مقالات وآراء

اختبار الأقصى وعسكرة الفتوى

محمد جرادات

بين القعود في دثار الخوالف متلحفاً رداء السلامة، والقيام في ثغور الرباط متزنراً درع الجهاد، مسافة صفر في غزة

وجنين والقدس. ليست أحجية مسيرة الأعلام العبرية وتريّث المقاومة عن الرد تفصيلاً ولا شاهداً لنعت غزة بالقعود، ولا

جنين بالقيام، ولا القدس تحلق فوق أجنحة الصهيل. إنها فلسطين الولّادة. وقد أنجبت من بطن الأقصى والقيامة مع

غفران وشيرين، ومع وليد الشريف، ضياءً ورعداً وفجر الشجاعية نفقاً للحرية يهزم المستحيل.

نفَّذ المحتل العبري مخططه المعلن في مسيرة الأعلام، واختار أهل المقاومة في غزة خيار التريّث، بعد صبيحة سوداء

باقتحام مئات من شُذاذ الآفاق لرمز مقدسات المسلمين، رفعوا الأعلام في ساحات الأقصى، وتمرغوا في ترابه الطهور،

وأشبعوا شهوة حقدهم الدفين، وخلَفوا في قلوب العرب والمسلمين حسرة لن تزول.

ليس لأحد أن يقرر عن قيادة المقاومة، فهي صاحبة الأمر والنهي في كتائبها وسراياها المظفرة، وهي وحدها من

يعلم خريطة الميدان العسكري، ولكن لأنَّ الوطن صغير والهمّ كبير، وكل الشعب تحت النهش العبري، فهل يصح

تجاهل مشاعر الشعب وعواطفه وتقديرات أهل الدراية فيه ورأيهم النابع من شعور بالمسؤولية، وهو شعب دخل من

أبنائه سجون المحتل أكثر من مليون، وسجونه قلاع للوعي، وفي كلّ بيت شهيد أو أسير أو جريح أو محروم من العمل

أو السفر، والمسافة بين بيت القائد محمد ضيف وبيوت الجيران ارتفاع جدار تسقطه نيران القصف الوحشي، كيوم قضى

عليّ رضيع الضيف وزوجته واثنين من جيرانه قبل عقد مضى من الزمن!؟

وضع الشعب ثقته بالمقاومة؛ ثقة تنبع بالأساس من تعويله على تميز إمكاناتها وشجاعتها، ولكن لأنه شعب تتميز

معظم أطيافه بالمتابعة السياسية، حتى العوام فيه، فكيف بمثقفيه وباحثيه وأهل التجربة والخبرة والدراية، وهم سواء

تحت سوط الجلّاد؟! فقد علت أصوات واسعة منه، وانتقدت أو أعطت ملاحظة هنا أو هناك بخصوص ما وقع.

البعض انتقد من موقع الحرص والمحبة، على أرضية وحدة المقاومة وفكرها الأصيل، والبعض شطح بتأثير من الانقسامات

السياسية بين فتح وحماس. وفي كلّ الأحوال، صدرت انتقادات كثيرة، وغالبها تناول رفع بعض قادة المقاومة سقف

التوقعات، أو احتمال تعاطيها مع اتصالات وضغوط منظومة التطبيع في القاهرة وأنقرة والدوحة، وهو ما تصدى له خبراء

متخصصون، كوليد عبد الحيّ وهاني المصري وأليف صباغ وغيرهم.

لا يفتي أهل الدثور لأهل الثغور فتوى صاغها أديب لغويّ. وقد تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي، وحلقات الوعظ والإرشاد،

خلال الأسبوع المنصرم، وما زالت، واستندت إلى فتوى ابن تيمية: “لا يفتي قاعد لمجاهد”. وقد أرجعها إلى سلف القرون

الأولى، ابن المبارك وابن حنبل، من دون سند يمكن الاعتداد به، كعادة ابن تيمية في السيطرة على عقل قارئه أو الاستهانة

به.

ولعل أصل هذه الفتوى يتصل بالأثر المنسوب إلى التابعي سفيان بن عيينة: “إذا اختلف الناس في شيء، فالأمر ما عليه

أهل الثغور”، وهو أثر في فضل الرباط على الثغور وما هم عليه من تقوى، نظراً إلى حسهم المرهف وعقلهم المتوقد في

موطن ثغرهم، وهو عمق نظر من ابن عيينة، يتناول ثغور الإسلام في وجه الوثنية الجاهلية؛ ثغور تغيّرت في عصر ابن

تيمية وعقله. وقد أضحت صراعاً وتفسخاً داخل المجتمع الإسلامي ذاته، ليس من بينها مواجهة الصليبي، وكان وقتها

يحتل ساحل فلسطين، وهو الساحل الذي وردت بشأن الرباط فيه نصوص نبوية، مثل “وإن أفضل رباطكم عسقلان”.

يتجاهل كلّ من روّج لهذه الفتوى، وليس منهم قائد ثغر ولا عالم فقه، ولكنه جمهور مسكون بعاطفة صادقة، وإن عبر

منظومة عقل جمعيّ مخدوش الوعي ومشوش الذهن، قد تلتمس له العذر، وتتفهم خلفياته في ضوء الظرف العام للقضية

وما يحيط بها من تجاذبات، يتجاهل هؤلاء أمرين جوهريّين في ترويجه لهذه الفتوى.

أوّل هذين الأمرين، أن هذه فتوى تنقضها الأصول والوقائع، فالقرآن، وهو يحرّض على الجهاد في سورة التوبة، ختمها بالقول:

{وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ

يَحْذَرُونَ}، فقد أمر ببقاء طائفة من المؤمنين لتفقه الدين وتفقيهه للنافرين المجاهدين منهم. وواقعياً، لم يكن ابن حنبل مثلاً،

وهو الذي نسب ابن تيمية إليه الفتوى، من النافرين للجهاد طوال حياته، وكان يفتي في القيام والقعود.

وثانيهما: أن النصوص النبوية والتراثية دلّت أن مجرد الإقامة في فلسطين هو نوع من الرباط، فكما أن بطل كتيبة جنين

الشهيد عبد الله الحصري قائد الثغور، كذلك الشهيدة طالبة الثانوية حنان خضور. وقد أصابها الرصاص في جنين وهي في

مهمة تعليمية، وقبلها ربة المنزل الشهيدة داليا السمودي، فحنان كانت ترابط في فقوعة على ثغر يواجه الجدار العبري

العنصري، وهو يزحف لابتلاع الأرض برمتها، وداليا كانت ترابط على مسافة متر من المخيم، فأيقظها الرصاص على بكاء

طفلها، وقد حملت قنينة حليب لتسكته فباغتها الرصاص، كما باغت شيرين أبو عقلة على مسافة مئات من الأمتار، وهي

في مهمة صحافية، ومثلهنّ 60 طفلاً، والمئات من الناس العاديين ممن استشهدوا بالقصف خلال معركة “سيف القدس”.

عسكرة الفتوى في الحقل الإسلامي توازي عسكرة الحكم في الميدان السياسي، فكيف لأمة أن تنهض وقد امتلك

تلابيب أمرها عسكريّ في السياسة والإدارة والفتوى؟ إنها الحلقة المفرغة التي ندور فيها، وقد لخص دورانها الحديث

النبوي: “إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، إِنَّ المنبت لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى”، والمنبت هو المنقطع عن ربعه

وناسه، فكيف له أن ينجز من أمرهم شيئاً؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى