شؤون العدو

إنتهى الاحتفال

بقلم: جدعون ليفي – هآرتس 

طوال حوالي اسبوعين ضجت البلاد حول قائدها الميت. 22 عاما بعد مقتله، ما زال التجمع السنوي في ذكرى اسحق رابين  الذي اقيم أمس، يثير انقسامات مرة، معظمها غير واقعية، تقريبا كلها حول أمور صغيرة – هذه السنة أكثر من أي سنة. طوال اسبوع كافحوا هنا ضد استبعاد كلمة قتل من الاعلانات، قبل ذلك تركز النضال ضد دعوة مستوطنة. المعسكر الذي لم يرفع في يوم ما اصبعا ضد المستوطنات وهو أبوها ومَن ولدها، استيقظ فجأة من نومه وناضل بشجاعة ضد خطاب المستوطن.

تجمعا لم يكن في يوم ما مهما أو مؤثرا، ويعتبر هو الموقع الاخير لمعسكر اندثر منذ زمن، تحول الى حدث قومي. بقايا المعسكر يتمسكون بكل قوتهم بهذا التجمع كاحتفال وثني قديم للذكرى والتطهر. هم يعرفون لماذا. باستثناء هذا التجمع لم يتبقَ الكثير. هنالك تجمع سنوي كبير، وهذا يدلل على أن معسكر السلام ما  زال حيا، يناضل من أجل مبادئه ويناضل من أجل شكل الدولة. هو رعشات الاحتضار. بالضبط مثلما كان رابين الرجل بعيدا عن رابين الاسطورة، المعسكر الذي ناضل على منصة في الميدان بعيدا عن صورته في نظر نفسه. لقد حان الوقت ليتوقف عن الكذب. هذا التجمع هو يوم الغفران للمعسكر البائد. مثل اليهود المتدينين الذين يرتكبون الخطايا ويؤمنون بان “افتح لنا الباب” محو كل هذه الخطايا، هكذا يؤمن معسكر السلام الذي لا يناضل من أجل شيء، لانه اذا انشد مرة في السنة في الميدان “انا ذاهب للبكاء عليك، كن قويا في الاعالي” سيؤدي الى تطهيره من خطايا صمته ولامبالاته الصارخة، اغماض عيونه وقلة حيلته. كلما تحول هذا المعسكر الى معسكر فارغ اكثر، وينحرف شيئا فشيئا نحو اليمين، هكذا يتحول النقاش حول طابع الاحتفال الى طابع أكثر صخبا. مسائل تنظيمية تحولت الى فكرية. هم يناضلون كالاسود على من سيدعى، غضب مقدس حول كل كلمة في الاعلان. الخواء الفكري كان يجب أن يملأ بشيء ما. التجمع هو المضمون.

لقد حظيت بالتعرف على رابين عن قرب طوال عدة سنوات وأن أقدره جدا. عملت مع شمعون بيرس وحسدت رجال رابين، رجال العدو: لقد احبوه. حتى اليوم أحتفظ ببطاقتين كتبهما لي، الاولى في 13 حزيران 1982: “الى جدعون ليفي، ارجع لك بهذا مبلغ 200 شيكل اقترضتها منك يوم الجمعة”، كل البساطة والتواضع والتي تبدو اليوم خيالية في بطاقة لرئيس حكومة سابق ولاحق، لم يكن لديه في جيبه قرشا ليركب سيارة أجرة، وان يرجع الى بيته يوم الجمعة. البطاقة الثانية ذات طابع شخصي، وهي أكثر إثارة.

لقد قيل كل شيء عن استقامته، قيادته، تواضعه وجديته. لقد أخذ عدة خطوات شجاعة، ولكنها لم تكن شجاعة بما فيه الكفاية. هو لم يكن المهاتما غاندي لاسرائيل، كما يقال في الاساطير التي نسجت حوله. بعيدا عن ذلك. قتله، ورثته والفراغ الذي وجد منذ مقتله زاد من قوة شخصيته لمستويات اسطورية. هذا التعاظم تم تطويره بايدي اليسار الصهيوني بهدف تعظيم شخصية المعسكر في نظر نفسه. المعادلة واضحة: اذا كان رابين مناضلا اسطوريا من أجل السلام، حينئذ فان المعسكر الذي يحمل دوما ذكراه هو معسكر سلام، ليس أقل تصميما.

ليس لهذا أساس. قتل رابين لم يؤدِ الى قتل السلام والذين تآمروا لم يتقدموا منذ ذلك الحين اي خطوة. لهذا فان هذه التجمعات ليست فقط زائدة بل هي ضارة. هي تمكن من القيام بعرض عبثي، وكأنه بقي هنا معسكر لم يعد قائما. وكأنه يكفي بالتجمع السنوي في الميدان الفارغ طوال ايام السنة، من أجل ان يحول لا شيء الى معسكر سلام مقاتل.

في اليوم التالي للتجمع، بعد انتهاء النشوة، يجب أن يضرب الواقع وجوه أعضاء حركات الشبيبة من ذوي القمصان الزرقاء، والذي منذ فترة لم يظهر، شبيبة الشموع الذين بلغوا الرشد بدون أن يعملوا شيئا وكبار السن الذين ما زالوا يذكرون وفقط يتشوقون: ليس هنالك معسكر سلام ذو أهمية في اسرائيل. باستثناء عدة مجموعات مصممة وتستحق التقدير، ليس هنالك معارضة حقيقية للحكومة وليس هنالك مقاومة حقيقية للاحتلال. من هنا ليس هنالك احتمال للتغيير من الداخل. انتهت المراسم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى