الأخبارالقدس

إسرائيل: الاستيطان يصارع الاحتلال

أقرّت الكنيست بقراءةٍ مُستعجلة، أمس، مشروع القانون الذي صاغته اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بشأن تبييض البؤر الاستيطانية بأثرٍ رجعي. وجاء الإقرار الأولي هذا بعد مناورات وألاعيب كبيرة شاركت فيها تقريباً أحزاب الائتلاف الحكومي الإسرائيلي كلها، حتى بعدما أعلن المستشارُ القضائي للحكومة أن القانون يُخالفُ سلطةَ القانون الإسرائيلي ويتعارضُ مع القانون الدولي. وليس مستبعداً أن إقرار القانون بشكل أولي جاء للتجاوب مع المستوطنين، من دون أن يحمل، على الأقل في الوقت القريب، أيَّ أبعادٍ تنفيذية. وفي هذه الأثناء، تمّ تأجيلُ النظر في قانون منع الأذان في المساجد، بعدما استأنف على القرار وزير الصحة من حزب «يهدوت هتوراه» المُتدين يعقوب ليتسمان، خشية أن يسري القانون أيضاً على المعابد اليهودية.

وقد أقر مشروعُ قانون تشريع الاستيطان بقراءةٍ مستعجلة بعد يومٍ عاصف من المناكفات داخل الائتلاف الحكومي، وفقط بعدما تراجع زعيم حزب «كلنا»، وزير المالية موشي كحلون، عن معارضته لمشروع القانون. وقد سبق إزالة اعتراض كحلون لقاءٌ جمَعَه مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على خلفية احتمال غياب كتلة «كلنا» عن التصويت، ما يعني سقوط اقتراح الحكومة. وفي نهاية اللقاء، أعلن كحلون أن كتلته ستدعم القانون، ولكن مع التحفظ على البند المتعلق بالمسّ بالمحكمة العليا. وشدد كحلون على أنه «إذا مَسَّ القانون بالمحكمة العليا في أي مرحلة في التشريع، فإن كتلته ستعترض عليه في أي مرحلة كهذه».

وسبق إعلان كحلون عن تأييده المتحفظ لمشروع القانون قيامُ رئيس الائتلاف الحكومي ديفيد بيطان بالتحدث أمام الكنيست معلناً أن المشروع لا يمسّ بحال «في أي من مراحل التشريع المحكمة العليا». وتمّ عرض المشروع على التصويت بثلاث صيغ مختلفة، أقرت جميعها. وفي كل هذه الصيغ، ورد بندٌ يجعل القانون سارياً بأثر رجعي على المواقع الاستيطانية غير المرخصة القائمة حالياً، مثل مستوطنة عمونا، التي أمرت المحكمة العليا بتفكيكها قبل نهاية شهر كانون الأول المقبل.

وقد أعلن «البيت اليهودي» أن عدم إقرار القانون يعني أن أعضاءه في الكنيست لن يلتزموا من الآن فصاعداً بالتصويت لمصلحة الحكومة. ويعني هذا الكلام رفع الخلافات الداخلية في الحكومة إلى مستوى إسقاطها في أقرب فرصة. وهذا التهديد هو ما حمل حتى المعارضين للقانون من داخل الائتلاف للتصويت لمصلحته. ورغم أن إقرار القانون هو جزءٌ من ميل الحكومة الحالية، هناك من يقول إن إقرار الصيغة المعجلة يرمي إلى وضع هذا القانون في جوارير اللجان المختلفة في الكنيست، بانتظار لحظة مناسبة في المستقبل إما لإقراره أو لدفنه.

وأعلنت عضو الكنيست من «البيت اليهودي» شولي معلم، وهي من المبادرين لسنّ القانون، «أننا نحترم أحكام المحكمة العليا. والمحكمة قررت ما قررت وفق وضع قانوني قائم. والقانون الساري يجعل عمونا غير قانونية ويجب هدمها». وأضافت أنه «من منطلق احترام قرار المحكمة، نحن نعمل على تسوية. ونحن أخذنا بنصيحة رئيسة المحكمة العليا وقمنا بتغيير القانون». وأضافت أن «التشريع الإسرائيلي لا يتوافق ولا يلتزم بالقانون الدولي. والقانون الدولي لا يزال غير قائدٍ لكنيست إسرائيل»، مشددة على أن «قانون التسوية هو الطريق الرئيسي الذي أعلنت فيه دولة إسرائيل أن مستوطني يهودا والسامرة ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية».

وبحسب الصياغات التي أقرّت، فإن بوسع المستوطنين، بعد إقرار القانون بصيغته النهائية، السكنَ فوق أرضٍ خاصة يملكها فلسطينيون، بعد أن يتمّ منحُهم تعويضات. وسبق للمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت أن أعلن عدم قدرته على الدفاع عن مثل هذا القانون أمام المحكمة العليا لأن هذا القانون ينتهك القانون الدولي ويمسُّ بمبدأ حقّ الملكية.

وأعلن زعيم المعارضة اسحق هرتسوغ أن «هذا القانون هو قانون الأوهام لكنيست إسرائيل. وأنا أدعو كل أعضاء الكنيست لمعارضته بشدة. فلم يسبق في تاريخ الدولة أن صوتت الكنيست بالتناقض التامّ مع قانون الدولة والقانون الدولي. هذا قانون يعترف بالسلب والنهب». أما عضو الكنيست من «ميرتس»، إيلان غالئون، فقال إن «قانون التسوية يُميز دول العالم الثالث، حيث تملى القوانين بنحو متأخر لتبييض جرائمها».

وكان مثيراً للاستهجان تأييد حزب «كلنا» لمشروع القانون التزاماً بانضباط الائتلاف الحكومي. وقالت عضو الكنيست تمار زندبرغ إن كحلون وحزبه «تراجعا أيّ تراجع. وقد وافق كحلون على التراجع ودعم قانون التسوية مقابل تصريحٍ بأن هذا لا يمسّ بسلطة القانون». وأضافت أن «ما أقرته الكنيست حالياً هو تشريع أن السرقة مباحة. ولكن هذا لا يجعل السرقة أمراً مشروعاً ولا يجعلها تمسّ بسلطة القانون». أما زعيمة «ميرتس»، زهافا غالئون، فقالت إن «هذه هي حكومة لصوص. وهي تقرُّ قانوناً يبيح السلب. وحزب كلنا قدم اليوم تسويغاً لصفعة ولألاعيب سياسية واطئة ووسخة، وسمحت بتراخٍ لا يغتفر ضد المحكمة العليا».

وقال عضو الكنيست دوف حنين من القائمة العربية المشتركة إنه «من بين كل القوانين السيئة التي سنّتها هذه الحكومة، أنتم تسعون اليوم للوصول إلى دركٍ سُفلي عميق على وجه الخصوص». وشدد على أن «القانون غيرُ محق، قانونٌ غير قانوني، وهو قانون ضار جدا».

وكانت أحزاب المعارضة من الوسط واليسار قد عملت على عدم عرقلة تمرير المشروع كنوعٍ من توريط الحكومة الإسرائيلية في الداخل والخارج. وأزاحت المعارضة عن التصويت مجموعة من مشاريع القوانين لتسهيل عرض قانون التسوية أملا أن يجر ذلك إلى ردود فعل دولية من النوع الذي يخشاه ويتحسب له نتنياهو. وكما هو معروف، أقرت صياغات قانون التسوية هذا بأغلبية 58 صوتاً مقابل 50 في المتوسط.

إلى ذلك، قال وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أمس إن إسرائيل يجب أن تسعى للتوصل إلى اتفاق مع إدارة الرئيس الاميركي المقبل دونالد ترامب للسماح بتوسيع البناء في مستوطنات الضفة الغربية الرئيسية مع تجميد البناء في المناطق المعزولة.

وترافق إقرار قانون تسويغ البؤر الاستيطانية بتأجيل البحث في قانون الأذان الذي كان مقرراً أيضاً مناقشتُه أمس. وجاءَ التأجيل بعدما استأنف وزير الصحة من «يهدوت هتوراه» يعقوب ليتسمان على قرار اللجنة الوزارية بشأنه.

ومعروفٌ أن قانون الأذان لم يأت فقط لتخفيف الضجة، بل في إطار إملاء الطابع اليهودي حتى على أصحاب الأرض الأصليين. وليس صدفةً أنّ عرض هذا القانون جاء في سياق الحملة الواسعة ضد العرب، وبينها مشروع قانون يلزم كل عضو كنيست برفع علم إسرائيل إلى جانبه عند اجتماعه بأي مجموعة من الناس. وفي كل حال، فإن استئناف الوزير ليتسمان على مشروع قانون الأذان جاء في إطار الخشية من أنه قد يمسّ الكنس اليهودية التي تستخدم أيضاً مكبرات الصوت في إسماع المواعظ والاحتفالات الدينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى