الأخبارمقالات وآراء

اسقاط أوسلو بين الواقعية والأمنيات

محمد بهلول _ خاص طريق القدس

هل تعني المشاركة اللافتة للرئاسة الفلسطينية في جنازة شيمون بيريز شيئاً أكثر من الدلالة الرمزية على الاصرار الفلسطيني ” الرسمي” على خيار اوسلو السياسي بكل متطلباته , في الوقت الذي شكلت فيه جنازة الرجل ودفنه تحت التراب , دفنا تاما ونهائيا لاتفاق اوسلو على الضفة الاسرائيلية.
أتى السقوط غير المتوقع في كافة الاوساط الاسرائيلية والاقليمية والدولية ل. شيمون بيريز والفوز الصعب ل نتنياهو في انتخابات الكنيست (1996) , البداية الفعلية لنهاية الحياة السياسية للرجل كواحد من أكبر رجال الدولة العبرية والاعلان الرسمي لدخول اوسلو “اسرائيليا” في مرحلة الموت البطيئ.
بموت الرجل قبل أيام ومن قبله مقتل اسحق رابين (4 نوفمبر 1994) وعلى رغم الاختلاف الزمني, الا انهما حدثان شكلا النهاية الحاسمة لاتفاق اوسلو على الجانب الاسرائيلي وفك ارتباط طبيعي مع اي متتبعات او التزامات ناتجه عنه .
الصيغة المبهمة التي اعتمدتها اسرائيل منذ أن تبوأ نتنياهو السلطة للمرة الاولى (1996) حتى اليوم هي صيغة ” المفاوضات المستدامة” وهي النسخة الاسرائيلية لشيوع مفاهيم دولية مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي ك” الحوار المستدام” و ” التنمية المستدامة ” والتي هي الاطار الفكري والاحتواء العقائدي لنظرية الانتصار المزعوم للرأسمالية والهيمنة السياسية الاميركية على المستوى العالمي, واستطراداً تكريس الهيمنة الصيهونية الاسرائيلية في الصراع العربي الفلسطيني- الاسرائيلي.
ان المفاوضات المستدامة هي الاطار المبتكر لتأبيد السيطرة الصهيونية , وتجميل الخضوع الفلسطيني- العربي وتبرير للانظمة العربية السائدة و القيادة الرسمية الفلسطينية و تخدير للشعوب… ضمنا الفلسطيني .
ان الاداء السياسي- العملاني لكل حكومات اسرائيل سواء من اليمين او الوسط منذ العام 1996 حتى اليوم أكدت هذه الحقيقة , و الوقائع المادية سواء من خلال الزيادة ما فوق الطبيعية للاستيطان و التهويد, بناء الجدار وغيرها , حسمت التحلل التدريجي وصولاً الى الحسم والقطع مع اتفاق اوسلو, ومن المفيد هنا الاشارة الى ان هذه السياسة القائمة على انتاج ديمقراطي للحكومات تعبر باوضح صورة عن المزاج الشعبي الاسرائيلي والاتجاهات والميل في اوساطه نحو اليمين والتطرف بشأن الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي.
على عكس اسرائيل تماماً , حرصت القيادة الفلسطينية الرسمية ومنذ الايام الاولى على اتفاق اوسلو على التقيد الحرفي بالالتزامات بل و المزايدة في تطبيقها رغم المعارضة الشعبية الفلسطينية , والمتتبع عن كثب تتوضح امامه عشرات الامثلة عن استسهال التجاذب الداخلي وصولاً الى الانقسام الفلسطيني السياسي الفصائلي والشعبي- الجغرافي لصالح حرفية الالتزام دون مبرر في كثير من الاحيان بمتطلبات اوسلو والخضوع السريع للشروط والاملاءات الاسرائيلية والدولية للحفاظ على عملية السلام ” دون نتائج” وهو ما تؤكدالاوساط الفلسطينية الرسمية – اعلاميا وعلنا- مما يشكل اعترافاً فلسطينياً صريحاً بالخضوع لاليات فكرة ” المفاوضات المستدامة”.
ان التحلل لدرجة القطع مع اتفاق اوسلو اسرائيليا والالتزام الصارم لدرجة التأليه فلسطينيا هو التناقض الحقيقي حالياً على مجرى الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي والذي يضعه في مرحلة ” اللاسلام- اللاصراع” اي الجمود الذي يتيح للاسرائيليين التسلل من خلاله الى سلة متكاملة من الربح الصافي في سائر المجالات , التجميد شبه الكامل لنظرية الشعب المقاوم , مقابل الفضاء المفتوح لعمليات التهويد والاستيطان , كسر العزلة الدولية الرسمية والشعبية والتحلل من اي التزامات دولية, قانونية وانسانية, الانفتاح على العالم الاسلامي من خلال اتفاقات اقتصادية وأمنية , و الانخراط المتدرج التراكمي في عمليات التطبيع مع العالم العربي الرسمي والنفاذ الى النخب الاقتصادية والاعلامية وصولاً الى تطبيع جزئي او كامل مع هذه الدولة او تلك.
الم تشكل المشاركة الفلسطينية اللافتة في جنازة شيمون بيريز في أحد أوجهها الهامة تغطية جدية للوقائع والتسريبات التطبيعية ما بين عدد من الدول العربية والكيان الصهيوني, وهذه المشاركة عمقت حدة الانقسام السياسي الفصائلي والشعبي- الجغرافي بما يهدد فكرة ونظرية الاولويات في الساحة الفلسطينية, وألم يشكل التراجع الفلسطيني الرسمي عن السير الجاد في ملف الجنائية الدولية احباطاً لكل الجهود الشعبية العالمية المتضامنة مع الفلسطينيين و يكسر حالة العزلة التي كانت في تصاعد تراكمي مستمر وواضح تجاه اسرائيل ورموزها السياسية والعسكرية والامنية .
السؤال الاساسي الذي يطرح لماذا هذا الاصرار الفلسطيني الرسمي على اتفاق اوسلو ؟؟ رغم الايمان الراسخ لدى القيادة الفلسطينية ذاتها ( كما تعلن) بعدم جدوى المفاوضات وضحالة ام لم نقل انتفاء النتائج المتوقعة
لقد ادى الحرص الفلسطيني الزائد نتيجة الضغوط الاقليمية والدولية للتقيد بمتطلبات وشروط اوسلو الى نشوء قاعدة مادية متماسكة وموحدة المصالح تضغط باتجاه التسليم بالامر الواقع و المراوحة وعدم القدرة على التراجع , تتمثل ومن خلال تحليل الارقام الرسمية , الى اعتماد شبه كلي لما يزيد عن نصف سكان الضفة الغربية المحتلة على الاموال الاجنبية والتي باتت تشكل اليوم مع التحكم الاسرائيلي باموال الضرائب السد الواقي لعدم انهيار اتفاق اوسلو , رغم توافر غالبية الشروط الاخرى لاسقاطه.
هذه القاعدة المادية ولا سيما شرائحها العليا المتمثلة بتحالف النفوذ السياسي ورجال الاعمال انتجت على مدار السنوات الثلاث والعشرين و بتوجيه وتدخل دولي ومن خلال مؤسسات ونخب اعلامية , ثقافة وايدولوجية ” الممكن” و عممتها على شرائح اجتماعية تتزايد باستمرار,
القوى السياسية المعارضة ل ” اوسلو” لم تنجح في تقديم نموذج برنامجي واداء مقنع مما حولها الى ابواق اعلامية توضيحية ناقدة وعاجزة عن التحول الى مركز استقطابي بسبب افتقادها للمبادرة بممارسة اليات ضغط شعبية واقتصار دورها على النقد الاعلامي والخطاب التبريري.
الوقائع على الارض انتجت تناقضاً جديداً قد يتخذ اشكال حادة في التعبير ما بين التطلعات الوطنية والمصالح الاجتماعية الديمقراطية اليومية في الاوساط السياسية والشعبية , هو تناقض ما بين انغلاق الافق للخيار السياسي السائد وعدم المقدرة الواقعية لتغييره و هو ما ادى الى نسف الاساس المادي للوحدة الوطنية الفلسطينية بشكليها , السياسي الفصائلي و الشعبي – المجتمعي والجغرافي , كتعبير لالتقاء القواسم المشتركة للمصالح والقدرات والامكانيات للطبقات الاجتماعية المختلفة , والجغرافيات الفلسطينية ” او التي يتواجد عليها الفلسطينيون ” المتناقضة المصالح والمختلفة الاولويات اساسا , واقتصار اسس الالتقاء على الجوانب العاطفية والوجدانية. وهذا ما يبرر حدة الانقسام السياسي – الفصائلي وفشل كل محاولات التسوية واتفاقات الوحدة المتعاقبة رغم الانتفاء للعديد من المبرات التي كانت تطرح كأساس للعرقلة ومنها المصالح الاقليمية ( ايران مثلاً) , وهذا لا يعني ان النفوذ الاقليمي لا يشكل عاملا مهماً وفي بعض الاحيان حاسماً, الا ان الوقائع الداخلية التي سبق الاشارة لبعضها تبقى العامل الرئيسي و ما الاقليمي .,- الا مؤثراً اضافياً – سلباً او ايجاباً.
ان الرهان على صمود اي تسوية لتحقيق الوحدة هو رهان خاسر مسبقاً و ما عملية استعادة الوحدة المجتمعية – السياسية الفلسطينية ( ضمنا اسقاط اوسلو) – الا عمليةً تراكمية طويلة تبدأ بتوفر القدرة المؤثرة على نسف الاساس الاقتصادي الحالي للمجتمع الفلسطيني واعادة صياغته على اسس اخرى , اي انتقاله من مجتمع استهلاكي بدائي تابع, الى مجتمع استهلاكي – انتاجي ذو استقلالية ولو محدودة.
ان اوسلو والوقائع التي انتجها على مدار السنوات الطويلة , قد نسفت ايضا الاساس المادي لوحدة الجغرافيات الفلسطينية المختلفة والمتناقضة المصالح والمتنوعة الاهداف , بحيث باتت اوساط مؤثرة في الرأي العام في الضفة الغربية على سبيل المثال تجاهر بان قضية اللاجئين هي العقبة امام قيام دولة فلسطينية , وهناك شعور عام وعارم في اوساط اللاجئين و تحديداً خارج الوطن ,ان اقامة دولة فلسطينية هو على حساب مصالحهم و تطلعتهم الوطنية ” العودة” ناهيك عن وضع الفلسطينيين في الاراضي المحتلة عام 1948, حيث ان اساس التسوية المتخيلة القائم على الاعتراف المسبق بيهودية الدولة ينسف اساس طموحاتهم ومصالحهم في المساواة الفردية و القومية .
ان المعضلة المستعصية الان , ان اسقاط اتفاق اوسلو لم يعد مقتصراً على توفر الارادة السياسية ” الفصائلية” حصراً , والاستمرار فيه يتطلب ايجاد حل ما لقضية اللاجئين خارج اطار المشروع الوطني.
واقعياً, اسقاط اتفاق اوسلو يعود بنا الى الوراء ما يزيد عن 50 عاماً عندما انطلقت الثورة الفلسطينية من الخارج , واليوم نعود الى الدعوة الى اعادة التموضع الفلسطيني خارج الوطن ليكون قوة الدفع المؤثرة الحقيقية ….
ليستمر اوسلو بحاجة الى تصفية قضية اللاجئين , وليسقط اوسلو بحاجة الى ثورة يطلقها اللاجئون .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى