شؤون العدو

“إسرائيل” تتدرب في قبرص على غزو لبنان: السياق والأهداف والإشكاليات

إعلان الجيش الإسرائيلي إرسال لواء الكوماندوس إلى قبرص من أجل التدرب فيها على غزو لبنان، في أي مواجهة

مستقبلية مع حزب الله، بسبب تشابه تضاريس البلدين، ضمن فعاليات مناورة “مركبات النار” التي تجري هذه الأيام، يثير

أسئلة بشأن سياق هذه المناورة، وأهدافها، والإشكاليات التي تنطوي عليها، ولاسيما أن المناورة، التي تجري هذا العام،

ليست الأولى، وهي تجري منذ عدة سنوات، وذلك كعبرة من عِبَر الفشل الذي مُني به جيش الاحتلال الإسرائيلي في

حرب تموز/يوليو 2006.

السياق

البلاء السيّئ الذي أبلاه جيش الاحتلال الإسرائيلي بصورة عامة، والوحدات البرية بصورة خاصة، خلال حرب تموز/يوليو

2006، دقّ جرس الإنذار لدى المستويات السياسية والعسكرية في “إسرائيل”، وأثار نقاشاً صاخباً، لا يخلو من أبعاد

مفاهيمية على مستوى النظرية الأمنية، إلى جانب جوانبه القيمية ذات الصلة بالروح القتالية والاستعداد للتضحية،

بشأن ضرورة المناورة البرية لتحقيق الانتصار المنشود والمـأمول في أي معركة مستقبلية ضد حزب الله في لبنان،

والشروط المطلوبة لنجاح هذه المناورة. وعلى الرغم من أن الآراء انقسمت بين الخبراء الاستراتيجيين والمنظّرين

العسكريين والباحثين في مجال الأمن القومي، بشأن إشكالية المناورة البرية وضرورتها وشروطها، فإن مستويات القرار

في “إسرائيل” لم تجد بديلاً عن الاستعداد لها بمعزل عن مآلاتها.

وفي سياق استخلاص العِبَر من إخفاقات حرب تموز/يوليو 2006، نشأت فكرة إدخال تعديلات على مفهوم تشغيل

القوات العسكرية من جهة، وعلى مبناها وهيكليتها من جهة ثانية، وهو ما تم ترجمته، من جملة الأمور، استحداثاً لما

قيادة العمق، في عام 2011، تبع ذلك تشكيل لواء الكوماندوس في عام 2015، الذي يضم عدداً من وحدات

النخبة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتم إلحاقه بالفرقة الـ98، إلى جانب ألوية أُخرى، لتكون مهمته العمل في

 

عمق الأراضي اللبنانية، ليكون متمماً أو بديلاً، وفق ما تقتضيه الظروف، عن المناورة البرية في المناطق الحدودية بصورة خاصة.

إنجاح هذه المهمة يفرض أن تتدرب الوحدات الجديدة في تضاريس جغرافية مشابهة للتضاريس اللبنانية. ومن هنا جاء

اختيار قبرص ساحة اختبار لعدوان إسرائيلي مستقبلي على لبنان، فشارك لواء الكوماندوس في عام 2017 في أول تدريب

له في قبرص، ناور خلاله على القتال في مناطق تحاكي التضاريس اللبنانية.

المجريات

تُجري إسرائيل، هذه الأيام، مناورة “مركبات النار”، التي تحاكي حرباً متعددة الجبهات، والأبعاد، لمدة “شهر حرب”.

هذه المناورة يقول عنها المسؤولون الإسرائيليون إنها الأكبر في تاريخ مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي.

المناورة، التي تستمر أربعة أسابيع، بدأت في الـ9 من أيار/مايو الجاري، وتنتهي في الـ2  من حزيران/يونيو المقبل.

بحسب مخطط المناورة، المعلن عنه رسمياً من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإنه في الأسبوع الرابع من المناورة، أي

يوم الأحد المقبل، ستناور قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي في  منطقة جبلية وفي مناطق “غير معروفة”

(بمعنى أن القوات لم تتدرب في منطقة مثلها من قبل). والتدرب القتالي سيحاكي معركة في الجبهة الشمالية (لبنان)،

ويتضمّن مناورة برية في منطقة جبلية في قبرص (شبيهة بالتضاريس اللبنانية)، بموازاة تدريب مقارَّ قيادية في “إسرائيل”.

ستشارك في المناورة قوات من الفرقة الـ98، التي تضم لواء الكوماندوس في جيش الاحتلال الإسرائيلي. كما سيشارك

سلاح الجو الإسرائيلي في المناورة مشاركةً فعالة.

لماذا قبرص؟

لا يُخفي الضباط والخبراء الإسرائيليون الخلفية التي دفعت الجيش الإسرائيلي إلى اختيار قبرص، من أجل التدرب فيها

على غزو لبنان. فقبرص تُشكّل، بالنسبة إليهم، بحسب صحيفة “إسرائيل هيوم” (2019-12-06 ): “نسخة عن لبنان،

في المسافة، وأيضاً نتيجة الظروف الجغرافية التي سيُشاهدونها في الحرب المقبلة أمام حزب الله”. وأضافت الصحيفة

أن “قبرص تشبه لبنان: الجبال، النباتات، ضرورة العمل بين مدنيين. بالنسبة إلى الضبّاط والجنود الشبّان، هذا عالم جديد

وغير معروف. معظمهم وُلد قبيل وقت قصير من الانسحاب من جنوبي لبنان عام 2000، ولم يشاركوا في حرب لبنان الثانية.

ما حدث في حرب لبنان الثانية ممنوع أن يحدث المرة المقبلة: قوات علقت على بعد متر من السياج؛ جرحى انتظروا

ساعات لإخلاء طبي؛ وسائل قتالية وغذاء لم تصل في الوقت المحدَّد؛ الجيش الإسرائيلي الكبير “تشربك بذيله”؛

مقاتلون أضلّوا الطريق، وبصورة خاصة لم يدركوا أن الحرب هي مملكة الشك، لم ولن يكون فيها معلومات استخبارية

كاملة، وكل الخطط قد تنهار، أو تتغير”.

ما يشجع جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر على التدرب في قبرص، هو “العلاقة الاستراتيجية العميقة التي تربط بين

البلدين. إنها منظومة علاقات حميمة، ودّية، في كل المستويات: من رئيس الحكومة، مرورا بوزارة الأمن وقيادة الجيش

الإسرائيلي، حتى القوات في الميدان”، وفق محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “إسرائيل هيوم”، يوآف ليمور، الذي

ذكر أنه في المناورة التي جرت في عام 2019،  جاء قائد سلاح الجو القبرصي ليجلس مع الطيارين الإسرائيليين ويتحدث

إليهم. وخلال المناورة، التقى أيضاً قائد سلاح الجو حينها، اللواء عميكام نوركين، الذي جاء لزيارة خاطفة. وأكثر من ذلك،

وصل رئيس هيئة الأركان، الفريق أفيف كوخافي، عام 2019 إلى قبرص لعدة ساعات لزيارة القوات الإسرائيلية التي

تتدرب هناك، واستغلّ الفرصة، بحيث عرّج إلى نيقوسيا للاجتماع بنظرائه القبرصيين. ورافق كوخافي في قبرص كل من

قائد قيادة الجبهة الشمالية، اللواء أمير برعم، وقائد ذراع البر آنذاك، اللواء يوآل ستريك.

اقرأ المزيد: حملة اعتقالات ومداهمات صهيونية بالضفة المحتلة

الإشكالية

سماح قبرص لجيش الاحتلال الإسرائيلي باستغلال أراضيها للتدرب على غزو لبنان يطرح إشكاليات متعددة، ذلك بأن

قبرص دولة صديقة للبنان، وتقيم معه علاقات سياسية ودبلوماسية طبيعية، إن لم نقل جيدة جداً. وهذه العلاقات

متعددة المجالات. الإشكالية تكمن في أن “إسرائيل”، “الدولة” العدو للبنان، والمعتدية دوماً، تناور سنوياً في قبرص

على عمليات عدوانية ضد لبنان، وهي تعلن ذلك، وتقول إنها تستفيد من الجغرافيا القبرصية، التي تشبه، في مناطق

كثيرة منها، الجغرافيا اللبنانية، للتدرب على مهاجمة لبنان وتنفيذ مناورة برية فيه في أي حرب مقبلة. إسرائيل تتدرب

على “حرب هجومية”، وليس على عمل دفاعي. وهذا يطرح الأسئلة التالية:

– هل من المقبول والمتعارف عليه في العلاقات الدولية أن تفتح دولة ما أراضيها (قبرص) لـ”دولة” ثانية (“إسرائيل”)

للتدرب على الاعتداء على أراضٍ دولة ثالثة (لبنان)، لها علاقات طبيعية بالدولة الأولى (قبرص)؟

– ألا يخالف ذلك علاقات حسن الجوار؟ ألا يشكل ذلك مخالفة لأبسط مبادئ الدبلوماسية والقانون الدولي؟ وهل

المشاركة القبرصية تُعفيها من تحمل التبعات المتعددة المجالات؟

لماذا يبقى لبنان، بحكومته ووزارته وأجهزته السياسية والأمنية والعسكرية، صامتاً، ولا يحرّك ساكناً، ولا يقدّم أي اعتراض

ضد قبرص، ولا يطلب أي توضيح منها، ولا يتّخذ أي إجراء بحقها؟ هل يمكن افتراض أن هناك دولة في العالم تقبل هذا الواقع؟

عباس اسماعيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى