مقالات وآراء

إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم: مشروع سياسي ينقصه كل شيء

ثمة عاملان أساسيان يدفعان الدول المجاورة لسوريا إلى تحريك ملف اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، بغية إيجاد

حلّ له. العامل الأوَّل يتمثّل بتراجع قيمة التبرعات الدولية المخصّصة لأعمال الإغاثة والدعم بسبب أولوية الحرب الأوكرانية لدى

الغرب، والأزمات الاقتصادية العالمية من طاقة وزراعة. أما العامل الآخر، فيتعلق بالانفتاح الإقليمي المحدود على دمشق وتغير

قواعد الضغط الخارجي وأشكالها على الحكومة السورية.

وفي هذا السّياق، يمكن تفسير رفع مستوى التنسيق اللبناني في ملف اللاجئين، عبر إيفاد وفد حكومي رفيع المستوى

إلى دمشق، وكذلك الحديث التركي الأخير عن إمكانية التواصل المباشر مع دمشق لمعالجة عدة ملفات، من بينها ملف

إعادة اللاجئين. أيضاً، بات الأردن مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بأهمية إخراج ملف اللاجئين من دائرة الحسابات السياسية

ومعالجته بالتعاون مع دمشق.

لكن العمل على إعادة أكثر من 5 ملايين لاجئ إلى ديارهم لن يكون أمراً سهلاً، وإن وُجد قرار سياسي بذلك، فهناك اعتبارات

أخرى كثيرة تقف عائقاً أمام تحقيق ذلك، بعضها مرتبط بمجتمع اللاجئين المتشكل في الخارج، والذي رسخت معالمه ويومياته

سنوات الحرب الطويلة، وبعضها الآخر له علاقة بما يتوجب على حكومات دول المنطقة فعله لتسهيل ذلك.

مجتمع كبير

تتباين التقديرات الإحصائية لعدد اللاجئين السوريين في دول الجوار، ولا سيما أنّ هناك شكوكاً مثارة لجهة الأرقام المعلنة

رسمياً من قبل حكومات بعض الدول تحقيقاً لمصالح سياسية واقتصادية، إلا أن بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة

لشؤون اللاجئين تؤكد أنَّ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في مختلف دول العالم وصل عام 2021 إلى نحو 6.6 ملايين

لاجئ، منهم 5.5 ملايين موزعون على الدول المجاورة لسوريا، يعيش معظمهم في المناطق الحضرية، فيما هناك لاجئ

من بين 20 لاجئاً يعيش في مخيمات للاجئين، لكن عموماً تجزم المفوضية أن “الحياة في كل الدول المجاورة تعدّ صراعاً

يومياً لملايين اللاجئين السوريين من ذوي الموارد المالية الضئيلة أو المعدومة”.

جغرافياً، يتوزع العدد الأكبر من اللاجئين السوريين المسجلين في الدول المجاورة على تركيا التي تستضيف العدد الأكبر

منهم بنحو 3.6 ملايين لاجئ، ثم يأتي لبنان في المرتبة الثانية باستقباله نحو 865 مليون لاجئ مسجل، فيما تتحدث

التقديرات عن 1.5 مليون لاجئ مسجل وغير مسجل، ثم الأردن ثالثاً، وهو يستضيف نحو 660 ألف لاجئ. أما العراق، فقد

تم إحصاء وجود أكثر من 244 ألف لاجئ سوري يعيشون على أراضيه. وفي مصر، هناك نحو 140 ألف لاجئ يحصلون على مساعدات أممية.

يمكن قراءة أبعاد هذه الأرقام وتأثيرها في سياسات حكومات الدول المضيفة من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين عدد اللاجئين

السوريين وإجمالي عدد السكان في كل بلد. في تركيا مثلاً، تزيد هذه النسبة على 4%. وفي لبنان، ترتفع إلى نحو 12%

بالنسبة إلى اللاجئين المسجلين، وإلى أكثر من 22% إذا صحَّت التقديرات الأخرى المشار إليها أنفاً. وفي الأردن، فإن

النسبة ليست قليلة، إذ تقدر بنحو 6.6%. أما أقل النسب، فهي موجودة في العراق، إذ لم تتجاوز 0.5%.

يمكن توزيع اللاجئين السوريين في الدول المجاورة بحسب أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية إلى 3 فئات:

– الفئة الأولى تضم اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات خاصة. هؤلاء يعانون أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة رغم

التفاوت الحاصل بين أوضاع تلك المخيمات، إذ إنَّ بعض الدول مثلاً تحرمهم من حقّ العمل والمشاركة الاقتصادية وتهدر

حقوقهم كلاجئين، مصورةً إياهم كخطر على الدولة والمجتمع.

وبحسب مسح أجراه المركز السوري لبحوث السياسات على بعض المخيّمات في البقاع اللبناني، فإنَّ “بعض المقيمين

في المخيمات يقومون ببيع حصصهم من مساعدات التدفئة لكي يسددوا إيجار الخيمة، ويعتمدون الحطب والمواد البلاستيكية

للتدفئة، ما يجعل تقييم الحصول على وقود التدفئة سيئاً واقعياً، نتيجة الكلفة العالية واستخدام الحطب والبلاستيك والأضرار

الصحية والبيئية التي يسبّبها هذا النمط من التدفئة”.

ويكشف المسح في جانب آخر أنَّ “استراتيجية التعامل مع اللاجئين في المخيمات المدروسة تتركز على اعتبارهم تهديداً

أمنياً محتملاً. لذلك، تتولى المؤسسة العسكرية والأمنية الدور الرئيسي في ضبط حياة اللاجئين، من خلال السيطرة الأمنية،

والتهديد المستمر، والحرمان من الحصول على تصريح الإقامة القانونية لأغلبية اللاجئين، وتنفيذ الاعتقالات والمداهمات المتكررة، وصولاً إلى الترحيل”.

– الفئة الثانية تضم اللاجئين الذين يقيمون في المناطق الحضرية والريفية. معظم هؤلاء يعيشون على الكفاف نتيجة ارتفاع

تكاليف المعيشة ومحدودية الدخل، وخصوصاً أن الرواتب التي تعطى لهؤلاء غالباً ما تكون متدنية، إما نتيجة وجود أعداد كبيرة من طالبي العمل، وإما بفعل استغلال أصحاب العمل حاجة السوريين إلى العمل، ولو بالحد الأدنى من الأجر.

ووفقاً لما تشير إليه مفوضية اللاجئين الأممية، يعيش الآن في لبنان “9 من كل 10 لاجئين في حالة من الفقرٍ المدقع. لا توجد مخيمات رسمية للاجئين في البلاد. ونتيجة لذلك، يعيش السوريون داخل المجتمعات وفي مواقع مدنية وريفية في مختلف أنحاء البلاد، وغالباً ما يتقاسمون مساكنهم الصغيرة مع عائلات لاجئة أُخرى، ويعيشون في أماكن مكتظة”.

– الفئة الثالثة تشمل اللاجئين الَّذين اندمجوا في الحياة الاقتصادية للبلاد، وأصبح لديهم مشروعات اقتصادية صغيرة أو متوسطة في الدول التي تستضيفهم، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في دول كمصر تركيا والأردن التي سمحت للسوريين بالعمل وممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية، الأمر الذي أسهم في حدوث انتعاش اقتصادي وتجاري في العديد من المناطق الحضرية والريفية في تلك الدول وتوفير فرص عمل عديدة. ووصل بعض أفراد هذه الشريحة إلى التملك عبر شراء المنازل والمحال التجارية والحرفية والأراضي لإقامة المشروعات عليها.

طوعية أو إلزامية؟

كل ذلك يجعل دون مسألة عودة اللاجئين صعوبات وعوائق عديدة لا ترتبط بالقرار أو بالتوجه السياسي لهذه الحكومة أو تلك فحسب، إنما أيضاً بمجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العامة للاجئين من جهة، والوضع الداخلي في سوريا من جهة ثانية، والواجبات والالتزامات الدولية من جهة ثالثة…

أولى الصّعوبات تتعلّق برغبة اللاجئين أنفسهم في العودة إلى وطنهم، فحتى الآن ليست هناك مسوح أو استبيانات رأي تقيس هذا الأمر وتحدد بشكل صريح الأسباب الحقيقية التي تدفع شريحة ليست قليلة منهم إلى تفضيل البقاء في هذه الدولة أو تلك، لكن، واستناداً إلى بعض المعطيات، يمكن استنتاج 3 أسباب تدفع جزءاً كبيراً من اللاجئين إلى تفضيل خيار البقاء.

هذه الأسباب هي:

– شريحة تفضّل البقاء بغية المحافظة على استمرار حصولها على المساعدات الإغاثية الأممية المادية أو العينية، ولا سيّما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا، وفي ظل فقدان أسر كثيرة منازلها وممتلكاتها خلال الحرب. لذلك، ليس هناك ما يشجعها على العودة.

– شريحة أخرى تتخوَّف من تعرّضها لأيّ تبعات أمنية في حال عودتها، وهذا ما أشار إليه بوضوح بعض سكان مخيمات اللجوء في لبنان خلال المسح المشار إليه سابقاً، والَّذي أكدت نتائجه أن تطلّعات اللاجئين إلى العودة مرتبطة بتوقف العنف في سوريا وتوفر الشروط الأساسية للعيش والعمل. ونتيجة لعدم توفر هذه الشروط للعودة الطوعية والآمنة والكريمة، لا يتوقع معظمهم العودة في الأجل القصير.

– الشريحة الثالثة هي التي انخرطت في الأنشطة الاقتصادية، وأصبح لديها مصادر دخل جيدة وكبيرة أحياناً، وتحديداً في تركيا ومصر، وبدرجة أقل في الأردن ولبنان. هذه الشريحة تجد صعوبة في إيقاف أنشطتها وأعمالها الاقتصادية الناجحة بغية العودة إلى سوريا، وتالياً من المستبعد جداً أن توافق على العودة الطوعية والنهائية إلى بلادها.

الصعوبة الثانية تتمثّل بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها سوريا منذ أكثر من عامين، والضرر الحاصل في البنى التحتية والمرافق الخدمية والمساكن، وما تسببه العقوبات الغربية من آثار اقتصادية خطرة.

هذا الواقع يجعل من المستحيل على أيّ بلد تحمّل زيادة مفاجئة في عدد السكان تصل إلى نحو 27% فيما لو تقرر إعادة جميع اللاجئين في الدول المجاورة، وإلى نحو 14% فيما لو عاد نصف عدد اللاجئين المشار إليهم. لذلك، لا مناص من اعتماد مشروع دولي يدعم عودة اللاجئين السوريين على مراحل زمنية يجري خلالها توفير البيئة الاقتصادية والاجتماعية اللازمة.

الصعوبة الثالثة تتعلّق بالمواقف الدولية المتأرجحة بين دعوة بعض الدول إلى تأمين عودة آمنة للاجئين، لكن من دون اتخاذ أي خطوات عملية في هذا المضمار، ودول تتعامل مع ملف اللاجئين كورقة سياسية محلية وإقليمية ودولية مرتبطة بتطورات مسار الأزمة السورية وغيرها من أزمات المنطقة والعالم.

وإلى أن تتفق الدول على التعامل مع هذا الملف من منظور إنساني واجتماعي واقتصادي، فإن إعادة اللاجئين إلى ديارهم ستبقى مجرد بند على جدول أعمال أي لقاءات أو اجتماعات سياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى