تقارير

“الأحمدان”.. جناحا البطولة للشهيد القائد نصر جرار

لم يكن أحد يتخيل أن يكون هذا الوديع المبتسم ذو المحيا الجميل، والعينين الزرقاوين “العقل المدبر لكتائب الشهيد عز الدين القسام، وأسدها في شمال الضفة الغربية المحتلة”.

بعد أن فقد يده اليمنى وساقيه في مقارعة الاحتلال، وأصبح قعيد الجسد -لا الهمة- قالت له زوجته: “ألا يكفيك كل ما قمت به؟ فأجابها بابتسامة عشاق الشهادة: “إن الله أكرمني فأخذ مني القليل وأبقى لي الكثير”، و”إن الجهاد فرضٌ عليّ حتى الشهادة “.. حتى نالها مقبلاً غير مدبر، إنه الشهيد القسامي القائد نصر جرار.

طفولة “عسكرية”
في طفولته، تقول شقيقته: “كان أخي جريئًا نشيطًا لا يخاف أحدًا إلا الله، يهوى “اللعب العسكري”؛ فكان دائمًا يصنع مجسمات طينية للدبابات ويلاعب بها إخوته، كما كان يمارس لعبة رفع الأثقال على الرغم من صغره”.

بينما يلهو الأصدقاء في سنّه الصغيرة بملذات الحياة، كان لنصر وصديقه سامي حنيف اتجاه آخر؛ لم يطل تفكيرهما طويلاً، وسرعان ما تحولت أفكارهما إلى واقع ملموس؛ ففي ليلة من ليالي عام 1977، وبعد التخطيط المحكم، والإعداد الجيد، قررا مهاجمة أحد باصات الاحتلال التي تمر من جانب بلدة برقين.

وروت أم صهيب، زوجة الشهيد نصر، في حديث سابق تفاصيل العملية كما حدثها زوجها عنها.

العملية الأولى
قالت: “استيقظا كالمعتاد على صلاة الفجر، وصليا في المسجد، وانطلقا نحو الهدف المنشود، وانتظرا مرور الباص المقرر مهاجمته، وفعلاً، وحسب التخطيط مر الباص الصهيوني فبادراه بوابل من قنابل “المولوتوف”، (وهي عبارة عن زجاجة مليئة بالبارود الحارق، وقد اشتهرت في انتفاضة الحجارة في 1987).

“بعد الهجوم المباغت، لحق جنود الاحتلال بنصر وسامي بعد أن اكتشفوا مكانهما، وأمطروهما بالنيران، ليرتقي سامي حنيف شهيدا إلى العلا، وينجو نصر بمعجزة ربانية، لكن لم يهن على نصر أن يترك رفيق دربه للمحتلين، على الرغم من كثافة النيران”.

“وفور سقوط سامي أرضا حمله نصر مسرعا وأبعده عن مرأى جنود الاحتلال، وبعد تأكده من استشهاده ودعه ثم واراه عن الأنظار لكي لا يأخذ الاحتلال جثته، ثم عاد فورًا إلى منزله ونام بفراشه بهدوء تام دون أن يعلم أحد بما حصل”.

في هذه اللحظة تتنهد أخته الكبرى، وتقول: “ولكن.. ما نامت أعين الجبناء في تلك الليلة؛ ففي اليوم التالي للعملية حاصرت قوات كبيرة من جيش الاحتلال منزلنا واعتقلوه، على الرغم من أنهم تفاجؤوا كثيرًا عندما رأوه؛ حيث كان عمره 19 عامًا”.

مدوّخ الاحتلال
في عام 1992 شهدت مدينة حيفا عملية استشهادية قتل فيها جنديان إسرائيليان، وأسر آخر، ومباشرة توجه الاحتلال إلى منزل نصر ليعتقلوه، ويخضعوه لجولة تحقيق جديدة.

وبعد أيام من التحقيق القاسي، تكشف للمحققين الصهاينة بعضًا من غموض هذا الرجل، وبعدما استيأسوا منه، ما كان منهم إلا أن أبعدوه في نفس العام برفقة 415 من قيادات حركة حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور في جنوب لبنان.

وبعد عودته من مرج الزهور، لم يكد يلبث نصر بين أهله شهورًا، حتى اتهمه الاحتلال بالوقوف وراء العملية التي نفذها الاستشهادي القسامي رائد زكارنة في مدينة الخضيرة عام 1994، ردًّا على مجزرة الحرم الإبراهيمي.

اعتقلت قوات الاحتلال نصر فورا بعد العملية؛ حيث تعرض لأقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ومكث في زنازين التحقيق العسكري أكثر من 98 يومًا، دون الاعتراف بكلمة واحدة.

وبعد هذه الفترة الطويلة من التحقيق التي مرت دون جدوى، يئست المخابرات الصهيونية منه، لأنه وباعتراف مخابرات العدو، كان متوازنا وهادئًا في أقسى مراحل التحقيق.

تتحدث زوجته عن تلك المرحلة، فتقول: “بعدما استخدموا صنوف العذاب الجسدي والنفسي بحقه، جاءه أحد الضباط موبخًا ومعنفًا: “ألا تريد أن تعترف وتنهي القضية؟”، فنظر إليه بهدوء.. وابتسم ثم رد عليه: (وأنت.. ألا تريد أن تسلم؟!)”.

لم يثبت على جرار أي شيء من التهم التي وجهها الاحتلال له، لكن الاحتلال كان عنده قناعة خاصة بأن نصر يقف وراء العملية، فاستمر بتجديد الاعتقال الإداري له دون أي مبرر قانوني أو دليل على لائحة اتهامه، ليستمر اعتقاله حتى (6-1-1998)؛ حيث كان في تلك الفترة من أقدم المعتقلين إداريًّا.

انتفاضة الأقصى وبطولات الشيخ
تتحدث أم صهيب عن بداية مطاردة زوجها في بداية انتفاضة الأقصى، فتقول: “في بداية الانتفاضة وتحديدًا في مطلع عام 2000، حاصرت قوات الاحتلال منزلنا بشكل مفاجئ ليلاً؛ حيث أحكم حصار المنزل بمئات من جنود الاحتلال الذين توغلوا مشاة لكي لا يلفتوا انتباه أحد إليهم”.

وتضيف زوجته: “لم يبدِ نصر أي نوع من الارتباك، وقال لي إنه سيغادر المنزل، حاولت أن أمنعه خوفا على حياته، لكنه أقنعني بهدوء وابتسامة بضرورة مغادرته للبيت، وخلال دقائق كان قد توارى عن الأنظار وخرج من المنزل”.

“بعد ذلك سمعنا إطلاق نار كثيف، ودارت اشتباكات مسلحة عنيفة في المنطقة.. لم نعرف ما الذي يجري بالضبط؛ حيث اقتحم الجنود المنزل وفتشوه بدقة متناهيه استمرت ساعات.. ولكن من شدة الاشتباكات انسحبت قوات الاحتلال من المنطقة”.

وبعد انتهاء التوغل الصهيوني، عاد نصر للمنزل وقد عرف سر الاقتحام المفاجئ لمنزله، الذي كان القصد منه اغتياله، حيث كشفت كتائب القسام حينها عن مؤامرة من جهاز الأمن الوقائي، الذي اعتقل شابا من القسام اعترف لديه تحت شدة التعذيب، أنه مبعوث من القائد القسامي في نابلس الشهيد محمود المدني ليأخذ سيارة مفخخة من الشيخ نصر جرار.

وفي اليوم التالي من هذه الاعترافات نصبت القوات الخاصة الصهيونية كمينًا لمحمود المدني، فأطلقت عليه وابلاً من الرصاص بعد تعقب خروجه من صلاة ظهر يوم الاثنين (19-2-2000)، ليرتقي إلى العلا شهيدًا، بعد ساعات من إصابته التي كانت حرجة جدًّا، وتنكشف هوية القائد القسامي نصر جرار، ليصبح من كبار المطلوبين للاحتلال في الضفة الغربية، وعلى الرغم من ذلك، فقد تمت العملية التي خطط لها مع الشهيد المدني بنجاح، كما أكدت كتائب القسام.

وبعد انكشاف هويته للعلن، أصبح “أبو صهيب” يدرب مجموعات من الشباب المقاومين من مختلف الفصائل الفلسطينية على إعداد العبوات الناسفة وزرعها.

سبقه بعضه إلى الجنة
وبعد ثلاثة أشهر من المطاردة، وفي إحدى عمليات زرع العبوات الناسفة على الطريق الالتفافي بالقرب من قباطية شمال مدينة جنين، كانت سرعة الأداء عالية، بسبب تواجد الجيش الصهيوني في المنطقة.

تقول زوجته: “عندما حاول نصر تفجير العبوة عن بعد لم تنفجر، فاقترب منها ليصلح الخلل، فشاء قدرُ الله أن تنفجر العبوة، لتقذف به عشرات الأمتار بين أشجار الزيتون، عندها ظن أفراد المجموعة بأن الشيخ قد فارق الحياة فأخذوا بالبحث السريع عنه، لكنه أصيب إصابات حرجة بترت على إثرها ساقاه ويده اليمنى”.

بقي الشيخ نصر، كما يحب إخوانه تسميته، العقل المدبر للمقاومة الفلسطينية ولكتائب القسام، ووصفه الاحتلال حينها بخليفة المهندس القسامي يحيى عياش، والقائد محمود أبو هنود.

العقل المدبر
وفي معركة مخيم جنين بشهر نيسان (أبريل) 2002، نقله المقاومون إلى مكان آمن ليوجههم ويخطط لهم في المعركة، ويهندس عبواتهم الناسفة إلى أن قصفت طائرات الاحتلال المكان الذي يتواجد فيه.

وهنا كانت معجزة إلهية أخرى أنقذته من الموت الحتمي، حيث لم يسقط سقف المنزل عليه مباشرة، وإنما سقط بشكل مثلث، وعندما تفقد الناس مكان القصف في اليوم التالي وجدوه ولم يظهر سوى رأسه وقد أغمي عليه وبتر الجزء المتبقي من ساقه.

نجا الشيخ نصر جرار في معركة مخيم جنين، وانتقل مع مجموعة من كتائب القسام إلى مكان آخر في مدينة طوباس، ليكمل مشواره الجهادي في التدريب والإعداد.

حتى الرمق الأخير
وفي يوم الأربعاء (14-8-2002) طوقت قوات كبيرة من جيش الاحتلال بالدبابات والمدرعات المنزل الذي يتحصن فيه نصر مع مجوعة من كتائب القسام، وعندها لم تطل المفاوضات طويلاً بينه وبين مجموعته التي كان تصر على حمايته، إلا أنه بصلابة القائد وإقدامه وتضحيته وعشقه للشهادة أصرّ على تغطية انسحاب إخوانه من المكان.

حاولوا معه مرارًا وتكرارًا، لكنه أبى إلا الشهادة، فطلب منهم أن يضعوه على كنبة تشرف على مدخل المنزل، فاحتضن سلاحه، ورفض نداءات الاستسلام الموجهة من جنود الاحتلال، وبدأ بمقارعة أعدائه فبادرهم بإطلاق النار لتغطية انسحاب إخوانه المجاهدين.

عندها نجحت خطته بخداع جنود الاحتلال عندما اعتقدوا أن من بداخل المنزل قرر المواجه، فبدأوا بإطلاق النار والقذائف تجاه المنزل، في حين استطاع مرافقو نصر الانسحاب بسلام، وهكذا حمى القائد مرافقيه في مشهد يندر حدوثه في التاريخ.

وفي هذه الأثناء استدعت القوات الصهيونية المهاجمة طائرة لقصف المنزل، وفعلاً ما هي إلا لحظات حتى دمرت الطائرة جزءًا كبيرًا من المنزل، قبل أن يتعرض للهدم الكامل بالجرافات الصهيونية، لترتقي بذلك روح الشيخ نصر جرار إلى العلا شهيدًا -بإذن الله- تحت الأنقاض، وقد انفصل رأسه عن جسده الطاهر.

انتصر نصر؛ لأنهم آثروا هدم البيت على المواجهة، ولأنه نال الشهادة برأس شامخ منفصل عن جسدٍ أخذه الردم، أما يده فبقيت تحتضن البندقية، وكأن حرارة الرصاص، وشدة قبضته عليها تريد الإطلاق لولا تناثر أشلائه بين الركام.

وهكذا يكون أحمد إسماعيل، وأحمد نصر، رضعا حليب الطفولة من الشهيد القائد الشيخ نصر جرار، رحمه الله تعالى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى