وايدولوجيته تجذب الشباب الذين يوجهون غضبهم تجاه الشيعة او تجاه النظام الذي يحاول ارضاء الشيعة.

ورغم ان الغالبية السنية ترى في الشيعة طابوراً خامساً ايرانياً الا ان الشيعة في الواقع لم يمثلوا يوما تهديدا للنظام بل ان التهديد جاء من متطرفين سنيين، ولكن النظام يحاول إثارة التوتر بين الشيعة والسنة ليحصل على دعم داخلي. فاذا ردّ الشيعة او طلبوا تدخلا ايرانيا في المحافظات الشرقية فانهم يعززون النظرة المسبقة عنهم كعملاء لايران ويزيد الصراع الطائفي وهذا ما يريده تنظيم الدولة .

ان ثلثي سكان السعودية هم من فئة الشباب حيث يعاني العديد منهم من البطالة ، ولكنهم يفرغون احباطهم في العالم الافتراضي حيث يعبرون فيه عن دعمهم لتنظيم الدولة، لهذا شددت الدولة على مراقبتها للانترنت  وعلى خطباء المساجد، وزادت من انفاقها على التشغيل والاسكان، وزادت اجهزة امنها من نشاطاتها ضد النشطاء  المنتمين للدولة الاسلامية والمتهمين باعمال تجنيد وتهريب اسلحة وتخطيط وتنفيذ عمليات  .

استخدمت السعودية من اجل احتواء موجة الارهاب في العقد الماضي من بين ما استخدمته ، العلاج النفسي والتاهيل الديني، وتنوي انشاء مراكز جديدة لهذا الغرض.

ان الاهتمام بملاحق هذه الظاهرة في السعودية ودول الخليج ، تشير الى حجم التهديد الذي تواجهه هذه الدول ،ويقدر من انضموا للوحدات المقاتلة  لتنظيم الدولة  في العراق وسوريا من السعوديين ب 2000 شخصا.

ان النظام السعودي يعمل على عدة اصعدة لاحباط نشاطات التنظيم داخل المملكة، فهو يعمل على على تجفيف مصادر الدعم المالي ووقف تدفق الشباب السعودي الى التنظيم والعودة للسعودية ، كما يعمل على صد الحملة الاعلامية للتنظيم بواسطة المؤسسة الدينية ووسائل الاعلام والجهاز القضائي.

يعتقد التظام السعودي ان باستطاعته التصدي لتنظيم الدولة ولكنه لا يستطيع التعامل بسهولة مع المؤسسة الوهابية التي تحرض ضد الشيعة لانها بذلك تقطع الغصن الذي تقف فوقه. ان الظروف اليوم بالنسبة للنظام السعودي اسوأ مما واجهته في سنوات 2002-2006 مع القاعدة حيث ان الشباب السعودي المنضم لتنظيم الدولة اكثر من الذين انضموا للقاعدة، كما ان تنظيم الدولة موجود على حدود المملكة وليس بعيدا عنها في افغانستان وباكستان.

وقد حاولت دول الخليج الاخرى كل بطريقتها التصدي لتحدي الدولة الاسلامية حيث قامت الكويت باقالة 200 من خطباء المساجد المتطرفين ، وقامت بسن قانون يلزم جميع السكان المواطنين والاجانب باعطاء عينات من الدم  لتسهيل تشخيص المتهمين باعمال ارهابية.

وفي الامارات تم انشاء مركز اعلامي مهمته متابعة ما ينشر في وسائل الاتصال الاجتماعي ومواجهة الرواية الداعشية.كما ان البحرين هي هدف لنشاط الدولة الاسلامية نظرا للتوتر الطائفي فيها منذ ربيع 2011.ولكن النظام يغض الطرف عن نشاط المتطرفين السنة للحفاظ على الوحدة السنية ولانه يرى ان الشيعة هم التهديد المركزي له.

وتجدر الاشارة الى ان السعودية وقطر والامارات وعُمان الى جانب 6 دول عربية اخرى انضمت في 2014 الى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة داعش في سوريا والعراق. ودورها لا يقتصر فقط بالسماح للطائرات الغربية بالهبوط في اراضيها بل وشاركت في الهجمات الجوية احيانا.وفي 2015 اعلنت السعودية عن اقامة حلف يضم 34 دولة اسلامية لمحاربة “التنظيمات الارهابية”.

من المتوقع ان يلازم التهديد السلفي الجهادي السعودية وباقي دول الخليج في السنوات القادمة، واذا كان التنظيم قد ركز نشاطه حاليا ضد الشيعة لأنه يرى ان من شأن ذلك ان يزيد التوتر الطائفي ويزعزع استقرار انظمة الخليج، ولكن وطبقا للمتحدثين باسم التنظيم فان الهدف الحالي للتنظيم هو المس بالانظمة نفسها.لهذا علينا توقع نشاطات ضد اهداف حكومية وامنية ومنشات نفطية وحتى شخصيات من العائلة المالكة. وعلى السلطات توقع حدوث عمليات من اشخاص منفردين وبمبادرتهم الذاتية ولكن بالهام من الدولة الاسلامية.

تجدر الاشارة ان عددا من دول الخليج تغاضت عن قيام رجال اعمال وجمعيات خيرية بتحويل اموال لتنظيمات ارهابية، او انها لم تعمل بصورة جدية وبما فيه الكفاية لانهاء هذه الظاهرة.ولكن الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر 2001  وسلسلة العمليات في النصف الاول من العقد الماضي ،دفعت السعودية لتشديد قبضتها ضد ممولي الارهاب. بما في ذلك اطلاق حملة اعلامية ضد الدولة الاسلامية وافكارها سنة 2016 ودفعت في اطار ذلك 100مليون دولار لمنركز مكافحة الارهاب التابع للامم المتحدة.

ونظرا للتشابه في الايدولوجيا بين السعودية وتنظيم الدولة وخاصة ان نظام الخلافة في الدولة شبيه برؤية السعودية لنظام يضم تحت لوائه الدول الاسلامية “الجامعة الاسلامية” ،فان السعودية وجاراتها  يضعن امكانيات كبيرة في مواجها الرواية الداعشية.مستعينات بالمؤسسات الدينية التي تأتمر بأمرهن. ولكن بدون اصلاح شامل بما في ذلك للمناهج التعليمية ، واجراء حوار وطني بين الطوائف المختلفة يكون من الصعب على السعودية مواجهة التحدي الذي يشكله اولئك الشباب الذين عادوا من ساحات الحرب بعد اجراء غسيل دماغ ايديولوجي لهم، والذين باتوا يهددون استقرار ما تبقى من الانظمة المستقرة في الشرق الاوسط.

      تحدي  توريث السلطة: السعودية،عمان والكويت

ان الهمّ الأساسي للعائلة المالكة في العربية السعودية، وكذلك في باقي دول الخليج هو الحفاظ على السلطة، لهذا تم بلورة جهاز خاص لتوريث السلطة نجح حتى الان في الحفاظ على هدوء نسبي داخل العائلة المالكة والتي تضم الاف الامراء .

لم يترك عبد العزيز ال سعود مؤسس المملكة لدى موته سنة1053 جهازا خاصا للتوريث، وقد كان العامل الحاسم في غياب الية للتوريث هو العمر. ونظرا للعدد الكبير لاولاد الملك (37 من الذكور من 8 زوجات) فقد كان تحديد الوريث لا يخلو من صراعات. وعندما جاء الملك فهد (1982-2005) وضع قواعد للتوريث تقضي بان يتولى اخوة الملك واولادهم السلطة، ويتم اخذ الكفاءة بعين الاعتبار لدى اختيار الملك وليس العمر فقط. ورغم هذه القواعد فان الانتقال الى جيل الاحفاد سنة 2015 كان عملية معقدة اكثر مما كان عليه الحال سابقا.

يصعب على المراقبين من الخارج توقع اسم الوريث لان عملية الاختيار غير شفافة. ويتم الحسم بهذا الشأن داخل نطاق عائلي ضيّق. ويتم الاخذ بالاعتبار عدة امور في اختيار الوريث مثل: الحالة الصحية،مدى الدعم الذي يحظى به من باقي الامراء،أصل الام، درجة قرابته مع الملك.

رغم صعوبة المسألة الا ان القيادة السعودية تكون متهيئة الى حد ما لها، فمثلا عندما تم اختيار سلمان بن عبد العزيز بعد موت الملك عبد الله سنة2015 ، قام بتعيين اثنين من جيل الاحفاد في مواقع متقدمة وهما الامير محمد بن نايف كولي اول للعهد ،ومحمد بن سلمان (30 عام)  كوزير للدفاع. وفي سابقة جديدة تم تعيين عادل الجبير وهو من خارج العائلة المالكة كوزير للخارجية.

وكلما ازداد عدد الامراء الذين يشغلون مناصب هامة يزيد عدد مراكز القوى السياسية في المملكة. ورغم كبر عدد الاحفاد الا ان عدد الأمراء الذين يمتلكون تجربة عملية هو عدد قليل. وهنالك خوف لدى بن نايف وفي القيادة العليا السعودية ان يقوم الملك بتوريث ابنه محمد والالتفاف على بن نايف.

خلال هذه الفترة يعمل كلا الاميران المرشحان لوراثة الحكم على تجميع نقاط قوة ،ففي حين حظي الامير محمد باهتمام اعلامي بقضل حرب اليمن وخطته الاقتصادية الطموحة فإن ابن عمه لديه معرفة واسعة بشؤون البلد ويتمتع بعلاقات مع اطراف وجماعات عديدة فيها بفضل توليه سابقا وزارة الداخلية. علما ان ايّة مواجهة علنية بينهما ستؤثر على استقرار النظام.وفي نهاية الامر فان من يحدد شخصية الوريث هو الملك ودائرة ضيقة من المقربين حوله.

لقد اثار تعيين الامير محمد كنائب لولي العهد الى جانب منصبه كوزير للدفاع غضب العديد من الامراء، والمعارضة لسلطته تبدت في رسالتين كتبهما احد الامراء دون الافصاح عن هويته في صحيفة الجارديان البريطانية  حيث قال “لماذا يبقى مصيرنا رهينة لنزوات العواجيز ولنفاذ صبرهم” ودعى ابناء ابن سعود الباقين  للتوحّد من اجل ازاحته عن الحكم.

هاتان الرسالتان تكشفان عن الصراع الدائر داخل العائلة المالكة والتي تم فيهما تجاوز الميثاق غير المكتوب للعائلة وهو حل الصراعات داخليا .

كما ان عُمان تواجه مشاكل توريث مماثلة ،حيث ان استقرار السلطنة التي تشرف على مضيق هرمز غير راسخ . ويعود السبب للحالة الصحية لحاكمها المطلق منذ46 عاما “قابوس بن سعيد” الذي يبلغ من العمر76 عاماً ،المريض بمرض عضال.وخلافا لدول ملكية اخرى لا يوجد لقابوس اخوة او اولاد ،كما لا يوجد شخصية سياسية مرموقة  بامكانها ان تحل محله.

ويرى الكثير من السكان ان عُمان هي قابوس وقابوس هو عُمان ، ولم تات هذه الشعبية  مصادفة . فقد قام قابوس  الذي استولى على السلطة من والده سعيد بمساعدة البريطانيين عشية انسحابهم ، بتطوير البلاد، فقد قضى تدريجيا على التخلف الذي ميّز السلطنة، واخرجها من عزلتها الدولية وخصص جزءاً كبيرا من الدخل القومي لتوفير احتياجات السكان .هذه الخطوات أكسبته شعبية ومنحت سلطته شرعية بدرجة معقولة . وقام باستثمار العائدات من النفط في مشروع تطويري ضخم وبدأ باتباع سياسة خارجية محايدة. ان سياسته المتفردة تُعزى لحقيقة ان سكان عُمان ينتمون الى الطائفة الاباضية وهي  طائفة معتدلة تختلف عن السنة والشيعة.كما تميز نظام قابوس بعلاقاته الجيدة مع ايران خلافا لباقي الدول الخليجية. وهذه العلاقات الجيدة مع ايران تعود الى دعمهم له في قمع التمرد الذي استمر لأكثر من عقد(1962-1976) رغم انه في زمن الثورة في ظفار كان الشاه يحكم ايران وجاءت مساعدته على خلفية ان الثورة في ظفار كانت ذات طابع ماركسي.

وقد تعززت  العلاقات بين الدولتين  لدى انتخاب روحاني رئيسا لايران، وكانت زيارته لمسقط سنة 2014 هي اول زيارة يقوم بها  لبلد عربي منذ توليه لمنصبه. ان عُمان التي يتواجد بها طائفة شيعية صغيرة، تستغل علاقتها بايران للجم التاثير السياسي والديني للسعودية.

كما توسط قابوس بين ايران والغرب وكان له دور في التوصل للاتفاق النووي الذي وقع سنة 2015.كما ساعد في تملّص ايران من العزلة والعقوبات التي فرضتها عليها دول الغرب.

جيرانها من الدول العربية قلقة من الاستقرار بها ومن التوجه المستقبلي لسياستها الخارجية. والدليل على ذلك اكتشاف خلية تجسس تابعة للامارات العربية هدفها معرفة مستوى العلاقة  التي تربط عمان بايران ،ومعرفة  هوية الوريث المتوقع لقابوس.

هنالك مصلحة واضحة للعديد من الجهات في استقرار السلطنة نظرا لموقعها الجيوسياسي المميز.ولكن مستقبلها السياسي مرتبط بنظام توريث فريد. حيث ينص الدستور في مادة (6) على ان ينتخب مجلس العائلة خليفة للسلطان خلال 3 ايام من شغور الوظيفة، واذا لم يفلح في الاتفاق على شخص يتم فتح وصية السلطان الموجودة في مكانين مختلفين من السلطنة وبها اسم الشخص الذي اختاره السلطان لهذا المنصب. يجب اخذ هذا الموضوع بالحسبان لانه  قد يثير صراعات بين فروع العائلة او بين العائلة والجيش، كما قد يؤدي الى تمردات من قبل قبائل او مناطق مختلفة ومنها ظفار.

هل سيؤدي تغير الشخص الى تغيير في السياسة الخارجية لعُمان؟ من المشكوك فيه ان يحدث تغيير نوعي في الاستراتيجية الاساسية لها التي يحركها الرغبة في البقاء ومهمتها الموازنة بمهارة بين الجيران والمصالح المتضاربة. عُمان الذي كانت اول من سمح للولايات المتحدة باستخدام  منشاتها العسكرية، لن تقوم بتغيير سياساتها الموالية للغرب في طرفة عين.

لقد تجاوز قابوس الاضطرابات الاقليمية بفضل الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي بادر بها. وبفضل المساعدات الاقتصادية التي  حصل عليها من دول الخليج، كما يعود ذلك للشرعية التي يحظى بها في السلطنة.فخلافا للبلدان التي اجتاحتها الاضطرابات ،فان معظم المتظاهرين في عُمان رغبوا البقاء كرعايا لقابوس. ليس هذا بمستغرب نظرا للازدهار  والتقدم الذي حل بالسلطنة في عهده. المشكلة هي انه ليس واضحا فيما اذا كان وريثه يتمتع بنفس قدراته، فقابوس ليس هو السلطان فحسب بل  هو ايضا رئيس الحكومة ووزير الدفاعى ووزير المالية. ان المرشحين لوراثة قابوس هم ابناء عمه طارق، ولكن ثلاثتهم لا يمتلك تجربة في ادارة شؤون الدولة، حيث ان قابوس إستبعد كل من كان بامكانه تهديد مركزه. لهذا فليس واضحا الى أي درجة ستصمد مؤسسات الدولة بعده.

اضافة لحكام السعودية وعمان  فان عائلة الصباح  الحاكمة في الكويت منذ القرن التاسع عشر تواجة تحدي التوريث، فبالرغم من ان دستورها التي وضع بعد عام من استقلالها عن بريطانيا سنة 1961 ينصّ على ان نظام الحكم ملكي ،الا انه الى جانب العائلة المالكة هنالك مؤسسات ذات صلاحيات حقيقية مثل الجهاز القضائي المستقل والبرلمان. الامير الحالي الحاكم منذ2006 هو الشيخ صباح الاحمد الصباح (87 سنة)، ولي عهده هو اخوه غير الشقيق نواف (79) ولكن ليس واضحا من سيكون ولي العهد لدى تسلم الامير نواف لمقاليد السلطة.

يسمح للسعوديين انشاء جمعيات ومؤسسات اجتماعية ولكن يحظر عليهم اقامة الاحزاب.ورغم ان الكويت ليست دولة ديمقراطية حيث ان الحكومة غير خاضعة للبرلمان بل للامير الذي يعين رئيس الحكومة، الا ان برلمانها يعتبر اكثر البرلمانات صلاحية  من بين دول  الخليج.ومن صلاحياته الغاء اوامر وقوانين اصدرها الامير ، ويتمتع مواطنو الكويت بحرية سياسية نسبية  اكثر من باقي المواطنين في دول الخليج. ولا يتردد البرلمان في استخدام صلاحياته ، والنتيجة هي احتكاكات كثير مع الحكومة الى درجة تصل الى شلّ الدولة . فمثلا منذ 2014 شهدت الكويت عدة عواصف سياسية منها حل البرلمان ، اجراء انتخابات ،تعيين حكومتين  وحتى الكشف علنا عن الجدل الداخلي داخل العائلة الحاكمة.

بصورة رسمية يتم تعيين العديد من ابناء الاسرة الحاكمة في الحكومة، وهكذا  تظل السلطة في يد الا سرة الحاكمة ولا يكون هنالك معارضة جدية. لقد كانت هذه الطريقة فعّالة عندما كانت الاسرة صغيرة ولكن مع ازدياد حجم الاسرة وخاصة للزيجات المتعددة للامراء (الامير السابق جابر الاحمد تزوج من 40 امرأة) ،وكلما زاد عدد الامراء زادت المنافسة على تولي العرش.

وكمثال على المنافس داخل العائلة المالكة، فقد نشر تسجيل في ابريل 2014 يتهم فيه محمد الاحمد الصباح والمتحدث باسم البرلمان السابق جاسم القفاري بالتخطيط لإنقلاب  وسواء كان الامر صحيحا ام لا، الا انه  يشير الى التوتر داخل العائلة ، ولم يبق الامر داخل العائلة،  بل كان له تداعياته على الحياة البرلمانية خارجه، فردا على هذه الاتهامات إستقال خمسة اعضاء من البرلمان، وتبعها اندلاع احتجاجات جماهيرية تم تفريقها بواسطة الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية.

ان الوضع الصحي للامير ليس على ما يرام ، حيث اجريت له عملية جراحية سنة2014  اختفى بعدها عن الانظار حوالي 3 شهور ،ولا يتم التطرق في الصحافة الخاضعة للرقابة لصحة الامير الا ان هنالك تقديرات بان الامير ينقل شيئا فشيئا صلاحياته للمقربين منه .

في الماضي كان الصراع يدور بين فرعي السالم وجابر الا انه في الوقت الراهن اصبح الخلاف يدور بين امراء داخل فرع الجابر.  المتنافسان البارزان اليوم هما ناصر المحمد الجابر الصباح واحمد الفهد الصباح. في الماضي كانت هذه الصراعات تحل داخل العائلة الا ان الامر انتقل للخارج رغم التعتيم الاعلامي عليه.

ان انتقال معركة وراثة السلطة للمجال العام، يشير الى ان الدعم الجماهيري سيلعب دورا مهما في اختيار الوريث، بحيث تكون مطلوبا من  الحاكم القادم (نقاوة اليد نسبيا) وعلاقات جيدة مع الفروع الاخرى في العائلة.

    الاحتجاجات الافتراضية

لقد سارع الشباب الخليج المنفتح على التكنولوجيا الى توظيفها مع اندلاع الاضطرابات الاقليمية.وقد زاد بواسطتها من قوته الاجتماعية والسياسية ووضع حدا لكون السياسة هي شان العائلة المالكة. لقد احدثت وسائل التواصل الاجتماعي تغييرين هامين: الاول هو انها مكنت الشباب من اجراء حوار نشط والانتظام بدون ان يكون هنالك قيادة  قابلة للسيطرة عليها عبر شرائها والثاني هو تحويل المطالب الشخصية الى مطالب عامة والتي يقتضي ان يتم حلها بصورة مشتركة.

السعودية هي في مقدمة الدول التي تسنخدم وسائل التواصل الاجتماعي والهوتف الذكية، وهي تقف على راس الدول في العالم في استخدام تويتر ويوتيوب،فالسعوديون ياتون في المرتبة الثالثة في امتلاك الهواتف الذكية بنسبة 73.8% في حين تحل اسرائيل في المرتية ال12 بنسبة 56.6%، ويقضي السعوديون 2.7 ساعة على شبكات التواصل في حين يقضي البريطانيون 1.3 ساعة والامريكيون 1.6 ساعة ، ويعود ذلك بدرجة كبيرة  للقيود الاجتماعية على اختلاط الشباب .

اليوم ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حتى لدى امؤسسات السلطة ورجال السياسة، يتم استغلال هذه الوسيلة  من قبل المواطنين للتواصل مع كبار السياسيين، واحيانا تكون هي الوسيلة الوحيدة المتاحة امامهم.

ويستخدم الوعاظ الدينيين وسائل التواصل الاجتماعي في نقل رسائلهم الدينية، واكثر الشيوخ متابعة من الجمهور هو العريفي (14 مليون على التوتر و21 مليون على فيسبوك والشقيري 13 مليون على تويتر و13 مليون على فيسبوك)،ويظهر استطلاع اجري سنة 2013 ان 20% يستخدم هذه الوسائل لقراءة ومشاهدة مواد دينية في حين ان 80% يستخدمها لاغراض سياسية.

الى جانب المساجد  تستخدم  الجهات المحافظة وسائل التواصل الاجتماعي لنقل مواعظها الدينية لجمهورها من المؤمنين داخل الدولة وخارجها، وللتحذير من خطر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي بحث اجراه عبد الرحمن ال-اسم حول طريقة استغلال المؤسسة الدينية لتويتر لاغراضها اشار الى ان المؤسسة الأولى التي فتحت حسابا لها على تويتر (في2008 ) هي الوزارة المسؤولة عن الحرمين الشريفين (المسجد الحرام والمسجد النبوي).

ولكن هنالك قوى اخرى تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي منها جهات تستهدف تحسين مكانة المرأة والاقليات في السعودية، ورغم ان هذه الجهات لا تدعو الى تغيير بنية  النظام القائم  او  الدعوة الى افكار ديمقراطية ليبرالية بشكل عام ، بل يدعون الى تحسين حقوق  ومشاركة الشباب والمرأة في اطار النظام القائم، الا انها تقوض بالتدريج مصدر السلطة التقليدي. النساء بشكل عام  لا تعمل  بصورة مباشرة ضد العائلة المالكة ، ولكنهن يعملن لتوسيع حقوقهن في المجال العام – السياسة، الاعمال والتعليم. فقد قمن بحملة باسم women 2Drive،وهدفها الغاء الحظر على قيادة المرأة، وتضمنت الحملة هجوما على رجال الدين. وفي حين يرى الخطاب الغربي في هذه القوى الليبرالية (نسبيا) محط الانظار ويسعى لمساعدتها لتحسين صورتها، الا ان تأثيرها في الانترنت لا يعادل تأثير المعسكر المحافظ.

المجال الافتراضي فتح امام الشباب الذين يشكلون نصف السكان مدخلا للمعلومات التي كانت في الماضي حكرا على العائلة الحاكمة.لهذا فليس من المستغرب ان ترى المؤسسة الحاكمة والمؤسسة الدينية في هذا المجال وخاصة مجال شبكات التواصل  الاجتماعي تهديدا حقيقيا يقتضي مراقبة واشرافاً شديداً، وخاصة على المنشورات التي تمس الدين او تطال العائلة المالكة.

حتى اكتوبر 2015 تمتع المواطنون السعوديون بحرية غير محدودة  تقريبا على شبكة الانترنت، ولم يتم اتخاذ اجراءات حتى ضد من انتقدوا السلطة عليها ، في حين تم اغلاق المواقع التي تضمنت مواداً اباحية.

في اكتوبر 2015 حدث تحول، حيث أعلن النظام انه سيعاقب وحتى سيعدم اي مواطن ينشر على الفيسبوك او التويتر “اشاعات تؤدي الى تشويش في المجتمع”.واعلن انه سيعدم صلبا شابا شيعيا عمره 21 عاما باسم علي محمد النمر  لاشتراكه في مظاهرة سنة 2012 ودعوته لغيره على الشبكة للمشاركة بها . وقد واجه هذا القرار ادانة واسعة ، ودعوة للتراجع عنه الا انه حتى الان لم يتم التراجع عن الاعدام رغم انه لم ينفذ. الا ان مثل هذه القرارات تثير الشكوك حول درجة حرية التعبير التي ستسمح بها المملكة  مستقبلاً.

تستخدم المواقع الاخبارية  ووكالات الانباء الانترنت بشكل واسع، حيث ان 85 % منها لديها حسابات للتواصل الاجتماعي، و حقيقة ان 5% فقط من وكالات الانباء العربية العاملة في السعودية  لديها حسابات باللغة الانجليزية يشير الى ان مستهدفيها هم السكان المحليين وليس مواطنو دول اخرى.

ان نجاح شبكات التواصل الاجتماعي في السعودية ودول الخليج يرجع الى الانتشار الواسع  للهواتف الذكية ،وسبب اخر هو الثقافة والمناخ الذي يجبر النساء على عدم الخروج للمجال العام. ولكن السبب الرئيس هو الممنوعات الكثيرة المفروضة على السعوديين. مثل حظر التجمع او التظاهر كما لا يوجد دور للسينما او ملاهي او مسارح  لهذا فإن شبكات التواصل الاجتماعي هي البديل عن ذلك.

بالمقابل، وضعت شبكات التواصل في يد النظام ادوات لم تكن متاحة امامه لمراقبة المواطنين. لان خروج الاحتجاج للانترنت يسهل على السلطات متابعة المحتجين ،ويثنيهم عن القيام بنشاطات سياسية حقيقية.هذا هو الادعاء المركزي الذي يظهر في تقرير منظمة Human Rights Watch.ولو ان كبر حجم المستخدمين يصعب مراقبتهم.

ان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ينفّس من الاحتقان ولكن ثورة الشبكات تقدم منصة للرعايا وتقلّص تدريجيا شرعية الاسرة الحاكمة.وتخاف الانظمة في الخليج من ان تشكل هذه الشبكات محفزا لاندلاع الاحتجاجات، حيث ان العديد من السعوديين يتمنون التغيير ولكنهم يطالبون بذلك بواسطة لوحة مفاتيح الكمبيوتر.

عوامل الحصانة للأنظمة الملكية في الخليج

     نظرية دولة المخصصات

ما يفسر سقوط الجمهوريات العربية مقابل استقرار الانظمة الملكية في الخليج هو استغلال النفط لأهداف سياسية. حيث يغدق الحكام على المواطنين العطايا من مدخولات النفط مقابل قبول المواطنين بحق هؤلاء الحكام في الحكم، اي انهم يشترون خضوعهم السياسي بالمال. وقد زادت عطاياهم مع اندلاع الاضطرابات في الدول العربية.

يمكن بواسطة سياسة المخصصات state theory    Reinter(نظرية االدولة الريعية) تفسير العلاقات ما بين الحاكم والرعايا في الدول التي تأتي اغلب مدخولاتها من بيع المصادر الطبيعية. حيث يوزع النظام المخصصات على المواطنين  ولا يجبي  منهم ضرائب. وبالمقابل يسلب منهم حقوقهم السياسية. وهذا الاسلوب يقمع المبادرات الاقتصادية ، وبالتالي الاقتصاد المحلي لغياب الحافز الاقتصادي.

نظرية المخصصات نشرت في سبعينيات القرن الماضي حينما ارتفعت العائدات النفطية، وكان حسين مداوي هو من بلور اسس هذه النظرية، والدولة التي شكلت نموذجا لها كانت ايران ما قبل الثورة. والهدف الاساسي للنظرية هو كشف العلاقة المتبادلة ما بين المجتمع والسلطة –وبالاساس الدول المنتجة للنفط والغاز، والاجهزة التي تمكن النظام من البقاء حتى في غياب الديمقراطية.

ويقول حازم ببلاوي ان ما يميز دولة المخصصات هو ان جزءاً صغيراً من السكان يشارك في انتاج الثروة والغالبية تشارك في استهلاكها. ووفقا لما يرى الببلاوي فانه كلما زاد الانتاج من النفط والغاز، وقل عدد السكان، يكون من الاسهل تطبيق نموذج دولة المخصصات. وهذا هو الواقع في دول الخليج –باستثناء السعودية – حيث يوجد عدد قليل من السكان.ويرى ببلاوي ان دول الخليج تقدم لمواطنيها العديد من الهبات الاقتصادية – خدمات رفاه اجتماعي، وظائف عامة، استيراد ملايين العمال الاجانب للعمل في الاعمال التي لا يرغب المواطنون القيام بها. وهكذا ابعدت هذه الدول مواطنيها عن القيام باي عمل منتج وحولتهم الى أشخاص مرتبطين باستمرار تقديم الهبات من الدولة بدلا من خلق طبقة وسطى فعّالة”. هذه احدى وسائل شراء الهدوء السياسي. وهنالك طرق اخرى مثل قيام العائلة الملالكة باقامة علاقات سياسية او عائلية مع مجموعات مختلفة من السكان يتم بموجبها منح هذه المجموعة سبيلا للوصول للثروة او المصادر الطبيعية. وطالما كان الشعب راضيا من الوضع الراهن تتضاءل احتمالات تمرده.

ان مصطلح “ريع”، يرد كثيرا في الاقتصاد الكلاسيكي وخاصة في كتابات الاقتصادي البريطاني المشهور  ريكاردو(1772-1823)، ويعبر عما يدفع مقابل ملكية الموارد. في الدولة الريعية فان نسبة كبيرة من مدخولاتها ومدخولات مواطنيها مصدرها الريوع التي تضخها الموارد الطبيعية. والاستنتاج الاساسي لريكاردو هو ان دولة كهذه  تخلق “عقلية ريعية” والتي يميزها انعدام الدافع للعمل. وهذا ما يفسر بطء النمو في الدول الريعية.

وبهذه النظرية ايضا يمكن تفسير الاستقرار السياسي في دول المخصصات مثل دول الخليج العربية. هذا الاستقرار مرتبط ارتباطا مباشرا بمستوى المعيشة المرتفع الذي يعيشه مواطنوها. هذه الحقيقة تبرز بشكل خاص في العهد الذي ادرك فيه مواطنو هذه الدول ان بامكانهم تغيير النظام السياسي القائم. هذه الفرضية عرضها للمرة الاولى بصورة واضحة وشاملة جريجوري غوس، الذي راى ان الثروة التي مصدرها من النفط واستخدامه هي ما يفسر كيف استطاعت تلك الانظمة الهشة في الخليج اجتياز الاضطرابات التي مرت بها.

لقد حولت عائدات النفط في النصف قرن الماضي  قرى الصيادين الى أغنى بقاع الارض. وتختلف هذه الدول فيما تقدمه لمواطنيها ففي حين تقدم البحرين وعمان مبالغ اقل فان السعودية والامارات وقطر والكويت تقدم لمواطنيها دعما اكبر،الامر الذي لم يعد ممكنا في ظل انخفاض اسعار النفط وانخفاض احتياطياتها من العملة الصعبة.

لقد اعتاد مواطنو تلك الدول على عدم دفع الضرائب لذلك سيكون من الصعب على تلك الدول زيادة عائداتها من مصادر غير نفطية دون المخاطرة بإندلاع احتجاجات.ويتراوح دخله من الضرائب ما بين 2.5%(عمان) الى 5.1%(قطر).

وفي حين لم يعد بإمكان دول الخليج ان تزيد من مدخولاتها، الا بالتأمل في ارتفاع اسعار النفط، فان ايديها مكبلة ايضا من ناحية النفقات حيث انها متعاقدة مع مواطنيها بعقد منصوص عليه قانونيا بأن توفر الصحة والتعليم المجاني كما عليها تقديم الكهرباء والنفط والسكن باسعار مدعومة.كما ان على النظام توفير عمل مناسب لكل مواطن. واذا استمر انخفاض اسعار النفط يكون هنالك ضرورة لتغيير العقد الاجتماعي القائم، واذا خرق أحد الاطراف هذا العقد يصبح الطرف الثاني في حلٍ منه. وقد وصف الملك عبد اللة بن عبد العزيز هذا العقد بانه مبني على اساس ان الشعب يسحب يده من الشأن السياسي ويترك الحكم لعائلة ال سعود وبالمقابل يوفر لهم النظام التعليم والصحة المجانية ودعم سخي للاسكان والغذاء والوقود، وتوفير اماكن عمل توفر لهم دخلا عاليا.

ولكي تستبعد خطر وصول الاضطرابات لها فقد ردت تلك الدول على اندلاع الاضطرابات بطريقة ريعية حيث اعلنت الكويت عن صرف 3500 دولار لكل مواطن  سنويا وزادت  قطر من المعاشات في القطاع العام والقوى الامنية، وخصصت السعودية 130 مليار دولار لزيادة رواتب القطاع العام وخلق فرص عمل جديدة، ان خوف دول الخليج من حدوث اضطرابات لديها نابع من ان لديها عدد من العوامل التي ادت الى اندلاع الاضطرابات في الاماكن الاخرى.

لقد غيّر النفط العلاقة بين الحكام والمحكومين، بحيث اصبح المحكومون الذين نالهم نصيب من الثروة اقل مطالبة للمشاركة في الحياة السياسية، وقلل استعداد الحكام لاشراكهم في الشأن السياسي، لهذا نجد في الخليج دولتين فقط لديها برلمانات منتخبة (الكويت 1961، البحرين 2002)، وليس لديهما صلاحيات كاملة.

على ضوء هذا الواقع فقد بقيت النظرية الريعية هي الاساس في الابحاث المتعلقة بدول الخليج، بالرغم من اضافة بعض الاضافات والمعايير التي تاخذ بالاعتبار متغيرات جديدة لتفسير ما يجري فيها، ومن هذه المعايير العولمة، الضغوط الداخلية للتحديث والسعي لتقليل الاعتماد على النفط، الا ان الاساس يبقى النظرية الريعية.

لقد سنت بعض الدول الخليجية قوانين تجبر الشركات الاجنبية بان يكون لها شركاء محليين، وهذا اعطى المواطنين غير المقربين من العائلة المالكة الفرصة للحصول على ريع من تلك الشركات دون الاضطرار للمساهمة فيها.

بالرغم من دخول العديد من الشركات الاجنبية للخليج بقيت الدولة هي المحرك الرئيس فيها، حيث ظلت هي المشغِّل الاول والمزوِّد الرئيس. ويرى ببلاوي ان البنية الاقتصادية في الدولة الريعية مثل دول الخليج تقود الى تبنى المواطنين لمقاربة يرون فيها ان الرفاه الشخصي هو امر طبيعي ومفهوم بذاته وليس نتيجة توظيف جهود وموارد كما هو الحال خارجها.لهذا ليس مستغربا ان تسود مقولة “المواطنة هي مصدر للربح الاقتصادي” في دول الخليج.

لقد بدأ عهد الرخاء الاقتصادي لدول الخليج بعد ازمة النفط في اعقاب حرب 73، واصبح المواطنون لا يرون فيما يقدم لهم من الحكام هبات مؤقتة بل حقوقا ثابتة لهم لكونهم مواطنين، واذا توقفت الدولة عن تقديمها يتوقفون عن الولاء لها.

بالرغم مما قيل اعلاه فما زال البعض يرى وجود اشكالية في الربط بين النظرية الريعية والاستقرار السياسي، فمثلا يرى روس (2001) انه من الصعب الخروج باستنتاجات بخصوص النظرية الريعية حيث ان معظم دول الخليج هي انظمة استبدادية وتحكم بالاساليب القمعية.

اضافة لذلك تثور تساؤلات: لماذا انشأت بعض هذه الدول برلمانات وبعضعا أدخل إصلاحات تزيد من مشاركة المواطنين في الحكم. يمكن الاجابة على ذلك بالقول ان ذلك نتيجة للإرث البريطاني وقد يعزى ذلك لضغوطات داخلية او خارجية او للرغبة في زيادة شرعيتها.

ان منتقدي النموذج الريعي يرون ان هذا النموذج كان قائما قبل النفط حيث وزّعت العائلة السعودية سابقا الارض على الموالين لها، كما جبت رسوما من الحجاج بدلا من فرض الضرائب على المواطنين.هذا النموذج بامكانه تفسير علاقات  الوصاية بين الدول الخليجية وبعض الدول العربية  الفقيرة التي تحظى بدعمها الاقتصادي.وبنفس الاسلوب تصرفت بريطانيا وفرنسا عندما كانت تمنح الاراضي لزعماء القبائل لشراء ولائهم.

وفقا لهذا التفسير فان بعض المجموعات التي كانت مشاركة في الحكم قبل عهد النفط، استبدلت قوتها السياسية  بالحصول على جزء من ثروة الدولة. ان قلة عدد السكان النسبي قللت من حجم التحدي الذي تواجهه تلك الانظمة.

في العقد القادم من المتوقع حدوث تغييرات على التعاقدات السياسية في الدول الخليجية، حيث ليس بامكان تلك الدول الاستمرار في تقديم ما تقدمه في ظل ان الموارد النفطية اخذة في النفاذ وعدد السكان اخذ في التزايد واحتياجاتهم اخذة في التضخم.

باختصار، ليس بوسع النظرية الريعية تفسير استقرار دولة المخصصات، حيث ان النظرية ما تقدمها الدولة من امور غير اقتصادية مثل الأمن والهوية الوطنية. كما ليس بامكانها تفسير الاختلافات ما بين دول الخليج – تلك التغييرات غير النابعة من أحجام الموارد المختلفة المتاح لها. كما لا تفسر لماذا تطور في اثنتين من اغنى هذه الدول (الكويت والامارات)، نظامان سياسيان مختلفان. حيث الامير في الكويت ليس هو الحاكم المطلق حيث يوجد لجانبه برلمان يعمل على المحافظة على التوازن بين الامير والحكومة والبرلمان. كما لا تفسر كيف ان دولتين متشابهتان في مستوى الثراء، ينظران بصورة مختلفة للخطر المحدق بهما من المعارضة الاسلامية. ومن اجل الاجابة على هذه التساؤلات يجب فحص التاريخ السياسي لكل منها والمؤسسات التي كانت قائمة بها قبل عهد النفط.كما لا تأخذ نظربة المخصصات بالحسبان ان توقعات المواطنين من الدولة هي امر يتغير مع الزمن .وكدليل على ذلك بدأ العديد من المواطنين في هذه الدول وبعد الاضطرابات في العالم العربي بالتعبير عن رغبتهم في المشاركة في الحياة السياسية.ولا يمكن للأنظمة تجاهل هذا التغيير.

خطر الثورة الشعبية يحدق بجميع الانظمة الاستبدادية في الخليج ، ولكي تتجاوز هذا الخطر تقوم الى جانب رشوة المواطنين باجراء حوار معهم لزيادة شرعيتها .كما تستغل الاجهزة الثقافية –التقليدية الموجودة تحت تصرفها.

     الثقافة والعرف:

كما اسلفنا، الى جانب مركزية التفسير الريعي في تفسير صمود الدول الملكية في الخليج، يجب الاخذ بالحسبان عوامل اخرى منها الثقافة السياسية، طريقة احتواء المعارضة  داخل المؤسسة، تشكيل الرأي العام بواسطة السيطرة على التعليم والاعلام.

الثقافة السياسية هي عامل كبير الاهمية في حماية النظام الملكي  فرغم أن دول الخليج انشأت مؤسسات للحكم ذات شكل غربي حديث، الا ان المسائل الهامة يتم البت فيها في حالات كثيرة بالطريقة القبلية التي كانت متبعة منذ القدم. وهنالك من يرى في السلطنات والممالك اشكالا طبيعية لنظام الحكم في شبه الجزيرة، ومن هنا يحظى بشرعية دينية ،ولها جذور ضاربة في اعماق الثقافة والأعراف العربية.

مصدر اخر للشرعية هو الدين، لهذا تدعي العائلة المالكة في البحرين ان جذورها تعود الى  القبيلة التي جاء منها النبي محمد، وتتفاخر العائلة المالكة السعودية بانها حامية الحرمين الشريفين، ويحرص بعض الحكام على اظهار التزامهم بالسلوك الديني واحترام التقاليد، وذلك لعدم اعطاء فرصة لانتقادهم من الاحزاب المعارضة الاسلامية.

هنالك من يرى ان الملكية تتناسب مع الثقافة العربية، وهذا يعطيها شرعيتها.وهنالك من يرى ان الملوك فيها يحافظون على مسافة بينهم وبين الشعب وينظر لهم كوسطاء نزيهين بين الشعب والحكومة. وهذه الثقافة السياسية المتفردة  أعطتها شرعيتها وزادت استقرارها.

ولأهمية الحصول على الشرعية الشعبية تبذل تلك الانظمة جهوداً حثيثةً من اجل الظهور بمظهر الممثل الحقيقي للثقافة، وتؤكد التناسب ما بين انظمتهم والتاريخ المحلي، وتوافقها مع الدين الاسلامي والعرف القبلي. وفي الحقيقة ان كل ذلك هو خداع للشعب بهدف كسب ولاء الرعايا، واقناع المنتقدين في الخارج ان النظام الملكي هو مولود طبيعي للتاريخ والثقافة المحلية.

ان معظم هذه الدول هي وليدة النظام الكولونيالي الذي طور اجهزة سيطرة وقمع متطورة جدا. ويرى البعض (مايكل هيرب) ان المسّ بالاسس العرفية يعرِّض استقرار هذه الانظمة للخطر، ومن هذه الاسس تشاور الحاكم مع رعاياه، والتي تاخذ اشكالا مختلفة، بدءا بلقاء الحاكم وابناء اسرته بالرعية مباشرة عبر جولاتهم في ارجاء المملكه او عبر “المجلس الاستشاري” او كتابة العرائض وانتهاءً بالبرلمان. ويرى “جابي بن دور” ان الطابع القبلي للمجتمعات الخليجية يسهِّل على العائلات المالكة المحافظة على علاقات مباشرة مع الرعايا. ان اللقاء المباشر مع الرعايا والاستعداد للاستماع لهم هي تجسد “االديمقراطية الصحراوية” التي تعطي لهم الفرصة في كل عام للقاءٍ مباشرة مع الحاكم . وتمكِّن الحاكم من الاضطلاع على ما يعتمل  لدى الشعب بمختلف فئاته. وان يستمع لشكاواهم ويتعرف على الانسان البسيط. وهذه اللقاءات التي يعقدها افراد العائلة المالكة مع الشعب اظهرتهم كوسطاء نزيهين بين الشعب والحاكم  وهذا عزز مكانتهم داخل العائلة لانهم اصبحوا يرون فيهم مؤشرا حساسا للرأي العام.

في السعودية واتحاد الامارات تستخدم الاعراف القبلية من قبل النخب والرعايا لنقل رسائل في الاتجاهين. في السعودية يتم ذلك عبر المجالس القبلية. هنالك مشاركة داخل العائلة المالكة في اتخاذ القرارات وفي التنفيذ في جميع دول الخليج باستثناء عمان.وتجدر الاشارة الى ان النظام القبلي ما زال قويا في شبه الجزيرة. بالرغم مما قيل انفا ،لا يمكن الادعاء ان من صمد من الانظمة هي تلك التي حكمت مجتمعات قبلية فقط، ففي العراق واليمن وليبيا لم تصمد الانظمة، ولا يمكن الادعاء ان هذه مجتمعات غير قبلية. لهذا يجب ان يستند التفسير ايضا  كما يقول مايكل هيرب على قدرة العائلة المالكة على توزيع قوتها بين اعضائها. حيث انه بسبب الثروة فيها خلقت وظائف هامة وهذه اعطيت كجوائز ترضية لأعضاء العائلة المالكة، الذين لن يغامروا بها في دعم من تسوّل له نفسه تدبير انقلاب على الحاكم. وهذا يفسر سقوط النظام في ليبيا.

ان كبر حجم العائلة المالكة وحضورها في شتى مناحي الحياة يصعِّب زعزعة الاستقرار، بعكس الحال في الاردن والمغرب حيث يحكم الملك وليس العائلة. وكون الملك قادر على تغيير البرلمان والحكومة متى شاء، يتم استخدامهما كأدوات لامتصاص الغضب الجماهيري عند الضرورة. ولكن اذا فحصنا كل تقنيات البقاء لهذه الممالك نجد ان “هيرب” كان محقا عندما اشار الى ان اكثرها نجاعة هو توزيع المناصب الحساسة بين ابناء العائلة المالكة (باستثناء عُمان).لأن هذه التقنية تمنح العائلة المالكة سيطرة على مؤسسات الدولة، خاصة بوجود العدد الكبير من الامراء في هذه العائلات (في السعودية يوجد 5000 اميراً). والى جانب من يتولون المناصب الرسمية يوجد العديد من ابناء العائلة والذين لا يتولون مناصب رسمية الا ان قرابتهم بالحاكم تمنحهم مكانة وتاثرا من خلف الكواليس.

ان اهمية توزيع الوظائف الاساسية تلعب دورا هاما في عدم بروز معارضة ،وتحفز العائلة على اختيار القائد الافضل من اجل المحافظة على المؤسسة الحاكمة.ولكن تولي افراد العائلة للمناصب الحساسة يجعل ليس من السهل على الحاكم تغيير من يراه غير مناسب للوظيفة التي يشغلها، لأنه يكون عليه استبدال احد اقاربه المقربين. ولكن كيف نفسر نجاح دول ليس فيها مشاركة من العائلة مثل عُمان ، وكيف لم ينجح تبني النموذج الخليجي من قبل دول جمهورية اخرى؟ حيث حاول صدام ومبارك وصالح والقذافي توريث  الحكم  لأبنائهم ولكنهم لم ينجحوا ولم ينجح سوى الاسد في ذلك.

اذا كانت الملكية، والتي اساسها توريث  الحكم داخل العائلة هي نظام يناسب العرب، لماذا رفض سكان الدول الجمهورية توريث الحكم لديها؟وهذا يثير التساؤل حول مدى قبول المجتمعات العربية بشرعية الانظمة الملكية. ابناء العائلات المالكة يشغلون اليوم حوالي 1/3 المناصب الحكومية في دول الخليج. ولكن هذا التقليد اصبح يواجه خطر التغيير  بسبب الضغوط الجماهرية والبرلمانية، مما سيضعف ليس العائلة فقط بل الحاكم نفسه، فقد اضطر ملك البحرين الى تنحية عمه الذي يتولى رئاسة الوزراء منذ 1970.وقد اراد الملك بهذا التغيير منع مطالب بالتغيير ابعد من ذلك.من هنا يمكن القول ان الملكية العائلية (التي يشارك بها ابناء العائلة الحاكمة) يصعب عليها ابداء مرونة ازاء المطالبات بزيادة  الديمقراطية  واشراك الجماهير في السياسة ولو قليلا. وهذه المرونة ضرورية من اجل صمود الانظمة الملكية في الخليج.

من السهل تفنيد مقولة ان مجرد الشكل الملكي لنظام الحكم يعزز استقراره، ويكفي لذلك استعراض تاريخ الدول العربية في النصف الثاني من القرن العشرين .لقد تم اسقاط النظام الملكي في مصر سنة 52 وفي تونس 57، وفي العراق 58 وفي اليمن 62 وفي ليبيا69  وفي ايران 1979، ما في السعودية فقد لعب جهاز الامن دورا كبيرا في الحفاظ على بقائها.كما ان ثورة اقليم  ظفار في عُمان هددت في سنوات الستينيات والسبعينيات استقرار السلطنة، لهذا فان الادعاء بالشرعية الثقافية لنظام الحكم الملكي يستند الى اسس واهية.حبث ان سقوطها كان ممكنا مثل بقائها.

اضافة لذلك فان الشرعية هي مفهوم بصعب قياسه، ان الانظمة الاستبدادية تحاول الحصول على درجة معينة من الشرعية الجماهيري عن طريق الاستفتاءات والانتخابات الشكلية. وبدون اجراء استطلاعات محايدة ونزيهة يصعب معرفة درجة الشرعية التي يحظى بها النظام في نظر شعبه. يدعي الملوك انهم يستمدون شرعيتهم ليس من الشعب بل من الانتماء للنبي محمد او لمسؤوليتهم عن الاماكن المقدسة. لقد كانت مطالب المظاهرات في العالم العربي هي الديمقراطية ولم يطالبوا بتنصيب ملوك عليهم الامر الذي يشكك في الادعاء بان الملكية هي الشكل المناسب للعالم العربي .

تخويف وقمع:

كما اشرنا انفا فان الانظمة الخليجية تستخدم ثرواتها في رشوة مواطنيها وتوفير الهدوء لها. لقد دفعت دول الخليج 150 مليار دولار في النصف الاول من سنة 2011 لهذه الغاية. وقد استخدم هذا المبلغ في زيادة الرواتب وبناء مساكن للسكان. ولم تكتف الانظمة  بذلك فقد مارست التخويف والتحريض  وقامت بانفاق مبالغ طائلة في شراء وسائل بوليسية متطورة لقمع الجماهير والسيطرة عليها.

من هذه الناحية لا تختلف الانظمة الخليجية عن الانظمة البوليسية الاخرى في العالم فقد استخدمت وسائل رقابة متطورة واستعانت بمرتزقة لقمع المتظاهرين واسكتت كل المنظمات المدنية الاجتماعية في اطار مواجهتها لموجة الاحتجاجات وقد نجحت في ذلك بسبب عدم المبالاة الدولية نظرا للخرق الممنهج لحقوق الانسان في دولها .وقد بلغ عدم المبالاة ذروته عندما تم انتخاب السعودية لرئاسة لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة سنة 2015.

يظهر الواقع وجود عدد كبير من العاطلين عن العمل في دول الخليج وجيوب من الفقر ، وموارد اخذة في النضوب واقتصادات فشلت في تنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على النفط. ومن الجانب الاخر لديها سكاناً اغلبهم من الشباب العصري المثقف المتصل بالانترنت وغير المستعد لمواصلة العيش وفقا للقواعد القديمة.ويعبر هؤلاء الشباب بصورة جلية عن اشمئزازهم من الوضع الراهن وفي العديد من الحالات يعبرون عن تضامنهم مع حركات الاحتجاج حولهم.

الابحاث حول الخليج لا تعطي اهمية كافية لعنصر الاضطهاد الموجود في كل الانظمة الملكية نظرا لان الثورات يتم قمعها غالبا قبل استخدام القوة . ان معدل عدد رجال الشرطة في دول الخليج من اعلى المعدلات في العالم، ففي البحرين يوجد 1867 شرطي لكل 100الف من المواطنين وفي الكويت يوجد 1065 في حين ان المتوسط العالمي هو 303 رجال شرطة لكل 100 الف مواطن.كما تحظر هذه الدول التنظيمات السياسية المعارضة. ومن العوامل الاخرى التي تساعد على بقاء هذه الانظمة هو ولاء اجهزة الامن واستعدادها للدفاع عنها.

استخدمت قوات الامن البحرينية وسائل القمع العنيفة ضد المتظاهرين واغلبهم من الشيعة. واتهموا زعيم المعارضة الشيخ علي سلمان بالتحريض واثارة الكراهية وحكم بالسجن ل4 سنوت. وزادت عُمان في سنة2012 من معدل اعتقالات الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعية والذين دعوا الى اصلاحات سياسية. واتهمتهم باهانة السلطان.في الكويت تم في سنة 2013 اعتقال 25 شخصا منهم 3 اعضاء برلمان سابقين بتهمة “اهانة الامير “.وقد سنت الكويت قانونا يغرّم بموجبه من يجرَّم باهانة الامير بـ “مليون “دولار امريكي.

كما اصدر النظام السعودي امرا يحظر بموجبه نشر أية مواد من شأنها “خدمة المصالح الاجنبية واضعاف الامن الوطني”. وهذا زاد من تقييد الصحافة المقيدة اصلا. وقد اعتقل العديد من الناشطين وابرزهم رائف بداوي الناشط على الانترنت الذي اتهم باهانة المؤسسة الدينية وحكم بالسجن لسبع سنوات وبالجلد 600 جلدة. كما قامت دولة الامارات سنة 2013 باغلاق عدد من المكاتب المحلية للمعهد القومي الديمقراطي وصندوق كونراد اديناور –وهي منظمات شبه حكومية،وكذلك الفروع المحلية لمراكز ابحاث مثل مركز ابحاث الخليج Gulf Research Center.

وحتى في قطر التي تحاول الظهور بمظهر الدولة المستقرة المنفتحة، تم في سنة 2011 اعتقال شاعر وحكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة اهانة الامير بعد نشره لقصيدة يؤيد فيها الربيع العربي.واصدر امير قطر سنة 2014 امرا يحظر فيه نشر اية مادة تمس “القيم الاجتماعية” او” النظام العام”.

في 2014 انشيء مجلس التعاون الخليجي الذي استهدف” تطوير التعاون ضد المخدرات وتبييض الاموال والجريمة المنظمة ” وقد اتسعت نشاطاته لمواجهة الاحتجاجات الاجتماعية حيث ارسلت قوات مسلحة من دول المجلس للبحرين للمساعدة في قمع الاضطرابات فيها. كما قامت البحرين باعتقال زعيم ديني شيعي بعد اشتراكه في مظاهرة احتجاجا على اعدام السعودية لرجل الدين الشيخ النمر. ومع ذلك، وفي حين سعت الاردن والمغرب الى انفتاح معين في اجهزتها السياسية ردا على الانتفاضات العربية الواسعة، ردت دول الخليج باجراءات معاكسة. ويبدو انه لم يكن امام تلك الأنظمة خيارات كثيرة ،لأن اية مقاربة اخرى كان من شأنها اضعاف قوة العائلة المالكة.

الدعم الخارجي:

لقد ساعدت قوى خارجية على استقرار الانظمة الملكية في الخليج. وحافظ هولاء الملوك على علاقات قوية مع الغرب وبالمقابل حظوا بامتيازات امنية واقتصادية .وقد اتهمت هذه الدول بعمالتها للغرب، ولكن رغم تحفظ مواطنيها من سيطرة الولايات المتحدة على المنطقة، الا انهم يعتقدون ان الدول الثورية في المنطقة تشكل خطرا أكبر عليهم.

لقد اهتمت الولايات المتحدة كسابقتها بريطانيا بدول الخليج نظرا لمخزونها النفطي، ولكن الولايات المتحدة دعمت ايضا الانظمة الملكية غير النفطية مثل الاردن. ان الولايات المتحدة والانظمة الملكية تحالفت معا نظرا لمعارضتهم المشتركة للانظمة القومية الثورية العربية. وهكذا وجدت الولايات المتحدة المؤيدة للليبرالية وسيادة الشعب في الطرف نفسه مع الدول المعادية للليبرالية ولا تعترف بسيادة الشعب.

لقد وجدت واشنطن ان من الاسهل لها التعامل مع ممالك مستقرة من التعامل مع أنظمة استبدادية تقليدية، حيث ان تلك الانظمة اكثر اجتذابا لنيران الانتقاد من الممالك التي تسوء فيها حالة حقوق الانسان. وهكذا انتقدت نظام مبارك وسمحت بسقوطه وفي نفس الوقت غضت الطرف عن القمع العنيف للمتظاهرين في البحرين.

ان الصيرورة التي ادت الى تشكل الانظمة الملكية في الخليج وخاصة علاقاتها التاريخية ببريطانيا هي امور حاسمة لفهم المؤسسات السياسية فيها.كما يجب فهم شبكة العلاقات بين العائلات المالكة وبين المؤسسات الدينية لفهم تطور هذه الدول.كما يجب فهم العقد الاجتماعي بين هذه الانظمة مع مواطنيها. الذي يتيح اشراكهم في المداخيل من الموارد الطبيعية وحرمان العمال الاجانب منها، كما تتيح لمواطنيها تولي المناصب الحكومية عالية الاجر. واخيرا يجب فهم عوامل غير اقتصادية مثل الاحتواء والهوية القبلية.

كما يجب البحث خارج تلك الانظمة لتفسير بقائها، حيث ان تلك الانظمة تستغل ثرواتها لشراء صداقات اوساط هامة في الساحة الدولية وخاصة الدول العربية المركزية.كما تمول مؤسسات دولية مثل الامم المتحدة وبهذا تؤثر على قرارات تلك المؤسسات.

وهنالك اسلوب اخر تسلكه دول الخليج لتغدو قوى مؤثرة وهو الاستثمارات المنتقاة في مؤسسات ومشاريع مرموقة (متاحف جامعات، اندية) وهذا السلوك هو مثال ممتاز لتحقيق “القوى الناعمة” الذي كتب عنها “جوزيف ني”. وهذا الى جانب تحقيق مصالحها بدون استخدام القوة فانه يكسبها صورة االدول المحبة للخير للاخرين  والايجابية والمسؤولة في الساحة الدولية.

الانتفاضة في البحرين فشلت ليس بسبب وسائل اتصال ناجحة مع المتظاهرين بل بسبب انها قُمعت بالقوة. وقد شارك في القمع قوات من مجلس التعاون الخليجي وعلى راسها السعودية ، وهذه المشاركة هي رسالة للمتظاهرين بان السعودية وباقي دول مجلس التعاون، ضامنة لأمن النظام في البحرين. هذا الضمان تم التعبير عنه ماديا حيث تم تقديم 20 مليار دولار من دول الخليج للبحرين وعمان سنة 2011. كما وقعت دول الخليج على اتفاقية دفاع مشترك سنة 2012.

ان الاستقرار الذي حققته دول الخليج مكّنها من انشاء برلمانات ذات قوة محدودة بحيث لا يكون بامكانها تهديد النظام. وفي نفس الوقت أقامت علاقات جيدة مع الغرب. ان احد نتائج الاضطرابات العربية هو ان الولايات المتحدة توقفت عن مطالبة هذه الدول بانتهاج الليبرالية. حيث أن البدائل لهذه الانظمة المعتدلة هو انظمة اسلاميةاو فشل سياسي وانهيار.

ان الدعم الذي يقدمه الغرب لدول النفط الخليجية يساعد في تفسير اسباب استقرارها. يعتمد صمود او سقوط الانظمة في الشرق الاوسط على القوى الخارجية.فنظام القذافي ما كان ليسقط لولا الهجوم الجوي المكثف لحلف الناتو.،ولم يكن صالح ليقبل بالتخلي عن الحكم لولا ضغوطات السعودية وباقي دول الخليج التي تعهدت بعدم تقديمه للمحاكمة. كما ان نظام الاسد لم يكن ليصمد لولا الدعم الكبير من روسيا وايران وحزب الله. كما ان النظام في البحرين كان سيسقط لولا دعم دول مجلس التعاون الخليجي .كما  برى باحثون ان الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة على مبارك للاستقالة هو السبب الرئيس لسقوطه، حيث ان ضغوطها ادت الى التردد في التعامل مع الجماهير المحتشدة في ميادين وشوارع القاهرة. صحيح ان العوامل الداخلية هي الاساس وهي التي تقف وراء الانتفاضات وكانت القوى الداخلية هي التي تقودها وتوجهها،  ولكن بامكان قوى خارجية محدودة تغيير الواقع الداخلي. ليس هنالك شك في دور القوى الخارجية في الحفاظ على استقرار النظام المهدد في البحرين. لقد حال تدخل السعودية العسكري دون سقوط النظام  في البحرين ، ولكن ليس بوسعه منع الغليان فيها.

تستغل دول الخليج موقعها الجيواستراتيجي ومخزونها من النفط والغاز للحصول على دعم الدول  والشركات الدولية لاستمرار بقائها  لأطول فترة ممكنة، ولتشجيع التواجد العسكري للدول العظمى على اراضيها، تقوم هذه الدول ببناء قواعد عسكرية –على نفقتها- لهذه الجيوش. وهكذا نجد ان قاعدة الاسطول الخامس العامل في الخليج العربي هي في البحرين،وفي قطر توجد القيادة الاقليمية للجبهة المركزية الامريكية (CENTCOM)، كما يوجد في السعودية عدة قواعد امريكية.

تستهدف دول الخليج  من تواجد القوات الغربية الحصول على حصانة من الانتقادات الدولية ازاء خطوات القمع التي يمارسونها .ففي حين لم يتم التهاون مع تونس ومصر ،فقد حظيت الدول الخليجية بدعم غير محدود من دول الغرب.

ورغم هذا الدعم الا ان دول الخليج فقدت ثقتها الى حد ما بالغرب، وبدات “بتشتيت المخاطر”  عن طريق تحسين علاقاتها مع دول صاعدة مثل الصين.

     زيادة التوتر الطائفي والديني لقمع الثورة

ان تعزيز الرواية القائلة بان الشيعة في دول الخليج هم طابور خامس، يساعد العائلات المالكة في الخليج على الحفاظ على شرعيتها. حيث يساعدهم ذلك على توحيد الصفوف ووقف الانتقادات الداخلية.فمثلا في السعودية ينظرون الى الشيعة السعوديين كـ “سعوديين اخرين”، واثناء الازمات يستغلون التهديد الشيعي لتوحيد الاغلبية السنية حول العائلة المالكة.وهنالك من يرى في هذا سببا اساسيا لبقاء هذه الدول واستقرارها.

الاعلام السعودي المملوك من النظام، يرفع وتيرة التحريض ضد الشيعة وخاصة اثناء التوترات بين الطائفتين. ويشارك في هذه الحملات مثقفون كثيرون. فمثلا اصدر بن باز المفتي السابق تصريحات وفتاوي كثيرة ضد الشيعة اثناء توليه منصبه (1993-1999). وقد اصدر سنة 2008 فتوى يحظر بموجبها بيع العقارات للشيعة.

يدعي “مدوي الرشيد” الذي بحث المسألة الطائفية في السعودية، انه لدى اندلاع الاضطرابات العربية سعى النظام السعودي الى توسبع الهوة بين الشيعة والسنة في المملكة من اجل توحيد السنة خلفه.ويرى ان النظام يقمع الشيعة من أجل الحصول على ولاء السنة. باختصار: استغلت العائلات المالكة الخليجية وخاصة في السعودية والبحرين التوترات الطائفية وأججتها لمنع السنة من المشاركة في الاحتجاجات،وساعدتهم الصحافة في ذلك. ويرى الرشيد ان العائلات المالكة وخاصة في السعودية والبحرين ترى ان الانقسام الطائفي يشكل فرصة لاثارة مشاعر الكراهية واشعال النزاعات لاهداف سياسية.

هذه المقاربة لا تاخذ بالحسبان ان التوتر الطائفي ليس موجها فقط من اعلى الى اسفل  بالتحريض بل ايضا ياتي من الاسفل الى الاعلى اي يتم اذكاء ناره من قبل الجماهير السنة. ان التوتر الطائفي يضرب جذوره عميقا في المجتمعات و المؤسسات الدينية السنية.كما انه موجود ليس فقط في دول الخليج الملكية بل في لبنان والعراق، بل وخارج الشرق الاوسط في باكستان والهند.

ان مكانة الشيعة متدنية في السعودية بشكل خاص،بعد تبنيها للمذهب الحنبلي-الوهابي. ويرى هذا المذهب ان كل الشيعة كفار. التجديد الحديث هو الاستغلال السياسي لهذا الانقسام الديني. هذه المقاربة من شأنها ان تؤدي الى تصعيد في العنف. هذه الاستراتيجيات التي تساعد العائلة المالكة في الحفاظ على سلطتها من شأنها ان تزيد حدة الاستقطاب الاجتماعي، فمثلا اثناء المظاهرات في البحرين في2011، ادعت الحكومة ان المتظاهرين الشيعة هم طابور خامس وبهذا ابعدت السنة عنهم وعزلتهم واضعفتهم وحولت الانظار عن التمييز الاجتماعي الممنهج القائم في الدولة.

ان إذكاء نار الطائفية هو احد اسباب نجاح دول الخليج في اجتياز الربيع العربي. وتجدر الاشارة الى وجود خوف متأصل من ايران ومطامحها للهيمنة على الخليج.ويعود اصل الخلاف بين هذه الدول وايران الى خلافات جيوسياسية وايدولوجية كبيرة. ولا يمكن الفصل بين الديناميكا المناطقية وما يحدث في داخل هذه البلدان. وقد زاد دعم الاسد والمالكي والحوثيين في مخاوف الدول الخليجية من تدخل ايران في شؤونها الداخلية.

ان اندلاع اغلب الاحتجاجات  في المناطق الشيعية، زاد وتيرة صراع هذه الانظمة ضد ايران.وأحد نتائج هذا الصراع هو تبني دول الخليج لسياسة خارجية وامنية أكثر حزماً  قادت الى اخذها دورا اكبر في الاجندة الامنية والسياسية في المنطقة. في اعقاب “الربيع العربي”  زاد الشعور  لدى دول الخليج بضرورة صدّ ايران، ويبدو ان دول الخليج العربية مستعدة اليوم اكثر من اي وقت مضى للعمل بصورة جماعية وتبني وطرح بدائل للنظام العربي القائم. عموما، السعودية تفضل العمل من وراء الكواليس ويواسطة مندوبين من اجل الحد من تاثير ايران في المناطق المختلفة، وفي نفس الوقت لكي تبدو وكأن علاقاتها طبيعية مع ايران. بهذا تريد السعودية منع تحويل المواجهة المخفية الى صدام مباشر وعلني.

مع تصاعد الانتفاضات الاقليمية ، اصبح الاخوان المسلمين هم العدو الاول لدول الخليج وخاصة بعد النجاح الذي حققوه في الانتخابات المصرية وفي الكويت سنة 2012. ان العديد ممن تم اعتقالهم في الامارات من الاكاديميين كانوا من حركة الاصلاح وهي الفرع المحلي  للاخوان المسلمين والتي كانت مسيطرة على امارة راس الخيمة الفقيرة، وعندما بدأ يتضح ان الاخوان المسلمين هم  اكبر الرابحين من الربيع العربي، بدأت الانظمة الخليجبة تتعامل معهم بشدة.

ان شيطنة الخصوم (“الشيعة هم الطابور الخامس لإيران” و”الاخوان المسلمون هم ارهابيون”) مكّنت حكام الخليج من اخفاء عيوبهم وتعزيز الشعور- لدى اغلبية مواطنيهم وفي نظر المراقبين  الدوليين –بانهم الخيار العقلاني الذي يجب عدم التنازل عنه لئلا ياتي بدلا منه  خيار غير متوقع وخطير. هكذ نجحت انظمة تنتمي الى عصور سابقة للتاريخ الانساني ،من المحافظة على وجودها في مجتمعات اخذت الثقافة ورياح التقدم تجتاحها.

هنالك تقنية مفضلة لدى انظمة الخليج لاضعاف المعارضة الا وهي تقنية الاحتواء. وترتكز على ضم قوى المعارضة داخل المؤسسة الحاكمة عن طريق شرائها. وهذا الاسلوب نجح الى حد ما ولكن يتوقع ان يواجه مصاعب متزايدة نظرا لصعود حركات معارضة متشددة وغير مستعدة لبيع نفسها وكذلك نظرا لان مواردها  اخذة بالنضوب .

     تلخيص: الأنظمة الملكية مقارنة بالجمهوريات

إن نجاح الدول الخليجية الملكية مؤخراً في الصمود في وجه الثورات والاحتجاجات ، ومحافظتها على استقرار اكبر، مقارنة بالانظمة الجمهورية، يقلل من احتمال نجاح الانظمة الجمهورية في الحفاظ على انظمتها لفترات طويلة ويتجاهل خطورة الانتفاضة البحرينية والتي قمعت بالقوة وبشراسة وبمساعدة دول مجلس التعاون. هذه الانتفاضة لها دلالة رمزية ، فمصيرها هو الذي حسم مصائر باقي  الانتفاضات في الخليج.

مع اندلاع الاضطرابات الاقليمية، وقبل وصولها للخليج-عارضتها الانظمة الملكية التي رأت فيها تهديدا لمصالحها.هذه المعارضة شككت في شرعية تلك الانظمة لكونها انظمة عفى عليها الزمن.ان سياسة متوازنة قائمة على استعداد هؤلاء الملوك والامراء لفتح جزئي لانظمتهم السياسية ومن الجانب الاخر على اكتفاء الجمهور بمشاركة محدودة في الحكم يمكنها مساعدة تلك الانظمة على الصمود.

لقد واجهت جميع انظمة الخليج ثورات داخلية ،بقيت مقتصرة على شرائح ضيقة من السكان،  واستطاعت تلك الانظمة باتباع استراتيجيات مختلفة  منها ما هو موجه للداخل ومنها ما هو موجه للخارج، من تجاوزها. ولكن البنى السياسية والاقتصادية التي تقوم عليها الانظمة الاستبدادية ما زالت محل انتقاد وضغوط متزايدة. وربما لن تتمكن من الصمود امامها فيما لو قررت شرائح اكثر فاكثر من السكان تحدي النخب الحاكمة.

في هذا المقال تم  التأكيد على اهمية العائدات النفطية  التي استخدمت في ارضاء المعارضة في الداخل وشراء الدعم من الخارج، في تفسير اسباب استقرار الانظمة الملكية في الخليج.ولكن لا يكفي هذا العامل لتفسير صمودها حيث هنالك اسباب اخرى ساهمت في ذلك مثل الشرعية القائمة على الدين والعرف وعلى الدعم الخارجي. ولكن هذه  التفسيرات الاخرى تستند في النهاية على النفط وعائداته. حيث لولا النفط لما امكن الحصول على الدعم الخاجي، ولولا النفط لكان من المشكوك فيه ان يكون بوسع الشرعية العرفية وحدها منع الانقسامات داخل العائلات المالكة وبين القبائل والمؤسسات الدينية. منذ بداية الانتفاضات في العالم العربي، انفقت دول الخليج مليارات الدولارات لتامين الهدوء في دولها –ابتداء من هبات نقدية او رفع الرواتب وانتهاء باقامة مشاريع لخلق فرص عمل والحكمة وراء ذلك هو ان معظم الناس لايعضّون اليد التي تطعمهم بسخاء، ومن يقوم بذلك يتم قمعه بيد من حديد ويتم اتهامه بانه ارهابي او طابور خامس ايراني.

في الصراع على البقاء لا يوجد للنظام الملكي افضلية نابعة من مجرد كونه ملكيا –كما يبين تاريخ الانظمة الملكية العديدة في الشرق الاوسط في القرن العشرين واختفت .حتى الان نجحت المعادلة التي وضعتها العائلات المالكة: اعطاء  تسهيلات بملايين الدولارات للمواطنين مقابل عدم التدخل في الشؤون السياسية. ولكن لم تكتف العائلات المالكة بذلك فقد استخدمت استراتيجية ثنائية كردٍ على تداعيات الانتفاضة: تبني سياسات شرسة لقمع المعارضين بموازاة جهودها المستمرة “لرشوة” المواطنين من اجل إسكاتهم.

بالرغم من وجاهة التفسير المعتمد على الريع النفطي في تفسير صمود واستقرار دول الخليج الا انه الى جانب كونه ليس التفسير الوحيد ،فليس بامكانه التنبؤ باستمرار بقاء هذه الانظمة. خاصة وان هنالك انظمة نفطية سقطت مثل القذافي وانظمة ملكية غير نفطية لم تسقط مثل الاردن، المغرب.

نظرا للمخاطر التي تحدق بالانظمة الملكية –نضوب الموارد النفطية والزيادة الطبيعية العالية للسكان – فليس بالامكان مواصلة سياسات الدعم الحالية التي تؤمن للمواطنين  مخصصات سخّية “من المهد الى اللحد” . ان الغاء الدعم ، الفساد، النفقات الباذخة غير المسؤولة سيؤدى الى حدوث محاولات انقلاب في بعض هذه الامارات ان لم يكن في كلها.

الازمات التي تتنتظر دول الخليج من شأنها ان تزيد الاستقطاب الاجتماعي فيها ، وتعمق الانقسام الطائفي ، وهذاسيمكّن المعارضة من استغلاله لمصلحتها، كما يمكن للقوى الخارجية استغلال الضعف السياسي لها لزيادة تأثيرها عليها. من المشكوك فيه ان يتعامل الحكام الخليجيون مع التغيرات العتيدة عن طريق اجراء اصلاحات تعطي الشعوب دورا أكبر. بشكل عام يميل الحكام الى عدم التنازل بمحض ارادتهم عن القوة والتأثير، ويبدو انه منذ  بداية الاضطرابات في العالم العربي، تبنى الحكام العرب سياسة معاكسة قائمة على القمع لمنع اي تغيير في مراكزهم. .حيث تم تشريع قوانين صارمة ضد المتظاهرين الناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي تعاقبهم بالسجن. وشددت الاجراءات ضد الحريات. بالمقابل كانت محاولات اشراك الجماهير في القرار السياسي محدودة جدا.

هنالك راي سائد في الخليج بان الديمقراطية هي رديف للضعف الاقتصادي، ويستدلون على ذلك بمقارنة اقتصاد الكويت ذات البرلمان باقتصاد دبي المزدهر التي ليس فيها برلمان. كما ان هنالك  العديد ممن يعتقدون ان الديمقراطية ليست قيمة ايجابية بل هي نتيجة لتدخل جهات خارجية “كولونيالية” يهمها فرض قيم غربية غير مناسبة على الثقافة والاعراف التي تبلورت في الممالك العربية.

نتيجة للتغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط منذ اندلاع الاضطرابات، خلق واقع هشّ غير مستقر، وضع تحديات معقدة امام الباحثين ومخططي السياسات. من الصعب توقع الى اين ستفضي هذه الاضطرابات ولكن من الواضح حتى الان انها غيّرت في السلوك والثقل السياسي لدول الخليج. فقد اخذت تلعب دورا مركزيا- في غياب اللاعبين المركزيين – في اعادة تشكيل المنطقة.كما اخذت دورا قياديا في مواجهة عدد من التحديات السياسية والاقتصادية الاقليمية التي خلقت في اعقاب الربيع العربي.

حتى الان ليس هنالك دلائل لنهوض المراكز العربية التقليدية العراق وسوريا التي تستمر فيها الحرب الاهلية ولا في مصر التي ما زالت واقفة على ارجلها بفضل المساعدات من دول الخليج. كما لا ترى نهاية للحرب الدائرة في دول اقل مركزية (اليمن وليبيا). من الطبيعي ان ترتفع اهمية دول الخليج لكونها –حتى الان على الاقل- تشكل جزبرة هدوء وسط بحر من الفوضى. وما ينتهي له هذا المقال هو ان الانظمة الجمهورية المركزية  في العالم العربي انهارت في حين صمدت الانظمة الملكية.

من الخطأ الاعتقاد ان حصانة الدول الخليجية ستوفر لها استقرارا طويل الامد، حيث ان هذه الدول تواجه جيلا من الشباب المثقف الطموح الذي يتطلع لاخذ دور اكبر في الحياة السياسية والاقتصادية. ومن اجل الحفاظ على استقرارها على هذه الدول تلبية مطامح هؤلاء الشباب، بضمهم الى الاجهزة المؤثرة في الدولة. وهذا ليس بالامر السهل في ضوء الازمة الاقتصادية التي يمر بها الخليج بسبب انخفاض اسعار النفط، وقرب انتهاء الدور التاريخي الذي لعبه البترول حتى لو تحسنت اسعاره.

علينا ان نتذكر ان الملكية ليست الشكل المحبب لدى الشعوب العربية وخاصة في فترة مليئة بالتغييرات الراديكالية ،فلو فقدت السعودية ثروتها النفطية ورفع عن الامارات الدعم الغربي وسُحبت من عمان الهبات التي تتلقاها من جاراتها وتم فصل البحرين عن السعودية عندها تزيد امكانية سقوط هذه الانظمة.

ان افضل التفسيرات لصمود هذه الانظمة هو النموذج الريعي او دولة المخصصات، فقد نجحت الدول العربية النفطية في الصمود-باستثناء العراق وليبيا-.ولكن لماذا لم ينجح هذا النموذج في البحرين؟ السبب هو انها  دولة فقيرة بالنفط، حيث اوشك احتياطها النفطي على النفاذ وتعتمد على دعم السعودية لها، التي تقدم دعمها السخي –المادي والعسكري- خوفا من انتقال تاثير سقوط النظام في البحرين لحدودها.

ان المشككين في النموذج الريعي يشيرون الى ليبيا، ولكن هذا النموذج يقتضي من الحكام توظيف البترودولارات بحكمة في ترضية قطاعات مرشحة للتمرد.

واخيرا تجدر الاشارة الى ان من أسقط القذافي ليس المتمردون بل الناتو.

ان استقرار الانظمة الملكية في الخليج يعود ايضا لفشل الانتفاضات في غالبية الانظمة الجمهورية، حيث ان مواطني الدول الخليجية يرون امامهم ما يجري في العراق وسوريا، وقد ادركوا انه سرعان ما تسيطر قوى متطرفة اكثر تنظيما على الثورات الشعبية والنتيجة هي انظمة اكثر قمعية. ولو خيِّروا بين العيش تحت انظمة ملكية او جمهورية لاختاروا الانظمة الملكية، وهم يدركون ثمن ذلك وهو ديمقراطية اقل، ولكن لو قامت ديمقراطيات عربية مزدهرة ،فان ذلك سيكون ليس في صالح الملوك، ولكن هذا الخيار لا يلوح في الافق.

ما زال هنالك من يعتقد ان الانظمة الملكية تتساوق مع القيم القبلية للثقافة العربية وهذا يعطيها شرعيتها، ولكن لم تؤمّن مثل هذه الشرعية بقاء الانظمة الملكية في ايٍ من البلدان العربية :مصر، العراق، اليمن وليبيا.ولمعرفة حكام الخليج لهذه الحقيقة، فانهم الى جانب شراء المواطنين، ينهجون سياسة قمع شديدة.

سيكون على العائلات المالكة في الخليج المناورة ما بين إجراء اصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة وبين المحافظة على النظام السياسي القائم، لقد نجحت بعض القوى المعارضة في ان تشكل تحديا لأنظمتها ولكنها لم تنجح في تحقيق اهدافها لان النظام استطاع تصويرها كعدو للشعب. من المتوقع إزدياد قوة وتأثير القوى المعارضة الديمقراطية مع انخفاض العائدات النفطية . صحيح انه يوجد افضلية للملوك على الرؤساء بفضل الشكل التقليدي الديني ولكن ذلك ليس بوسعه ان يؤمن لهم تاييدا ويضمن  استقرار انظمتهم.

     بالنسبة لإسرائيل:

يوجد مصلحة كبيرة لإسرائيل في استقرار الانظمة في الخليج، من اجل ان تشكل معادلا لإيران. ولخوفها من ايران، يوجد لدول الخليج مصلحة بإقامة علاقات مع اسرائيل. لهذا هنالك اتصالات لإسرائيل مع هذه الدول بالرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية معها.

كلا الطرفين يستفيد من سرية هذه العلاقات لأنه بهذا لا يضطر لدفع ثمنها السياسي، فدول الخليج تخاف من ان تثير علنيتها غضب الجمهور والمؤسسة الدينية، كما ان اسرائيل لا تضطر لتقديم تنازلات سياسية مقابلها. هذه العلاقات ستستمر في التطور بصورة غير علنية طالما ان الخطر المشترك موجود: الخوف من ايران ومن ابتعاد الولايات المتحدة من الانشغال بشؤون المنطقة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى