الأخبار

“إعلان بايدن – لابيد”: حرب لا أقل.. ولكنه ببغائي أيضا!

كما كان معلنًا من قبل، وقع كل من الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، يائير لابيد، إعلانًا

مشتركًا، نص على ما يمكن القول إنه تجديد وتأكيد على الالتزام الأمريكي بأمن ومصالح الكيان الصهيوني، وهي هنا

واستنادًا لتصريحات سابقة لبايدن، أو إدارته، تعبير عن أن الكيان الصهيوني هو “مصلحة” الولايات المتحدة تحديدًا في

المنطقة، لذلك فإن أمن الكيان ورفاهيته واستقراره هو مساهمة، كما يرى الأمريكي، في أمن وسلامة ورفاه الولايات

المتحدة بحد ذاتها، وهكذا فإن دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، كهدف معلن وجدي لبايدن وإدارته إنما هو بشكل

من الأشكال يحمل وجهين لعملة واحدة قد يبدو أن متناقضين، ولكنهما في الواقع يعكسان سياسة الولايات المتحدة،

والصراع الدبلوماسي الداخلي فيها حول مدى التورط – الانسحاب من مشاكل العالم.

الوجه الأول هو أن دمج الكيان واستقراره وتطبيع علاقاته مع معظم الدول العربية في الإقليم هو تأمين لظهر الانسحاب

الأمريكي من جهة، وطمأنة لهذه الدول من جهة أخرى بأن الولايات المتحدة ما زالت موجودة عبر حليفها ومخلبها

الأساسي: الكيان الصهيوني.

الوجه الثاني هو أن دمج الكيان دمج من نوع جديد للولايات المتحدة في المنطقة، إذ خرجت من باب هزائمها

وفشلها في العراق وأفغانستان وسوريا، لتعود من بوابة أخرى عنوانها هيمنة حليفها اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا على المنطقة.

كلا وجهي هذا المسار هو كما ذكرنا تعبير عن الصراع الأمريكي الداخلي واضطرار الإمبراطورية العجوز إلى اللجوء لحلول

ما كانت لتلجأ إليها قبل عقدين أو ثلاثة، وهي خطوة سياسية مبالغ بها، تعكس حاجة الولايات المتحدة وحاجة حليفها

وأذنابها في المنطقة للأمان والاستقرار.

الإعلان

يعكس الإعلان التفسير الواقعي للعلاقات العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، هذه العلاقات التي تحمل أكثر من تسمية

وصفة، فهي تحالف وتآخٍ وتوأمة وبنوة وتبعية واحتضان وتحكم وسيطرة ونفوذ، وهي من جهة أخرى مميزة ووثيقة وصلبة

واستراتيجية وأبدية ولا بديل عنها. ورغم ذلك يبدو أن الإعلان للوهلة الأولى قد كتب من قبل فريقين، فريق أمريكي،

كتب الشق الخاص بواشنطن، وفريق إسرائيلي كتب الشق الخاص بالكيان، وهذا ما يجعل الإعلان رغم أهميته نوعًا من

“إعلان نوايا” من رئيس أمريكي غير محبوب في بلاده وفقد فرصته في الانتخاب لدورة جديدة، وبين رئيس وزراء صهيوني

لن يخدم في المنصب سوى أربعة ِأشهر، وعلى الرغم من ذلك هذا الإعلان مهم وخطير، في تأكيد ما هو مؤكد وتذكير

من نسي عدوانية الولايات المتحدة وهجومها المستمر على أمتنا وشعبنا ومنطقتنا.

جاء في الإعلان نصًا: “تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل على الروابط غير القابلة للكسر بين بلدينا والالتزام الدائم

للولايات المتحدة بأمن إسرائيل”.

وهذا ليس جديدًا، والتأكيد عليه في الفقرة الأولى للإعلان واللغو الذي تلاها، إنما يعكس مخاوف الكيان الصهيوني،

التي تولدت من جانب عن إدارة ديمقراطية غير محببة للصهاينة، على الرغم من أن سياسات الحزب الديمقراطي

التاريخية تنفي هذا الأمر، وتعكس من جهة أخرى القلق الصهيوني من ما قيل إنه الانسحاب الأمريكي من المنطقة،

كما أشرنا أعلاه وهو أمر تريد الولايات المتحدة أن تظهر لشركائها وحلفائها إنه لن يؤثر على أمنهم واستقرارهم – حيث

أكد بايدن في كلمته أنه لن ينسحب من المنطقة كما ذهب سلفه، بل سينتشر ويتمركز بها – وكأنها رسالة للآخرين

وليس للكيان، إذ لم يحدث ولا مرة، أن تزعزع هذا الحلف الأمريكي – الصهيوني، ولم تكن أي إعلانات مماثلة في السابق

سوى مزيد من الطمأنة لإسرائيل من جهة، وانعكاس لسياسة الابتزاز لطلب المزيد من الدعم العسكري والمالي للكيان.

تجلى هذا تحديدًا في قول الإعلان “تماشيًا مع العلاقة الأمنية الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل والالتزام

الأمريكي الراسخ بأمن إسرائيل ولا سيما الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي – تؤكد الولايات المتحدة التزامها الثابت

بالحفاظ على قدرة إسرائيل على ردع أعدائها وتعزيزها والدفاع عن نفسها ضد أي تهديد أو مجموعة من التهديدات”.

وهذا النص يبدو مكررًا في جميع التعهدات والبيانات التي يطلقها جميع موظفي الإدارة الأمريكية من جمهوريين أو

ديمقراطيين، ولكن اللافت هو ما جاء من وصف الالتزامات المشتركة بأنها “مقدسة” حيث جاء: “تؤكد الولايات المتحدة

مجددًا أن هذه الالتزامات مقدسة من الحزبين، وأنها ليست التزامات أخلاقية فحسب، بل أيضًا التزامات إستراتيجية ذات

أهمية حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة نفسها”.

فهل هذا جديد فعلًا؟

طالما كانت إسرائيل نموذجًا للتجديد في الآليات الاستعمارية، ككيان غريب متطابق من حيث النشأة مع الشقيقة

المستعمرة الكبرى وهذه الدولة موجودة في إطار معاد، تحتاج للدعم من الخارج الاستعماري المتوافق معها، وقادرة في

نفس الوقت على القيام بالمهمات المطلوبة، وذلك يصبح إطارًا ملائمًا لنشأة الدولة المفضلة، وهنا نجد أنفسنا أمام نظامين

يتحدران من جذر واحد وينتميان إلى نفس الفئة الاستعمارية، من أجل ذلك تصبح العلاقة الأمريكية الإسرائيلية علاقة

قسرية موضوعيًا، طبيعية محكومة لطبيعة النظامين وليست مفتعلة، وبالتالي “مقدسة”.

الفجور العدواني

يعكس الإعلان طبيعة الولايات المتحدة، كعدو أساسي للمنطقة وشعوبها واستقرارها، وإن كان ليس مفاجئًا غياب

مصطلحات “الاحتلال” والفصل العنصري، وجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان أو حقوق الفلسطينيين، عن الخطاب الأمريكي،

فقد امتلأ الإعلان بما هو حقيقي، في طبيعة الولايات المتحدة، كعدو إمبريالي وباعتبارها بالفعل “رأس الأفعى” في العدوان

الشامل الذي تتعرض له شعوب المنطقة؛ عبر التأكيد على “الالتزام بعدم السماح ل إيران مطلقًا بامتلاك سلاح نووي، وأنها

مستعدة لاستخدام جميع عناصر قوتها الوطنية لضمان هذه النتيجة”؛ تنعكس وقاحة الإمبراطور وصلفه، في سعيه للاستمرار

في لعب دور بلطجي العالم الذي يسمح ويمنع، في اعتداء صارخ على حرية وحقوق الشعب الإيراني، وحقه المطلق في

تقرير مصيره وتحديد سياق تطوره. فماذا يكون الموقف لو أعلنت روسيا إنها لن تسمح مطلقا لأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو

وإنها مستعدة لاستخدام عناصر قوتها الوطنية لمنع ذلك؟

عفوًا عزيز القارئ للسؤال المتأخر، فقد رأى العالم كله موقف الولايات المتحدة، الذي تكرر في تايوان ضد الصين، وكوريا

الجنوبية ضد الشمالية، وضد فنزويلا وكوبا وفي كل مكان حول العالم.

أيضًا، فإن الولايات المتحدة، في هذا الإعلان تجدد عداءها للمقاومة الفلسطينية، واللبنانية وحقوق الشعبين الفلسطيني

واللبناني، وهو دليل جهل الإمبراطورية وعجزها عن تفسير الواقع، بالتعامل مع قوى المقاومة كأذرع لإيران، دون النظر إلى

حقيقة مسبب المقاومة الأصلي وهو الكيان الصهيوني، أي بالنتيجة وباعتبار الكيان “حالة مقدسة” للأمريكي، فإن المقاومة

هي ضد هذا الأمريكي بشكل مباشر/ والأمريكي يفهم هذا جيدًا ويزج نفسه في هذه المعركة متسلحًا بقوته الفائقة التي

لا يهمها العدل أو التفكير التاريخي المنطقي.

وبالتالي، شمل الإعلان أيضًا التعهدات الأمريكية المعتادة، بشأن المال والسلاح والتعاون الأمني العسكري، وترحيب متوقع

بمسار التطبيع العربي الصهيوني، كما وضحنا في مقدمة هذه القراءة، وبالطبع مزيدًا من الإهمال الأمريكي والتجاهل

للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، مدعومة بآفاق التطبيع المشين/الخياني بين دول عربية قلقة على

استقرار أنظمتها المتحالفة مع العدوان وبين الكيان الصهيوني المتغول في سعيه للسيطرة الاقتصادية والأمنية على

هذه الدول وهو ما ثبت بشكل واضح في تفاصيل الاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي عقدها العدو الصهيوني مع أنظمة

التطبيع/الخيانة المختلفة.

أخيرًا: لمن يريد أن يفهم وأن يرى الحقيقة، فإن هذا الإعلان تعبير عن سياسة أشير لها منذ أكثر من خمسين عامًا،

في تحديد معسكر الأعداء والأصدقاء، وتحديد الولايات المتحدة الإمبريالية كرأس معسكر الأعداء، كداعمٍ وممولٍ وحامٍ

للصهيونية وكيانها الغاصب إسرائيل، وكذلك الأنظمة العربية الرجعية التي اكتفت من التستر لتخرج خيانتها وعداءها

لشعوبها وللشعب الفلسطيني إلى العلن.

وإذا كان معسكر الأعداء قد كشف وجهه القبيح وحدود معسكره؛ فالأولى بمناهضيه أن يتوحدوا ويرسموا حدود

معسكرهم ويتعلموا – من أعدائهم للأسف- كيف يوحدون طاقاتهم ويدمجون فعلهم السياسي والاقتصادي و

العسكري والثقافي في مواجهة المعسكر/النظام الإمبريالي الصهيوني الرجعي.

اقرأ المزيد: أمير عبد اللهيان: استعراض الصهاينة وواشنطن يزيدنا إصراراً على تحقيق أهدافنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى